رأي

الموقف الشرعي من تطبيق الزواج

د. أحمد كافي أستاذ التعليم العالي للدراسات الإسلامية

سألني كثيرون عن إنشاء تطبيق للزواج مؤدى عنه، للراغبين والراغبات في الاقتران، وذلك بمبلغ:300 درهم لكل منخرط مريد. والمشرف على هذا التطبيق يطلع على البيانات الشخصية للمعنيين والمعنيات. أولا يعد هذا الاطلاع من المساس بالحرية الشخصية للمعنيين بالأمر؟
وجوابي هو:
ــــــــــــــــــــ
1ـ لا أريد أن أتحدث عن موافقة هذا التطبيق للقوانين الجاري بها العمل من عدمه. فليس هذا من تخصصي، وإنما أنا متحدث عن الموقف الشرعي من هذا التطبيق، ومن مرفقاته من التساؤلات أعلا: أيجوز إنشاء مثل هذا التطبيق لهذا الغرض الشريف(الزواج)؟ وهل أداء مبلغ للاستفادة منه جائز أم لا؟ وهل الاطلاع على المعطيات الخاصة للمرتفقين مساس بحريتهم الشخصية أم لا؟
2ـ نؤكد ابتداء أن إنشاء موقع لتزويج الراغبين والراغبات عمل صالح لا اعتراض عليه شرعا. وللمسلمين واسع النظر في استحداث ما يرون من وسائل تحقيق هذا الغرض النبيل، وليسوا متعبدين بطريقة واحدة ألفها الناس.
وفي الإسلام، يتم الوصول إلى الزواج بطرق عديدة، منها:
** أن يتقدم المعني بالأمر لخطبة المرأة ويعرض نفسه عليها مباشرة: ففي الصحيحين من حديث سبيعة الأسلمية: فلما تعلت من نفاسها: تجملت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك”، وفي رواية عند البخاري: فخطبها أبو السنابل…”.
وقال ابن الجوزي:” ومن قدر على مناطقة المرأة أو مكالمتها بما يوجب التنبيه، ثم ليرى ذلك منها ـ فإن الحسن في الفم والعينين ـ فليفعل”( صيد الخاطر: ص63).
أي يكلمها مباشرة من غير وسيط، وينظر إليها.
** أن يتقدم المعني بالأمر لخطبة المرأة من وليها: جاء في صحيح البخاري: قال عمر: خطب النبي صلى الله عليه وسلم إلي حفصة فأنكحته».
** أن تتقدم المرأة بنفسها فتكلم الرجل وتعرض نفسها عليه، وهو الذي بوب عليه البخاري بالقول:( قوله باب عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح). وهو الوارد في قوله تعالى:﴿ وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين﴾[الأحزاب:50].
** أن يكلم ولي الأمر الرجل في بنته، فيعرض أمر الزواج عليه: ويشهد له قول صاحب موسى عليه السلام:﴿ قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثمانية حجج﴾الآية[القصص:27].
** أن يستشفع الرجل لرجل عند المرأة في الزواج به، وقصة مغيث وبريرة مشهورة في هذا الباب.
** أن تكلم قريبة المرأة الرجل، فتعرض الزواج عليه: وفي الصحيحين: عن أم حبيبة بنت أبي سفيان رضي الله عنها، أنها قالت: يا رسول الله، انكح أختي ابنة أبي سفيان. قال: أوتحبين ذلك؟ فقلت: نعم، لست لك بمخلية، وأحب من شاركني في خير أختي..الحديث…(البخاري ومسلم).
** أن يكلم الرجل المرأة في الزواج بشخص، ويكلم الرجل فيها، ويسعى في التوفيق بينهما: فعن عقبة بن عامر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: أترضى أن أزوجك فلانة؟ قال: نعم. وقال للمرأة: أترضين أن أزوجك فلانا؟ قالت: نعم. فزوج أحدهما صاحبه…الحديث في سنن أبي داود.
والناظر في دواوين السنة النبوية، وفي كتاب النكاح خاصة، يجد وفرة في طرق الزواج وطلبه. ومن الناس من يأنف من هذه الطرق، ويريد طريقة واحدة، ولا بأس بهذا إن كان يقصر الأمر على نفسه، أما وأن يعتقد أن ما يهواه هو الدين، فلا. فعن أنس بن مالك قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرض عليه نفسها، فقالت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألك بي حاجة؟ فقالت بنت أنس: ما أقل حياءها، واسوأتاه، واسوأتها! فقال أنس: هي خير منك، رغبت في النبي صلى الله عليه وسلم فعرضت عليه نفسها”(رواه البخاري).
وعلق ابن حجر على هذا الحديث بالقول:” وفي الحديث من الفوائد… أن من رغبت في تزويج من هو أعلى منها لا عار عليها أصلا، ولا سيما إن كان هناك غرض صحيح، أو قصد صالح، إما لفضل ديني في المخطوب، أو لهوى فيه يخشى من السكوت عنه الوقوع في محذور”(فتح الباري).
وسائل الزواج وطرقه المتنوعة:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والمهم، أن طرق الزواج متنوعة عندنا في الشريعة، ولا حجر على الناس أن يبدعوا من وسائل تحقيق هذا الغرض العظيم. ومن لم يرتح لوسيلة من الوسائل، فليقصر ذلك على نفسه من غير فرض ذوقه واختياره على الناس.
الأداء للزواج:
ـــــــــــــــــــــ
3ـ وأما أداء مبلغ للاستفادة من هذا التطبيق، فلست أجد ما يمنعه شرعا، خصوصا إذا كان الساعي في باب تزويج أبناء وبنات المسلمين متفرغ لهذا الغرض، وكان المقابل معقولا لا يعنت الناس.
ولأن الناس ألفوا الخدمات بالمجان، فقد اعتقدوا أن إلفهم يجب الإبقاء عليه، وأن تغييره لا يجوز. وهذا اعتقاد منهم غير صحيح من الناحية الشرعية. والعلماء تكلموا في أخذ الأجرة على الطاعات، وهناك لفيف من الأئمة لا يرون البأس ولا التعارض بين القيام بالطاعة وبين أخذ الأجرة عليها.
ومن يدري أن تكون الأجرة مما تديم الانتفاع بمثل هذه الأعمال، وإلا هجرها الناس للقيام بأعمال تدر عليهم مدخولا يعالجون به شؤون حياتهم، مادامت الأجرة قد منعت عنهم من طرف هؤلاء المتشددين. وهذا غير معقول.
تطبيق الزواج والاطلاع على المعطيات:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
4ـ والقول بأن صاحب التطبيق يطلع على المعطيات الشخصية للراغبين والراغبات، فهذا أمر طبيعي. وهو لم يتلصص عليها، ولا أرغم الناس على إعطائها. فهم أحرار في تقديمها إذا أرادوا الزواج، فإن لم يعجبهم الأمر، امتنعوا ولا مجبر لهم على تقديمها، ولا الانخراط في هذا التطبيق.
وفي الطرق التقليدية حيث يكون الوسيط طرفا أجنبيا عن الفتى أو الفتاة، ويحضر معهما، ويكلمهما قبل ذلك، فإنه يطلع على بعض أسرارك. وما عندك من المعطيات التي تهم الزواج ليست أسرار دولة يحرم معرفتها.
ولكن المطلوب من الوسيط المنشأ للتطبيق أن يتقي الله تعالى في معطيات الناس، وأن لا يفشيها أو يوظفها في أي غرض من الأغراض.
التطبيق لا يزوج الناس:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وتطبيق الزواج لا يزوج الناس، وإنما ييسر لهم طريقه إن حصل الوفاق والتراضي، وإلا فإن الذي يزوج الناس هم العدول تحت مراقبة القضاء، بعد اتباع مسطرة الزواج التي يعرفها الناس.
والله الموفق لصالح الأعمال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى