
مسيرة الرباط اليوم، 10 دجنبر 2023، كانت بطعم خاص.. حضر فيها اليمين واليسار جنبا إلى جنب، الشباب والشيوخ، الرجال والنساء، الكبار والصغار، السياسيون والمثقفون، المفكرون والحقوقيون.. يأبى الشعب المغربي بمختلف فئاته ومكوناته الفكرية والسياسية إلا أن يحفظ أمانة صلاح الدين الأيوبي وابنه الملك الأفضل وقد جعلا للمغاربة وقفا في القدس إلى يوم الدين..
المعركة في فلسطين كبيرة، وربما قد تكون فاصلة في تاريخ المنطقة كلها.. وهو ما يفسر بشاعة الجرائم والعدوان الممارسين في حق الشعب الفلسطيني. يعبّر التوحش عن تهالك النظام الاجتماعي السائد دوليا، ومن ثم كيانه المصطنع في أرض فلسطين. المهدَّد بالزوال عادة ما يبادر إلى ممارسة “الإفساد وإهلاك الحرث والنسل”.. تلك وسيلته الوحيدة للبقاء على قيد الحياة، فيفضل العيش بالعنف على الهلاك بالسلم.
لم يكن الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمان ليقف مكتوف الأيدي أمام بشاعة العدوان الممارس في حق الشعب الفلسطيني، فلبى نداء المسيرة. وفي وقوف متواضع خاشع على جنباتها، وقبل انطلاقها، كانت عينا طه عبد الرحمان تقولان كل شيء.. حسرة على الإنسانية بأجمعها في ظل “عنف مطلق” على حد تعبيره، وكأن فيلسوف “الحداثة الإسلامية” يقول: “هذا ما جنته الإنسانية من حداثة تفاخر بقطيعة دهرانية مع الائتمانية”!
لم يرد التصريح بداية، وما إن ذكّرناه بكتابيه “ثغور المرابطة” و”المقاومة والحداثة” حتى انطلق مصرحا في خشوع نادر يدفع الكلمة بالكلمة بالكلمة والجملة بالجملة، مكابدا ضعف الجسد وكبر السنّ.. وقال في ما قال: “لم أرَ النصرة الفكرية كافية، فخرجت لتقديم النصرة بالحركة”.. كلمات معتادة لكنها معبرة، مفعمة بالحياة والكفاح بغض النظر عن الموقف العلمي والمعرفي من فلسفة صاحب “بؤس الدهرانية”. مقاومة صامدة في الميدان، و”فلسفة” تناصرها في الأمة. هنا يفرض البعد الإيديولوجي ل”فلسفة الائتمانية” وجوده، فيصبح للفيلسوف تحيز يشحذ الهمم ويعزّز الصمود. “فلسفة” ترجو مثالا وتثبت أقداما وقلوبا، تضفي على العيش معنى إنسانيا؛ من يبحث فيها عن غير ذلك، يظلم طه عبد الرحمان ويضل الطريق!
حضر طه عبد الرحمان وغابت جماعة “العدل والإنسان”، ولا نعلم لأي سبب؟! أليست القضية الفلسطينية قضية الجميع؟! أليست المسيرة مسيرة المغاربة جميعا؟! هل كان عبد السلام ياسين سيتخلف عن مسيرة ترفع العلم الفلسطيني وتصدح شعاراتها بالقضية الفلسطينية؟! هل أمام الشعوب مجال ومتسع من الوقت لتجزيء النصرة على وقع الخلاف السياسي؟! أليس في السياسة مشترك يجب البناء عليه لما يخدم قضايا الوطن والأمة؟! بأي منطق وبأي مبرر سيتخلف فصيل سياسي كبير عن مسيرة تدعو إلى “إسقاط التطبيع” و”إغلاق مكتب الاتصال” و”دعم الشعب الفلسطيني”؟! هل هناك مطالب أكثر تصعيدا لم تدرجها مجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين؟!..
هذه أسئلة مطروحة على جماعة “العدل والإحسان”، لأنها بِعَدم مشاركتها في المسيرة خسرت رهان “الدعم اللامشروط”.. فالدعم اللامشروط ليس دعما نفسيا ينسجم مع واقع توافقي فحسب، بل حيث يقع الخلاف و”يجري الشيطان من ابن آدم مجرى الدم”.. آنئذ تُختبَر المواقف، وقد يصبح الدعم مكلّفا إيديولوجيا وسياسيا.. آنئذ لا نحتاج إلى عميق تأمل لنجيب على سؤال:
في أي ميزان تضع التنظيمات قضية فلسطين؟!




