رأي

قرارالحرب على الاسرة المسلمة…والخراب القادم.

الدكتور احمد الويزة

من يتابع النقاش الدائر بالمغرب حول تعديل مدونة الاسرة والقوانين الجنائية والمقترحات التي تقدم للتعديل، ويرى مدى مصادمة بعضها للهوية والدين والقيم، يدرك ان الحرب على الأسرة ليست مجرد تكهنات او أوهام وانما هي حقيقة مطلقة، والامر لا يتعلق بالمغرب فحسب، ولكنها حملة دولية تهم كل بلاد الإسلام للتماهى مع توجه الأمم المتحدة التي تروم فرض النموذج الأخلاقي والاجتماعي الذي لا يؤمن بفضيلة ولا دين ولا خصوصية، لان الموجه لهذه المنظومة هم قوم قال الله فيهم: (ويسعون في الأرض فسادا)، نعم يسعون سعيا حثيثا، ويفرضون الأمر فرضا، مستغلين حالة الهوان والضعف الذي تعيشه الامة الإسلامية.
هذا السياق، اما تجليات نشر هذا الخراب الأخلاقي والفساد القيمي الذي يروم استئصال الشريعة الإسلامية بما تحمله من قيم واخلاق راقية، وفصلها عن بقايا القوانين التي لا زالت ترتبط بها ولو بخيط يسير، فإن من اهم وسائل نشر الخراب تدمير مؤسسة الاسرة الحاضنة الأولى للأجيال، والمدرسة الأولى التي يتلقى فيها الأطفال القيم والأخلاق، وتورث فيها الاسرة منظومة القيم الاسلامية، وان تخريب هذا الصرح هو تخريب لهذه المنظومة، وتيسير التحكم في عقول وقلوب الناشئة واخضاعها للنظام العالمي الجديد الذي لا مكان فيه للفضيلة، ولا هم له الا ان يصبغ العالم بصبغة الإباحية والتفكك والانحطاط الأخلاقي، ودونكم هذه الاستماتة في الدفاع عن الشذوذ بجميع انواعه في الفكر والسلوك والوجدان ….
إذا كانت الأسرة في العالم الغربي غير المسلم قد قُضي عليها تماما، وعوضت بالإنسان الفرد الذي يعيش دون مشاعر الارتباط الوجداني بالأسرة والعائلة والعشيرة والقبيلة، وما لهذه التكتلات من أثر في الحفاظ على التماسك الاجتماعي والالتزام الأخلاقي، فان العالم الإسلامي اليوم يعيش اللحظات الأخيرة من هذا الطمس والتفكيك، لقطع دابر قيم الإسلام من المجتمعات الإسلامية، لذلك فمعول هدم اسرة قد رفع ولن يوضع حتى تتم العملية بنجاح.
وهنا لا بد من صرخة في آذان المسلمين لو كانوا يسمعون، ليدركوا حجم الدمار الذي ينتظرهم وينتظر ابناءهم ومجتمعاتهم في المستقبل القريب او المتوسط على أبعد تقدير، وليعلموا السر في استهداف الاسرة والوسائل المعتمدة في ذلك.
يقول ارون روسو المخرج الأمريكي قبل موته في آخر مقابلة مع أليكس جونز: أنه كان يحاور احد افراد عصابة الامبريالية والاستغلال، وهو يحاول ان يستقطبه الى هذا الحلف الشرير، وهنا كان الحديث عن خروج المرأة للعمل والذي تم التسويق له على انه رغبة في اشراك المرأة في التنمية، لكنه في الحقيقة كان اول خطوة في تفكيك منظومة الاسرة ، وذلك من خلال ما باح به المحامي في قوله انهم يريدون اخراج المرأة للعمل حتى يتم الاستفادة من الضرائب التي تخصم من راتبها، ثم التفرد بأبناء الاسر في دور الحضانة والمدارس لتتم تربيتهم على الهدف الذي تريده الرأسمالية المتوحشة وفق منهج تعده لهم، وغاية ما تريد ان تصنع من البشر أن يكونوا مجرد آدميين استهلاكيين لا هم لهم الا تحقيق المتعة الفردية دون اعتبار للروابط الاسرية والاجتماعية وما يكتنفها من قيم ومبادئ وأخلاق، وهذا امر تحقق بشكل كبير في بلاد الغرب الذي صار افراده متقوقعين على الذات، وأصبحت الثقافة الغربية تمجد الانسان الفرد الذي يعيش لهواه. وهذا هو الهدف الذي تسير اليه الامة الإسلامية وبدأت بعض بوادره تظهر ولا تخطؤها العين.
ان اخراج المرأة للعمل كان اول خطوة في طريق تفكيك الاسرة وتدمير منظومة القيم، فالمرأة التي سترهق بمشقة العمل في مصانع الرأسمالية المستعبدة متى يبقى لها وقت لتعطيه لأبنائها تربية ورعاية ومراقبة، طبعا لن تجد وقتا لذلك، وهذا ما يجعل الأبناء يعيشون الحرمان العاطفي والنفور الوجداني الذي لا يعوضه اغداق الأموال، ولا كثرة المشتريات، ولا جولات بين المطاعم والمتاجر في عطلة نهاية الأسبوع. فالأسرة دفئ وحنان وعاطفة ومشاعر تنسج على مدار الساعة واليوم والاسبوع والشهر والسنة.
كانت هذه البداية الماكرة التي أصبحت اليوم خيارا مقدسا ولو على حساب القيم والأخلاق والعواطف (أقصد اشراك المرأة في التنمية)، تلك العواطف التي تقهر وبقسوة كل صباح باكر حين ترمي الأمهات بفلذات أكبادهن في دور الحضانة، منذ نعومة الأظافر. مشهد مؤلم قاس، لكن الجشع الرأسمالي لا يترك في القلوب رحمة ولا شفقة.
وتستمر الحرب على الاسرة من خلال اباحة العلاقات الجنسية وتمكين الشباب من ممارسة الزنا بلا حساب ولا قيود، وذلك ان الزواج الذي جعله الإسلام هو السبيل الوحيد لتصريف الشهوة، وهو سبيل تأسيس الاسرة، لم يعد الشباب في حاجة اليه ما دامت سبل قضاء الوطر متيسرة، دون حاجة الى الزواج وتبعاته المادية التي لم يعد الشباب قادرا عليها بسب ما يقدمه الاعلام من صورة خيالية اسطورية في أفلام وبرامج ( لالة العروسة نموذجا) والتي تبث في النفوس الرغبة في إقامة زواج مثل ما يعرضه الاعلام. والذي يحتاج تكلفة باهضة مكلفة ومعجزة، إضافة إلى ما يقدمه الاعلام من تقارير وأرقام او انتاجات فنية تقدم الزواج على انه كارثة إنسانية وجحيم لا يطاق يعيشه الازواج، مع تهويل من حجم الطلاق، مما يحمل على العزوف عن الزواج وبالتالي العزوف عن تكوين أسرة.
ومن جهة أخرى تحارب الاسرة من خلال تشجيع الزواج المثلي الذي يتعارض من الطبيعة البشرية في تكوين الاسرة، وتقديم نماذج متنوعة لتكوين اسرة مخالفة للفطرة.
يضاف الى هذا تشريع قوانين تحارب التعدد وتبيح الزنا والخيانة وتمنع من الزواج المبكر، وقوانين تجعل العلاقة بين الزوجين علاقة حرب وصراع وعداوة وليس علاقة حب وتفاهم وتناغم. وقوانين ترفع أيدي الآباء عن تربية أبنائهم التربية السليمة التي تتوافق مع الهوية والدين والقيم والأخلاق التي ترفضها الرأسمالية الفاجرة وأذنابها في بلاد المسلمين، إضافة الى ما له تعلق بتغيير نظام الارث. ولولا خشية الاطالة لبينت ارتباط كل قرار او قانون بقضية الحرب على الاسرة وكيف يحصل ذلك، فلكل منها أثار مادية ملموسة على تدمير الاسرة، اما بمنع نشأتها، أو منعها من وظيفتها السامية بعد نشأتها، او تفكيها في نهاية المطاف من خلال التشجيع على الطلاق وتقديمه في صورة وعي نسائي وتحرر أنثوي من سلطة الذكر كما تروج لذلك بعض المنابر الإعلامية التي صنعت لهذا الغرض.
كل هذا مما سلطت عليه الضوء اختصارا وغيره مما لم أذكر، قد يبدوا أمورا وأحداثا عابرة، لكنها عند التأمل تحمل في طياتها الخراب القادم. والذي لا نملك له دفعا ولا ردا إلا بالاستعانة بالله واللجوء اليه بالضراعة بعد واجب المدافعة، بالكتابة والنشر والبيان وهلم جرا. والله ولي المتقين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى