
سنتكلم اليوم عن القصف ولا شيء غير القصف ، قصفٌ في كل وقت وحين ، حتى بات لا يفارق مسامعنا ومشاهدنا ، تنوع وتعدّد ليبقى حاضرا ، ألفناه واستحللناه حتى أصابنا الاسترخاء بوجوده . تلوّن وأخذ أشكالا ، وينبغي للتّصدي أن يأخذ أشكالا، يتنوع بتنوع القصف .
في هذه اللحظات تعيش الأمة محنة القصف الإسرائيلي على غزّة ، وهو قصف يُدمي القلوب ، لكنّه يواجه بقصف من مثله رغم تباين القدرات والاختلال في الإمكانيات ، لا أتكلم عن هذا القصف لكنّني ألفتُ الانتباه إلى قصفٍ آخر لا يقل خطورةً عن هذا القصف ، وهو قصفُ المبادئ والقيم ، قصفُ الثوابت والمرجعيات ، قصفُ الأصول والمقومات ، وهنا نفرّق بين قصفٍ عسكريٍ سائد وقصفٍ يتم عبر وسائل التواصل مُساند ، يطال الثوابت والمرجعيات .
– الغرض من القصف السائد تدميرُ البنيان وقتل الإنسان، أما القصف المُساند فهدفه التّشكيك في الثّوابت والقيم والمرجعيات والأصول .
– القصف السائد إذا قتل إنسانا راح شهيدا إلى ربه ، لأنه ُقتل دون دينه ووطنه ومقدسات أمته ،والقصف المُساند يصيب جيلا من الشّباب ومن المتأثرين فيُخلف فئة من المعطوبين في عقولهم وقلوبهم ، جيلٌ متمردٌ وجاحدٌ بالدّين وبالهوية وبالثّقافة وبالحضارة وبالمقومات وبالمبادئ وبالوطنية .
– الذين يتعرّضون للقصف السائد في غزّة وفي غيرها إنما من أجل ثوابتِ دينهم وأحكام شريعة ربّهم ومقومات وطنهم ومقدسات أمّتهم ، والمشككون والطاعنون يساهمون في قصف ما لأجله يقاوم المقاومون ،ولذلك فقصفهم قصفٌ ” مُساند ” .
قد نستفهم بما يلي : ما العلاقة بين القصفين ؟
الجواب أنّ العلاقة بينهما هي في الفعل المشتق من مادة ” قَصَفَ ” .
والقصف لغة : الكسرُ ، يقولون : ريحٌ قاصفةٌ تدمّر كل ما مرّت به.
والقاصفون هم المزدحمون على القصف حتى أنّ بعضهم يصيب بعضا من شدّة الازدحام على فعله ، والانقصاف : الاندفاع .
هذه المعاني اللغوية عليها يتنزل فعلُ بعضٍ من هؤلاء، لهم غايةٌ واحدةٌ هي قصف الدّين في كلياته ، وبما أنّ الكليات تُبنى على الجزئيات فقد عدّدوا في قصف الجزئيات : الصّحابة ، السنّة ، الحجاب ، البخاري ،اللحية ، الحج ، الزكاة ، الإرث ، الفقه ، الأصول ، القراءات القرآنية ، السّيرة النبوية ، مصادر التشريع ، مصادر التّفسير ، العلماء ، الشيوخ ، وغير هذا كثير، كلُّ واحد منهم استقل بجزئية من الجزئيات ، فهم كالقناصة في زوايا معزولة .
لماذا نتكلم عن هؤلاء ؟ وهل نُفشي سرّا في بيانه؟
لا ،
هؤلاء وزّعوا أدوار القصف على الثّوابت ، بشكل مكشوف وعلني، وبتحدٍّ كبير للقوانين والمؤسسات التي ترعى الأمن القومي للبلد ، حتى مؤسسات الشأن الديني الرّاعية والحامية للأمن الرّوحي والعقدي والمذهبي والسّياسي للبلد لم تسلمْ من طعنهم ومن تحدّيهم .
هؤلاء هدأ قصفُهم الآن ، أغلبُهم توارى إلى الخلف ، وبعضهم ما زال ينبح ليملأ المكان ضجيجا بصيغة : “نحن هنا” ، وحين يتوقف القصفُ على البُنيان والإنسان “ستعود حليمة إلى عادتها القديمة ” .



