رأي

كيف نتعامل مع البلاء؟

بقلم أحمد الشقيري الديني

يقال: بلاه يبلوه بلوا، وابتلاه ابتلاء، إذا جربه واختبره، فالبلاء والابتلاء اختبار الله لعباده:

-ومنه قوله- تعالى- (وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ )
أي عاملناهم معاملة المبتلى الممتحن تارة بالنعم الكثيرة كالصحة والخصب وسعة الأرزاق لننظر كيف يشكرون، وتارة بالنقم المتنوعة كالجدب والأمراض والشدائد، لعلهم يرجعون إلى طاعة ربهم، ويتركون ما نهوا عنه من المعاصي والسيئات..
-ومنه قوله تعالى ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين وَنَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ ) أي : ولنعاملنكم – أيها الناس – معاملة المختبر لكم بالتكاليف الشرعية المتنوعة ، حتى نبين ونظهر لكم المجاهدين منكم من غيرهم ، والصابرين منكم وغير الصابرين ( وَنَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ ) أي : ونظهر أخباركم حتى يتميز الحسن منها من القبيح .
فالمراد بقوله : ( حتى نَعْلَمَ المجاهدين . . ) إظهار هذا العلم للناس ، حتى يتميز قوي الإِيمان من ضعيفه ، وصحيح العقيدة من سقيمها.
-ومنه قوله جل وعز (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين) والمعنى:«ولنبلونكم بشيء من الخوف» للعدو «والجوع» القحط «ونقص من الأموال» بالهلاك «والأنفس» بالقتل والموت والأمراض «والثمرات» بالحوائج؛ أي لنختبرنكم فننظر أتصبرون أم لا؟!
«وبشر الصابرين» على البلاء بالجنة والعاقبة الحسنة.
ونظير هذا في القرآن كثير..
فالبلاء والابتلاء سنة إلهية تجري على البر والفاجر، وهي سيرورة في مراحل حياتنا لا ننفك عنها، وبالتالي وجب علينا معرفة كيفية التعامل مع البلاء، إن كان خيرا وهي النعم أو شرا وهي المصائب..
ونحن نتناول هذا الموضوع من منطلق ثقافتنا الإسلامية، فلكل أمة ثقافتها التي بها تعالج قضاياها..
والبلاء والابتلاء يصيب الفرد كما يصيب الجماعة أو الأمة، فقد يكون خاصا وقد يكون عاما..
فالوباء بلاء عام والمرض بلاء خاص..
وطبيعة الإنسان وفطرته تجعله يرتاح للنعمة فيطلبها بكل وسيلة ويكره المصيبة ويفر منها بكل مسلك..ولا ينجح دائما في تحقيق الطمأنينة والسكينة والراحة لأنه لا يدري كيف يتعامل مع البلاء عندما يحصل بالشر أو بالخير!
المتأمل في تعاليم الإسلام بهذا الصدد يدرك أن المبتلى بالنعمة مطلوب منه شكرها لاستبقائها أو للإستزادة منها، والمبتلى بالشر مطلوب منه الصبر واتخاذ الأسباب التي تدفع عنه الشر..
لكن هذا جواب عام يحتاج لبيان، ولا يمكن استقصاء جميع النعم وكيفية شكرها، ذلك أن لكل نعمة شكر خاص..
كذلك لا يمكن استقصاء الشرور والمصائب وكيفية الصبر عليها..
لكن على المسلم، كما يتعلم فقه العبادات، أن يتعلم فقه الشكر على النعم ليحفظها،وفقه الصبر على المصائب ليدفعها أو يتعايش معها.
يعتقد أغلب الناس أن الابتلاء بالنعم أسهل وأيسر من الابتلاء بالمصائب، وليس الأمر كذلك، فقد ألف العلماء في ذلك مؤلفات للتحقيق في أيهما أفضل وأحب إلى الله الغني الشاكر أم الفقير الصابر؟
ويمكن على غراره الحديث عن التفاضل بين الصحيح الشاكر والمريض الصابر..
وللإمام ابن القيم رحمه الله مؤلف نفيس بعنوان (عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين) يعالج فيه هذه القضية..
نقول باختصار إن شكر النعمة يكون أولا بمعرفة حق المنعم بها وأداء هذا الحق، فإن كان لآدمي حق في هذه النعمة التي ابتلاك الله بها فأد حقه بالقلب أو باللسان أو بالعطاء، ويبقى حق المنعم الأول وهو الله تعالى فتحمده وتشكره وتثني عليه بما هو أهله وتنقاد لأمره ونهيه، فما من نعمة إلا ولله على عبده حق فيها، فنعمة البصر حق شكرها أن تغضه عن الحرام وتنظر في المصحف وتتدبر في خلق السماوات والأرض ولا تكتم الشهادة..إلخ
وما من نعمة إلا ولها فقه شكرها لتبقى وتدوم، وبنسيان شكرها أو تركه تزول،وإذا زالت النعمة حل محلها البلاء فعندها تحتاج لفقه الصبر؛
والبلاء له بداية قبل أن يستحكم، فمطلوب من المبتلى بالشر أن يدفعه في بدايته باتخاذ الأسباب المزيلة له، بالتداوي إذا كان مرضا، وبطلب أسباب الرزق إذا كان فقرا، وبالفرار من الوباء إذا سمع به، واحترام القانون في العلاقة مع الغير..وهكذا.
وأهم من ذلك كله : بالمبادرة للتوبة والاستغفار من الذنوب والمعاصي فهي أصل الشرور والعذابات في الدنيا والآخرة كما قال تعالى (مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا )
يقول الحافظ ابن كثير إن الله تعالى يخبر في هذه الآيات عن غناه عما سواه ، وأنه إنما يعذب العباد بذنوبهم ، فقال : ( ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ) أي : أصلحتم العمل وآمنتم بالله ورسوله ، ( وكان الله شاكرا عليما ) أي : من شكر شكر له ومن آمن قلبه به علمه ، وجازاه على ذلك أوفر الجزاء..انتهى
أما إذا استحكم البلاء بالشر، فالمؤمن يدفعه ما استطاع دون ضجر أو شكوى للخلق، بل يشكو بثه وحزنه لربه ويصبر ويعلم أن عليه عبادات وأحوال في المرحلة التي هو عليها، فيستحضر هذه المعاني:
أولا أن الابتلاء بما تكرهه النفس غالبا ما يكون علاجا لبعض أمراضها مثل الكبر والحسد والعلو في الأرض بغير حق وحب الدنيا، فعلى المبتلى التفتيش في نفسه وسبر أغوارها وهي في هذه المرحلة تكون أطوع له فليحملها على التزكية والتطهير..
ثانياً: الابتلاء بما تكرهه النفس يفتح للعبد باب الدعاء والتضرع والتذلل وإظهار المسكنة إلى الله وهو باب عظيم من دخل منه على مولاه فقد أخذ بلب العبادة، ومن لم يجد حلاوة الدعاء ولذته في حالة الابتلاء بالشر فهو في خطر عظيم! قال تعالى ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ؛ فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)
فعلى المبتلى أن يلزم باب مولاه يتضرع إليه ويستغفره ويتوب إليه..
ثالثا: الابتلاء بالشر مناسبة ليراجع المبتلى ما عليه من حقوق العباد مخافة أن يكون قد أصابته دعوة مظلوم أو صاحب حق عليه، فيبادر لرد الحقوق لأهلها واستحلال من له عليه مظلمة، فهذه ايضاً من أجل مقاصد الابتلاء، وقد ضرب الله لنا مثلا في القرآن بأصحاب الجنة الذين منعوا حق الفقراء الذي كان يصرفه والدهم لهم، فلما مات أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون، فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون فأصبحت كالصريم..!
رابعاً: ليس للمبتلى أن يتشاءم من الشر الذي نزل به، فقد يكون تكفيرا لسيئاته أو رفعة لدرجاته، ومنه قول النبي ﷺ: (لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في جسده أو في ماله أو في ولده حتى يلقى الله سبحانه وما عليه خطيئة) رواه أحمد في مسنده عن أبي هريرة.
وبعض الناس يظن أن هذا الذي يصاب بالأمراض ونحوها مغضوب عليه، وليس الأمر كذلك! فإنه قد يبتلى بالمرض والمصائب من هو من أعز الناس عند الله وأحبهم إليه كما هو حال الأنبياء والرسل عليهم السلام كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم (أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلبا اشتد به بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة). أخرجه الإمام أحمد وغيره، وصححه الألباني.
بل إن الله تعالى إذا أحب عبدا أو قوما ابتلاهم كما قال صلى الله عليه وسلم: (إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط). رواه الترمذي وحسنه.
فالمبتلى إذا استحضر هذه المعاني، وتحقق بمقاصدها، ورد الحقوق لأهلها، وتاب واستغفر، وتذلل بين يدي مولاه يسأله العفو ورفع البلاء، يكون حينها متلبسا بإحدى أجل العبادات وأعظمها، أسوة بسادات الأنبياء والرسل عليهم السلام، وليتدبر قصصهم وأحوالهم مع الابتلاء بالشرور وصبرهم وتسليمهم حتى يأتي الفرج ، فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا..
فهذا يعقوب عليه السلام فقد ابنه يوسف عليه السلام وكان أحب أبنائه ثم ما لبث أن فقد ابنه الثاني فابيضت عيناه من الحزن وذهب بصره وهو صابر محتسب يشكو بثه وحزنه إلى الله..
وهذا أيوب عليه السلام يبتلى في ماله وولده وجسده حتى ذهب ماله ومات أولاده ونفقت تجارته وأصيب في بدنه سنوات حتى فر عنه أصحابه ولم يبق معه إلا زوجه..
ويونس عليه السلام التقمه الحوت فنادى في الظلمات ألا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين..
أما أولو العزم من الرسل الخمسة الكبار وعلى رأسهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فقد تقلبوا في ألوان من البلاء لايسع المقام تتبعها لكثرتها..
فمن تأسى بهؤلاء في صبرهم وشكرهم هان عليه البلاء ووجد لأزمته سبيلا ومخرجا..
وبعد فلعل أعظم بلاء نزل بأمتنا ما يجري تحت أعيننا اليوم في غزة العزة من أهوال تشيب لها الولدان: خراب في العمران، وهلاك للحرث والنسل، وتحالف صليبي صهيوني على الشعب الفلسطيني يمد العدو بأحدث الأسلحة المدمرة، وتكريس حصار ظالم أدى إلى مجاعة وشح في المياه..!
فهذا أعظم بلاء جماعي في العصر الحديث يشهد لهذه الحضارة بالهمجية وعقوق الإنسان فضلا عن استقالة الحكام العرب من القيام بدورهم!
غابت الشهامة والمروءة وما تقتضيه الأخوة في الدين واللغة من نصرة أهلنا في فلسطين..!
فأي بلاء أعظم من هذا؟
وأي فتنة أكبر من هذه الفتنة؟!
متى يستيقظ الضمير الإنساني ؟
لا يسعنا إلا أن نقول (صبرا آل غزة فإن موعدكم الجنة إن شاء الله)
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم..

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. رغم كل ما فعله الاحتلال في قطاع غزة من قتل وتدمير لم يحقق أي هذف. بقيت غزة صامدة وازدادت طهرا بدماء شهدائها، وشموخا بصلابة مقاوميها.
    غزة تنتصر وتطهر العالم من رجس الصهاينة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى