رأي

صورة الفقيه المستبد

محمد كندولة

من صور التطرف في الدين، مصادرة الحقيقة والتشريع للاستبداد، وفرض الرأي الأوحد، ومن صوره كذلك تحريم المشاركة في الاجتهاد والاستنباط باحتكار المعرفة. والناطق الأوحد باسم الدين، وموجه هذا التطرف الديني هو الفقيه المستبد الذي كان حاضرا في السابق، وعاد اليوم بصخب كبير، وعنف كثير، وقد يكون قاضيا أو رجل سلطة، وقد يظن البعض أنه قد مضى عهده، لكن في الحقيقة لم ينقرض، فهو اليوم موجود مصادرا للحقيقة، موجها للاستبداد السياسي، وهو اليوم كذلك كأمس يحرم المشاركة في صناعة الرأي، ونشر الحقيقة العلمية، وقد ينظر لشرعية الاختلاف العلمي، لكنه هو عنده اي الاختلاف لايكون إلا مع مذهبه، ونظريته ومعتمده، بل قد يسوق لفكرة أن الاختلاف هو سبب التخلف والانحطاط، لأن الدين عنده قد اكتمل،إذن فإعمال الرأي، وطرق باب الاجتهاد له خطورة على حياة الناس والمجتمع والدولة، علما أن مجال الاجتهاد لم يغلق، فقد استعمل العلماء فيه القياس والاجماع والاستحسان.
الفقيه المستبد يعرض نفسه الوارث الوحيد للعلم والحكمة،أما الآخرون،فلا حق لهم في هذه التركة العلمية، فعليهم أن يغلقوا عقولهم، ويسلموه مفاتيح العلم والمعرفة، بدعوى أن الاختلاف ارتفع بالإجماع الذي يعني عنده الخضوع والاستسلام.
وأما تعدد الآراء فهو خروج عن الشرعية العلمية و السياسية. فالجماعة الاسلامية الحقيقية الناجية هي الخاضعة لسلطانه العلمي، وغيرها خروج عن طاعة الفقيه الطاغية.
وقد يقول قائل ، أن الفقيه المستبد، أصبح الآن في ذمة التاريخ، لكن العكس هو الصحيح،فقد ظهرت اليوم أشكال أخرى في الاستبداد الفقهي والاستعباد العلمي، احتلت الساحة، وعطلت العقول، وروجت للطغيان السياسي، والاستبداد بمطلقية الحكم بإسم الدين، والرأي الرصين المختزل في ايديولوجية دينية محتكرة للمعنى الديني، ومستولية على طرق التدين.
فالفقيه المستبد هو الناطق الأوحد والرسمي في تفسير الآيات،وفي صياغة الإجابات للنوازل الاجتماعية والسياسية، الفقيه المستبد قوله هو القول الفصل، باعتلائه كرسي الإفتاء. وظهوره اليوم هو طراز جديد بنفس التوابل الفقهية القديمة. تحياتي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى