رأي

دور المقاومة والجهاد في تصحيح الأفكار (الجهاد كلمة، والكلمة جهاد ).

بقلم الدكتور محمد بنينير.

كشفت حرب غزة في موقعة طوفان الأقصى عن دور الجهاد والمقاومة في تصحيح الأفكار وبلورتها ومراجعتها، وذكرتنا بالبيت الشهير لأبي تمام:

السيفُ أصدقُ أنباءً من الكتبِ // في حدِّه الحدُّ بين الجدِّ واللعبِ

وأكدت لنا صدق ما ذهب إليه أبو تمام في هذا البيت الشعري الخالد، وهو يمدح الخليفة العباسي المعتصم رحمه الله صانع ملحمة معركة عمورية، في قصيدته التي خلد فيها ذكر هذه المعركة التي كانت فتحا ربانيا :

فتحُ الفُتوحِ تَعالَى أن يُحيطَ بِه // نَظمٌ مِن الشعرِ أو نثرٌ مِن الخُطَبِ

لقد كانت معركة عمورية استجابة من الخليفة المعتصم لاستغاثة امرأة مسلمة حين صاحت (وا معتصماه) وهي تهان من طرف رجل رومي في بلاد الروم، ولما وصلت استغاثتها للخليفة أجابها على الفور (لبيك يا أمة الله).
عندها تحرك جحفل أصحاب الكتب السوداء كتبِ التنجيم والدجل، حيث نصح المنجمون الخليفة بأن يؤخر الخروج للمعركة إلى زمن الصيف وقتِ نُضج التين والعنب، لأن ذاك هو وقت النصر كما يرونه بعين الدجل العوراء.
لكن عزيمة الإيمان والثقة في نصر الله جعلت المعتصم يميل إلى رأي العلماء الربانيين أصحاب الكتب المتنورة، والذين نصحوه بالخروج للجهاد حالا دون تأخير، فاستجاب لرأيهم الذي وافق رأيه وهمته في معاجلة الروم بالعقاب والاقتصاص منهم، حتى لا يهان مسلم أو مسلمة مرة أخرى في عقر دارهم، وقد كانت الدولة الإسلامية وقتها لا تزال في أوج عزتها وكبريائها.
ولذلك خرج المعتصم متوكلا على الله ومستعينا به على هذه اللحظة الحرجة، وكانت الدولة وقتها تصارع تمرد بابك الخُرَّمي وجماعته الضالة من الخُرَّمِيَّة، وهي جماعة باطنية فارسية تحقد على الإسلام والمسلمين وكانت شديدة الخطر، ثم مضى المعتصم أيضا معتمدا على ما أعده من عدة الحرب، وعلى قوة جيشه وعزيمته الوقادة في تحقيق النصر والثأر، خاصة وأن روح الأنفة والكبرياء التي أوقدتها صيحة استغاثة المرأة المسلمة (وا معتصماه) أشعلت في نفوس المسلمين نارَ حمية لا يطفئها إلا الدم المهراق من شرايين الطغاة الذين أهانوا هذه المرأة، خاصة وأن المسلمين كانوا أُمة العدل وقتها لا يظلم في بلادهم أحد مسلما كان أو ذِمِّيا، بل لا يظلم في بلادهم إنسان أو حيوان وهم يعلمون.
وبهذه الروح التي تعلي من شأن مبادئ الحرية والعدل والتعايش وتنتصر لهذه القيم متى اعتدى عليها معتد، تحقق النصر للمسلمين حماة العدالة، على الروم المتغطرسين من دعاة الظلم والفساد، فكان نصرا ملحميا هلك فيه الآلاف من جيش الروم (سبعون أو تسعون ألف فارس حسب اختلاف الروايات) .
وهنا تظهر قوة الكلمة في تخليد هذه اللحظة المشرقة رغم دمويتها المرعبة، حيث قال أبو تمام مصورا هزيمة الروم:

يا يومَ وقْعَةِ عَمُّوريَّةَ انْصَرَفتْ // عنْكَ المُنى حُفَّلًا مَعسولةَ الحَلَبِ

أَبْقَيتَ جَدَّ بني الإسلام في صُعُدٍ // والمشركين ودارَ الشِّركِ في صَبَبِ

أُمٌّ لهم لَو رَجَوْا أن تُفْتَدى جعَلوا // فِداءَها كلَّ أُمٍّ بَرَّةٍ وأَبِ

سبعونَ ألفا كآسادِ الشرى نضجتْ //
جلودهمْ قبلَ نُضجِ التينِ والعنبِ

وفي رواية أخرى لهذا البيت (تسعون ألفا). أي أن قتلى جيش الروم تراوح عددهم بين السبعين والتسعين ألف.
وهكذا بين الشعر الملحمي في هذه القصيدة أن اختلاط دماء الشهادة الزكية من أجساد حماة العدالة وقتها (المسلمون) مع دماء دعاة الظلم والفساد من الروم المتغطرسين، كان نصرا وفتحا مبينا رفع أمة العدل إلى الأعلى، وهوى بأمة الظلم والفساد إلى الأسفل، فكان هذا النصر الملحمي برهانا بين أن الجهاد في الإسلام كلمة، أي أنه يُثَبِّتُ قيم الحق التي نطق بها الرب سبحانه وتعالى في وحيه المنزل، وأن الكلمة (الوحي الإلهي المنزل) جهاد يصون كرامة الإنسان وحقوقه بكل الوسائل المتاحة والممكنة، وهذا ما عبرت عنه آيات الجهاد والقتال في سبيل الله في كثير من سور القرآن الكريم، ومنها هذه الآيات العظيمة من سورة الحج:
«أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دِفاعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40)».
وهذا ما جعل الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول قولته الشهيرة (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا).
وهذا ما يبين لنا بكل وضوح أن الجهاد في الإسلام لا علاقة له بالظلم والإرهاب كما تروج وسائل الدعاية الغربية المغرضة والمضللة اليوم، وإنما الجهاد في الإسلام هو نضال وكفاح من أجل استرداد الحقوق الضائعة وتحرير للإنسان من الظلم والقهر، وتثبيت للقيم التي تحمي حقوق الإنسان المشروعة من الضياع والتلف.
وأعود لبداية قصيدة أبي تمام: السيف أصدق أنباء من الكتب…
لأناقش رأي باحث كبير نقدره ونحترمه وهو الدكتور خالص جلبي حفظه الله، والذي تعلمنا الشيء الكثير من كتبه ومحاضراته ومقالاته، فقد ذهب في بعض مقالاته إلى انتقاد بيت أبي تمام الذي مجد فيه قوة السيف وجعلها أعلى من قوة الفكر والكتاب، وحمل هذا البيت ما لا يحتمل حين اعتبره من العوامل التي أدت إلى انتشار ثقافة العنف والقوة في مجتمعاتنا الإسلامية والعربية في عصرنا الحاضر.
وهذا الرأي من الأستاذ خالص جلبي يُخرج نص أبي تمام من سياقه الذي شرحته في البداية، ومما لا يخفى أن المعنى في اللغة العربية يتحكم فيه السياق، خاصة وأن السياق يكون حَكما ومُرجحا عندما تتعدد التأويلات وتتضارب.
ولذلك لا يتصور باحث مدقق أن أبا تمام يسخر من كتب العلم ويحط من شأنها، ويعلي عليها لغة القوة والسيف والإكراه، وأن ذلك كان أحد الأسباب التي غذت تيار العنف والإرهاب في بلاد المسلمين، وهو استنتاج غير صحيح خاصة وأن أبا تمام كان من علماء ومثقفي الشعراء، فالرجل درس في مصر حيث كان يبيع الماء في الجامع ويتنقل بين حلقات العلم، وحصل علما غزيرا في علوم اللغة والأدب والدين والعلوم العقلية، ولذلك كان مذهبه الشعري المسمى بمدرسة البديع يقوم على تجويد المعنى وتنميق العبارة، ويظهر ذلك جيدا في عيون شعره التي تركها، ومنها قصيدته في فتح عمورية التي أبدع فيها أيما إبداع، ولذلك لا يمكن حمل سخرية أبي تمام من كتب المنجمين على كل كتب العلم والثقافة، فمن فهم هذا الفهم فقد أساء للقرآن الكريم أولا ولحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكل علماء الأمة الذين خلدوا كتبا فاقت حدود الخيال في عددها ومضامينها المتنوعة، وأساء ثانيا لعلماء الأمة ومثقفيها في كل العصور وفي العصر العباسي خاصة الذي جعل التتار من كتبه قنطرة عبروا عليها نهر دجلة كما يروى.
والخلاصة أنه كما أظهرت معركة عمورية زيف دجاجلة التنجيم في عهد المعتصم، وهي من المعارك التي وقعت في شهر النصر شهر رمضان الأبرك وذلك ما يوافق سنتي: (223هجرية/ 838ميلادية) فإن معركة طوفان الأقصى اليوم بقوتها وعنفوانها في نصرة مبادئ الحق والعدل ورفض الظلم، قد كشفت عما يلي:
1- فقد كشفت زيف الحضارة الغربية ودجلها في رفع شعارات الحرية وحقوق الإنسان وحق تقرير المصير وغير ذلك، فعرف العالم أن تطبيق هذه الشعارات هي حكر على الإنسان الغربي الأشقر وليس كل إنسان.
2- وكشفت عن الانحياز الغربي الفاضح للكيان الصهيوني الهمجي التخريبي، الذي لا شبيه له إلا فيما فعله التتار قديما وفعلته النازية في العصر الحاضر، من تخريب للبيوت والمستشفيات والمدارس والمساجد والكنائس، وقتل للأطفال والنساء والشيوخ والأبرياء من الإعلاميين والأطباء والعاملين في الإغاثة والإسعاف وغير ذلك.
3- وكشفت عن روح الإلحاد والكفر المتجذرة في فكر الصهاينة، والتي تهدف إلى هدم الدين والقيم الإنسانية النبيلة والمتعارف عليها عالميا، ونشر عبادة الشيطان والشذوذ وكل أنواع الانحراف والإباحية، هذه الروح التي لا تنتج إلا الخراب والدمار والفوضى والفساد والإفساد في الأرض.
4- وكشفت في مقابل ذلك عن منهج الحق والصواب لدى المقاتل الفلسطيني البطل الذي يتسلح بقيم الدين الحق، دين التوحيد والسماحة والمحبة والعدل والتضحية من أجل كرامة الإنسان وحقوقه، والتضحية من أجل حرية الوطن واستقلاله وحماية مقدساته، حيث تتزاوج وتتماهى أخلاق الشجاعة والبطولة في كسر بطش المحتل وطغيانه، مع الرحمة والرفق بالأسرى والمعتقلين خاصة من النساء والأطفال والشيوخ والضعاف، وقد انبهر العالم بأخلاق رجال المقاومة وكيفية معاملتهم للأسرى والمحتجزين.
5- أخيرا وليس آخرا فقد انتبه العالم إلى حقيقة شيء اسمه الإسلام، بعدما كانوا يسمعون عنه الأكاذيب والافتراءات التي تصدقها مع الأسف أخلاق ضعاف النفوس من المسلمين والمنافقين المحسوبين على الإسلام زورا، وأصبح المتابعون اليوم يرون عكسها تماما في أخلاق رجال المقاومة الشجعان والرحماء والإنسانيين جدا جدا، ولذلك صار الناس في مختلف ربوع العالم يبحثون عن القرآن لقراءته والتعرف على محتوياته، وبدأنا نشهد موجة انتشار الدين التي أخبر عنها الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث بلغت أخبار الإسلام عن طريق المقاومة إلى ما بلغ الليل والنهار، ودخل الإسلام بيوت العالم بعز المقاومين وما صنعوه من شرف، وبذل الصهاينة وانكسارهم أمام المقاومة وهم الجيش الذي (لا يقهر).
ولا زالت الأيام القادمة إن شاء الله ستكشف عن المزيد.
والله غالب على أمره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى