
بعد الصفعة التاريخية التي تلقاها العدو الصهيوني من نخبة القسام في المقاومة الفلسطينية، لم يجد اليهود الجبناء أمامهم سوى الأطفال والنساء والمرضى والجوعى والأسرى وعموم الحاضنة الشعبية، إذ استهدف الجيش النازي -وما يزال- المدنيين والنازحين والصحفيين والعاملين في الصحة والإغاثة الإنسانية، ولكي تستعيد العصابة الصهيونية بعض “هيبتها” المهشمة بضربة المقاومة الإسلامية، قرر العدو استهداف قيادات الحرس الثوري الإيراني في العاصمة السورية، ومباشرة بعد الهجوم الصهيوني على القنصلية الإيرانية، قال الحرس الثوري إنه سيعاقب “إسرائيل” حتما تلبية للمطالب الشعبية، كما حمّل رئيس هيئة الأركان محمد باقري واشنطن المسؤوليةَ الرئيسية..
وإذا كانت “الدولة” اللقيطة قد شعرت بالرعب فسارعت إلى وضع سفاراتها في جميع أنحاء العالم في حالة تأهب تحسبا للتهديدات الإيرانية، فإن أمريكا قد سارعت إلى بناء “تحالف عسكري إقليمي” جديد بهدف وحيد هو حماية الأراضي والأجواء “الإسرائيلية”، وإذا كان من المتوقع تعامل كافة قادة “الكفار” مع الهجوم بكل جدية، فإن العجيب الغريب حقا هو مساهمة “دول عربية سنية” إلى جانب دول غربية لحماية “دولة” عبرية!
وقبيل انتهاء الضربة الإيرانية، صاح الأعراب صيحة مدوية، ووصفوا “العقاب” الايراني بأنه مجرد مسرحية! فماذا وقع في تلك الليلة الليلاء؟ وكيف تابعت الجماهير المختلفة تلكم السهرة الفنية؟ مرحبا بكم في إطلالة هادئة على فصول تلك المسرحية الشيقة الإيرانية، التي تابعها الملايين من ربوع الكرة الأرضية، والتي زينت سماءها الكثير من الشهب والألعاب النارية!
فإلى أطوار المسرحية:
عرض مصارعة أم مسرحية؟
بصفتي عاشقا للعروض الخيالية الاحترافية، ومتابعا جيدا للأعمال الإبداعية والفنية، وصلتني معلومات من مصادر مطلعة على الكواليس الخفية، مفادها اندلاع اختلاف حاد خلف الأبواب المغلقة بين الأطراف المتصارعة حول الشكل الفني للعرض المتفق عليه!
ففي الوقت الذي طالبت فيه إيران بأن يكون العرض المباشر على شكل مصارعة حرة WWE ! وتكون “إسرائيل” وحدها في الحلبة مع إيران، رفضت الولايات المتحدة -المشهورة بهذه العروض- هذا الشكل الفني المثير حفاظا على صورة “إسرائيل” التي روجت لها طيلة عقود من الزمن، فطبيعة هذه العروض تفرض ان يواجه المصارع الطيب ((Face المصارع الشرير (Heel) وجها لوجه، مع وجود حكم في الوسط وجماهير متحمسة..
ومعروف بإن هذه العروض وإن كانت تتضمن سيناريوهات معدة سلفا لضبط العلاقة بين المتصارعين على الشاشة، فإنها تعتمد بكل تأكيد على بنية جسمانية غير عادية، ومهارات تقنية عالية تؤهل المتنافسين لخوض غمار المصارعة، لذلك ليس من السهل دخول الحلبة دون تداريب قاسية والتوفر على المواصفات المطلوبة لخوض مبارزة قوية “وجها لوجه”، ومباشرة أمام جماهير غفيرة متعطشة للمنافسة والانتصار..
رفضت الولايات المتحدة الامريكية ومعها بريطانيا العظمى شكل رياضات القتال الاستعراضية WWE لما يعرفونه من حقيقة “البطل المدلل” الذي – لضعفه – قد لا ينضبط لقواعد اللعبة! إضافة إلى الخوف من لحظات الارتجال التي قد يمارسها البطل الإيراني فيحطم صورة “البطل اليهودي الخارق”، التي تم ترسيخها عبر الدعاية في أذهان الجماهير العالمية بأنه “بطل لا يهزم”!
لذلك كان لا بد من اختيار شكل آخر لا تتم فيه المواجهة “وجها لوجه” حفاظا على ماء الوجه ! وكذا المحافظة على ما يعرف في المصارعة المحترفة بـ “Kayfabe” حيث يستمر الحفاظ على الوهم المزيف و”البطل الخارق”، والحرص الشديد على عدم كسر تلك الحالة لدى الابطال وجماهيرها!
ويبدو أن عملية كسر الشخصية breaking kayfabe غير محببة لدى القائمين على هذه العروض الجماهيرية، لذلك تم استبعاد هذا اللون من الولايات المتحدة الامريكية الراعي الرسمي لمدللتها التي تعرف حقيقتها! والتي تنطبق عليها تماما مواصفات “الشرير” الذي لا يحترم القواعد ويعتمد الغش والخداع للفوز، ويتمتع بالجبن والغطرسة، ولكراهيته عادة ما يثير استهجان الجماهير..
بعد استبعاد صراع المحترفين WWE (وجها لوجه) تم ترجيح خيار “المسرحية” بحيث تضمن الولايات المتحدة المشاركة ضمن معسكر ما يسمى “إسرائيل” لعلها تنجح في صد الهجوم الوشيك والمرتقب من إيران، وكان المقترح الأمريكي في السيناريو الأولي أن يُسند دور البطولة لـ “إسرائيل” انسجاما مع حرصها على ضمان “التفوق اليهودي”، إلا أن بعض كبار المستشارين أشاروا إلى أن دور البطولة قد لا ينسجم مع “إسرائيل” وهي في موقف المدافع الصغير، إذ لن تتحمل تلقي الضربات القوية منفردة، ولن تستطيع صدها، بل ستعتمد على الكثير من الداعمين الأقوياء، وكذا بعض المتعاونين والشركاء بما فيهم الجيران “الأشقاء”! إضافة إلى ان البطل الغاضب سيهجم وحده ويخترق الأجواء ! وبالتالي فحصول إيران على دور البطولة أمر مستحق..
وإن كانت أمريكا قد قبلت إسناد دور البطولة إلى ايران على مضض! فقد أصرت على أن تكون هي “البطل الشرير”، واسناد شخصية “البطل الضحية” لمدللتها “إسرائيل”، فمقابل خسران دور البطل “المتفوق” يتم اكتساب التعاطف مع “البطل الطيب” على الأقل أمام جمهورها!
وهكذا جرى حبك السيناريو الجديد الذي سيجري على الهواء مباشرة، فبعد رفض ايران مقترحات الهجوم على إحدى سفارات العدو في العالم، وكذا الاكتفاء بالرد عن طريق حلفائها، وألا ترد من أراضيها على “إسرائيل” مباشرة، تم اخذ الأمر بجدية وانطلقت عملية الاستعداد التام لصد الهجمة الإيرانية الآتية من السماء، عبر تحالف من عشر دول من الاصدقاء! إذ وزع تحالف الدفاع الجوي MEAD المهام فيما بين الشركاء..
هكذا تقاسمت تلكم الدول البطولة مع حليفتهم الصغرى، وقاموا ببناء حائط صد متماسك لعلهم ينجحون في ربح الرهان أمام الهجوم الايراني الوشيك، فمنذ التأكد بأن الرد الإيراني قادم لا محالة، أخذ التحالف وقته الكامل في الاستعداد لصد الهجمة المرتقبة..
أما في الجانب الإيراني فقد تحول الأمر إلى “لعبة تحدي” ستجري على الهواء مباشرة أمام العالم، وكان هدف عملية “الوعد الصادق” واضحا جدا، وهو القواعد الجوية التي استخدمت في استهداف القنصلية الإيرانية في دمشق، ولأول مرة سيشاهد العالم هجوما على الهواء بين “دولتين” تبعدان ٢٠٠٠ كلم عن بعضهما، والذي زاد التحدي تشويقا إلغاء عنصر المباغتة والمفاجأة، فإيران ستهاجم أهدافها المحددة وأمامها تحدي منظومة دفاع عشر دول في كامل ترقبها واستعدادها للتصدي لمسيرات عرفت توقيت انطلاقها وتتوقع وقت وصولها بالدقيقة والثانية! وهذا هو التحدي الحقيقي والعبقري الذي قبلته إيران، فكيف لها ان تصل إلى أهدافها المعلنة أمام هذا المهرجان من منظومة الدفاع المنتشرة عبر طبقات ومن عدة دول في كامل يقظتها على رأسها أقوى دولة في العالم و جاءت لتساند أقوى وأذكى جيش في الشرق الأوسط؟!
نجحت العبقرية الإيرانية في تجاوز كل الحواجز والدفاعات بكل طبقاتها، وتمكنت الصواريخ الذكية من اختراق الأجواء ووصلت إلى أهدافها فهنيئا لها!
ادعى العدو نجاح عملية الصد بنسبة 99% !! وهي نسبة نجاح مألوفة في الشرق الأوسط! ولكنه بعد حين اعترف بأن النسبة كانت في الحقيقة 84% وأكيد ما خفي أعظم، والخلاصة تذكر بنكتة مغربية تحكى عن عون سلطة صغير سئل عن راتبه الشهري فقال (انا والقايد كنشدو مليون) ولا قياس مع وجود الفارق! أما انخراط أمريكا بنفسها في الدفاع عن مدللتها فيصدق عليها (حزموني ورزموني ولا تعولو علي)!




مقال ممتاز و وجهة نظر صائبة