رأي

تفاعلا مع جبرون.. “ثورة في الرأس خير من ألف ثورة في اللسان”

(بقلم: محمد زاوي)

في خروجه الأخير عبر برنامج “بدون لغة خشب”، نطق لسان امحمد جبرون بمواقف ذات حس وطني، وفتح منافذ في الرؤية لأصدقائه القدامى لعلهم يرون السياسة الدولية بعين أخرى!

ولكن دعونا نفكك ما قاله جبرون إلى أجزاء لنرى إلى أي حد يتوافق اللسان مع المنطق، وإلى أي حد استطاع جبرون التخلص من إطاره الإيديولوجي والسياسي القديم.

-المثقف النقدي: وهذا مفهوم عام يحتمل وجهتي نظر.. هل نحن بصدد مثقف يمارس النقد من موقعه الاجتماعي؟ أم بصدد مثقف يتوهم موقعا مثاليا غير قابل للتحقق؟ لم يتحقق ولن يتحقق في التاريخ إلا مثقف واحد، هو ذلك المثقف المدافع عن وجهة نظر ما تعكس موقعا في السياسة، وبالتالي في المجتمع.. وهذا المثقف لن يكون لا فوق الدولة ولا فوق المجتمع، بل فيهما معا، لأن المجتمع في الدولة، والدولة في المجتمع.. ما النقد إذن؟ ممارسة وظيفة لمصلحة الدولة إذا سادت وسيطرت على المجتمع، أو ممارسة أخرى لصالح طبقته/ فئته/ كتلته/ جماعته/ حزبه عندما يفرز المجتمع بديلا ينافس الدولة، وهي “جهاز وإيديولوجيا” لمجتمع قائم. بهذا التحليل، تصبح مقولة “المثقف النقدي الذي يوجه سهام نقده للدولة والمجتمع معا”؛ تصبح مقولة أدلوجية لا تعبر عن نظرية سديدة، ولا عن “واقع ملموس”.

-في حقيقة التاريخ: عن أي تاريخ يتحدث جبرون؟ عن التاريخ في شواهده.. هذا يحتاج إلى إضافة لا إلى تلخيص وإعادة صياغة.. عن التاريخ في قواعده.. هذا يحتاج إلى منهج ناجع في التحليل يفسر الوقائع والأحداث بدقة تسمح بها العلوم الاجتماعية.. غير هذا يصبح التاريخ معطى إيديولوجيا، استحضارا من أجل الحاضر.. وهذه وظيفة السياسي لا وظيفة المؤرخ.. بلغة ماكس فيبر، وظيفة “رجل السياسة” لا “رجل العلم”.. إنها ممارسة مطلوبة، سياسة يقدمها المتخصص في التاريخ بلغة التاريخ لغرض ما.. إذا كان واعيا بها ظهر له التمييز، وإذا غاب الوعي استتر التمييز وضاعت صنعة “المؤرخ”.. وهذا لا يكتسب هذه الصفة إلا بالاشتغال على الشواهد، من القراءة حتى الاستنتاج والصياغة (“مفهوم التاريخ”، عبد الله العروي).

-العلاقة بالشرق: لا داعي لإثارة موضوع “الاستلاب في الشرق”، هكذا يقول جبرون.. “الشرق عمق استراتيجي للمغرب”، لكن بأي مضمون؟ وتحت أي سقف؟ ومن يحدد هذا السقف؟ ألا يجب التنبيه لتأثير الإيديولوجيات الوافدة من المشرق؟! ألا يجب إعادة تدويرها في قالب وطني وتحت سقف تكتيكي محدد حتى تتلاشى استراتيجيتها العولمية؟! هل كان صوت الحركة الوطنية في المشرق سبيلا لتحرر المغرب من الاستعمار أم أن هناك أسبابا حقيقية وجوهرية لم يتحدث عنها جبرون؟!.. “ضرورة العلاقة بالشرق” حقيقة موضوعية، وكثيرا ما يراد بها باطل إيديولوجي.. وهذا ما كان على جبرون التنبيه إليه عندما طُرِح عليه سؤال “العلاقة بالمشرق”.

-استغلال فلسطين: “كل ينصر فلسطين بطريقته”، ولكن أليس للنصرة ميزان في الوعي؟! هل المطلوب نصرة عمياء لا ندري ماذا يتحقق بها؟! أيضا: كيف نفتح “مجال النصرة” من جهة، ونغلقه من جهة أخرى بذريعة “الاستغلال السياسي”؟!.. هذا التذبذب محكوم بعدم وضوح الرؤية، وإذا اتضحت كان الأساس متينا: “القضية سياسية في واقعها الملموس، وكذلك يجب أن تكون النصرة”.. من يغرد خارج هذا السرب نصرته نفسية إيديولوجية تشغب على الدولة، وتخترق ثقافة المجتمع بمقولات صنِعت بعيدا.. هذا القول واضح لكنه قد يكون مكلفا لصاحبه، بناؤه قبل ذلك يتطلب الخروج من الإنسان إلى التاريخ، من الحرية إلى الدولة.. هل استوعب جبرون هذه المرحلة النظرية؟! ما زال في حاجة إلى جرعات من النظر الصادم، ما زال في حاجة إلى مراجعات يتجاوز بها كتابه “إمكان النهوض الإسلامي” الذي جاء في نقد العروي!

-سوق الكتاب: أي كتاب يجب دعمه؟ كيف السبيل للحفاظ على الثقافة الوطنية في ظل موجة عارمة من الثقافات الدخيلة أقلام كتابها تسيل دون توقف؟ هل نضحي ب”كتاب الأمة” لتُقرأ على الملأ كتب فلان أو علان؟ هل نغامر بمصلحة الجميع لتنتعش القراءة في حياة القراء؟ كلها أسئلة يطرحها “رجل السياسة” ويجب أن يستحضرها “رجل العلم” وإلا كانت دعوته مجرد “صيحة في واد”، يمني بها نفسه تحت سقف ضرورة قاهرة.. الضرورة عامة، تقهر الحزب السياسي الذي يغادره المثقف، كما تقهر هذا الأخير وهو يتوهم معانقة الحرية.. درس سيتعلمه جبرون مع مرور الوقت!

امحمد جبرون مثقف وباحث محترم لا تنقص هذه الكلمات من مكانته وأهميته، محاولته مهمة ولكنها تحتاج إلى قفزة أعمق في العقل.. ف”الوطنية وعي سديد قبل أن تكون مقولة سديدة”.. على جبرون طرح أسئلة أكثر عمقا في التاريخ نفسه، في ما قبل التاريخ، في الكونيات، في الفلسفة، في منطق التفكير ومناهج التفسير.. لينتقل من ممارسة “مقولات سديدة في السياسة” إلى ممارسة “وعي سديد فيها”!

تحية للدكتور امحمد جبرون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى