
في البداية ، اقصد بالواعظ السياسي هو العالم الذي اتخذ من إصلاح السياسات الخمس دروسا للتعليم و التذكير ، وهي سياسة الدعوة ، وسياسة الحكم ، وسياسة المال ، وسياسة المجتمع ، وسياسة السلم و الحرب، ولا أتكلم هنا عن الواعظ الكلاسيكي الذي اتخذ من غير هذه السياسات مواضيع كلامه و توجيهاته ، بل اتكلم عن الواعظ المقاصدي الذي يعنى بالمساهمة في حفظ الضروريات الخمس: الدين و العقل و النفس و المال و العرض، متخذا من القواعد الفقهية و الاصولية منهجا لبناء خطاب متزن لا حظ فيه للنفس ، ولا مجاملة فيه لكبير أو نافذ .
واليوم نطلب منه أي الواعظ المقاصدي ان يحدث الناس عن مواصفات المكلفين بجباية الاموال وصرفها ، المأمورين بحفظها بالاستثمار وحسن التوزيع على الافراد و الاقاليم و الجهات لان خريطة الهشاشة و الفقر متباينة و مختلفة.
وليبذأ حديثه في هذا الموضوع عن الرقابة الذاتية المتصلة بالتربية الاسرية مع التذكير بمسؤولية الابوية في إعداد الرجل الصالح المصلح القادر على حفظ الامانات والعقود و العهود ، ومنها حفظ المال العام من التبذير و التقتير و الافساد ، وهذا يستلزم من المحافظ المالي ان تتوفر فيه شروطا كالتقوى وحسن السيرة ، لا يتبع هوى ، ولا يضيع درهما.
وليذكرهم ان عمل رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و الراشدون من بعده كانوا لا يسندون الوظائف المالية إلا لمن اكتمل فيه الصلاح و الكفاءة و الامانة ، فلقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” «من ولي من أمر المسلمين شيئاً فولى رجلاً وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه، فقد خان الله ورسوله». “
ويقول ابن تيمية :” فمن عدل عن الاحق الاصلح الى غيره لأجل قرابة بينهم، او ولاء ، او صداقة ، او موافقة في بلد أو مذهب أو طريقة او جنس او لرشوة يأخذها منه ومنفعة ، او لضعف في قلب على الاحق او عداوة بينهما فقد خان الله و رسوله و المؤمنين “
وكان صلى الله عليه وسلم والصحابة الراشدون من بعده لا يقدمون من طلب المسؤولية شعارهم :”انا لا نولي امرنا هذا لمن طلبه”
وليذكرهم كذلك ان الصفات المطلوبة في المهتم بالشأن المالي :
1. القوة و الامانة : قال تعالى على لسان بنت شعيب عليه السلام في استعمال سيدنا موسى عليه السلام : ” يا أبت استأجره ان خير من استأجرت القوي الامين”
ومعنى القوة : القوة الجسدية و المعنوية و المعرفية. ومن مدلولات الامانة : الكفاءة الاخلاقية ، لان المال و النقود يغيران النفوس و يضعفانها.
2. الحفظ و العلم : يقول الله سبحانه و تعالى على لسان يوسف عليه السلام عندما مكن له عند ملك مصر ،” اجعلني على خزائن الارض فاني حفيظ عليم”
يقول صاحب كتاب الخراج ناصحا الخليفة هارون الرشيد :” ورأيت ان تتخذ قوما من الصلاح و الدين و الامانة ، ومن وليت منهم فليكن فقيها عالما مشاورا لأهل الرأي ، عفيفا لا يطلع الناس منه على عورة و لا يخاف في الله لومة لائم ، فان لم يكن عدلا امينا فلا يؤتمن على مال المسلمين “
و بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم عبد الله بن رواحة رضي الله عنه الى يهود خيبر ليخرص عليهم في ثمارهم بتقدير الغلة واخذ النصيب ، وحاول اليهود ان يرشوه ليتغاضى عنهم في مقدار ما يؤخذ منهم ، فقال لهم تطعمونني السحت ، والله قد جئتكم من عند أحب الناس الي ، ولأنتم أبغض الناس الي ، ولا يحملني بغضي إياكم وحبي إياه ألا أعدل بينكم ، فقالوا :بهذا قامت السموات و الارض ”
جاء ابو عبيدة الى عمر رضي الله عنهما فقال له :” دنست أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فقال له عمر : يا ابا عبيدة إذا لم استعن باهل الدين على سلامة ديني فبمن استعين ، فقال ابو عبيدة : فان فعلت فأغنهم بالعمالة عن الخيانة ” أي أجزل لهم العطاء و الرزق فلا يحتاجون ويمدون أيديهم الى ما ائتمنوا عليه .
ونختم بقول امامنا مالك رحمه الله :” لا أحب أن ينزل السعاة عند أهل الماشية ، ولا يعيرهم دوابا خيفة التهمة لكي يخففوا عنهم “




