القول الفصل لمعنى الأمية في حق الرحمة المهداة للبشرية
عبد اللطيف بوعلام شيخ القراء بالمدينة الصفريوية.

لا مين وشك فيه أننا قد تعلمنا ونحن من بداية ولوجنا للكتاتيب القرآنية والتحاقنا بالمدارس العمومية من أن رسولنا صلى الله عليه وسلم ومنقذنا من الضلال كان أميا لا يقرأ ولا يكتب على فطرته كما ولدته أمه، وهذا هو عين الإعجاز من أن ينطق من لم يتعلم بكلام لا يصل إلى حرف من نسجه وصياغته فطاحلة وبلغاء العرب وقتئذ لأنه ببساطة يتحدث بعلم علام الغيوب، وأنه منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام أو يزيدون لم يرد عن الصحابة أو التابعين أو تابعيهم أو الأئمة الأربعة المشهورين أو غيرهم من أولي النهى والفهم المشهود لهم بالعلم رضوان الله عليهم جميعا من أن نبينا ورسولنا الكريم قد كان مجيدا للقراءة والكتابة.
وهناك أدلة دامغة على صحة هذا الطرح تتعزز تأييدا ببداية نزول الوحي عليه في غار حراء الذي كان يتحنث فيه متعبدا متأملا في بارئه خالق الأكوان، حيث غطه أمين الوحي سيدنا جبريل عليهما السلام، وقال له: اقرأ. قال: ما أنا بقارئ. ثم ردد عليه الأمر عينه، فأجابه بالنفي، فتلا عليه الآيات الأوَّل الخمس من سورة العلق: * اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم *، وهو سبب نزولها المجمع عليه من قبل العلماء قاطبة، وأول خطاب إلهي موجه لخير الأنام، وفيه دعوة صريحة إلى القراءة والكتابة والعلم مكررة مرتين لمزيد الاهتمام بشأن القراءة والعلم، وأين نحن الآن من تطبيق هذا التنبيه الرباني لاسترجاع الخيرية وتبوء الصدارة وذلك الإشراق والمجد التليد..ولقد تكفل رئيس الملائكة جبريل شخصيا بتحفيظه للقرآن، وتعليمه لأحكام الشرع مومأ له في قوله عز وجل بسورة النجم: * إن هو إلا وحي يوحى. علمه شديد القوى *. هذه واحدة، والثانية أنه صلى الله عليه وسلم لو كان يعرف القراءة والكتابة لما استعان قط بكُتاب الوحي متقيدين بتوجيهاته الضبطية ليتحمل اللفظ القراءات العشر المعتمدة عند القراء. لكنه لم يثبت عنه، ولو من طرف خفي أنه كتب آية واحدة بيديه الشريفين بدليل قوله جل جلاله بسورة العنكبوت: * وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك، إذا لارتاب المبطلون *. وليس من المستبعد أنه صلى الله عليه وسلم قد كتب بعض الرسائل الدعوية للملوك والرؤساء كما تنص عليه بعض الكتب التاريخية غير أن الثابت هو أمره بالكتابة إليهم مع ختمها بخاتمه الشريف.
ويطلع علينا الآن من يزعم خلاف ذلك معتبرا أن نعت النبي بالأمية الفاقدة لأهلية القراءة والكتابة وصف قدحي وخطأ فادح جسيم في حق خير البرية، ويروجون لهذا الدفاع عن سيد الخلق حادثة منسوبة لأحد العلماء دون ذكر اسمه أو مصدر ناقله مفادها أن أحد الناس سأل عالما جليلا فقال له: لم سمي النبي الأمّي؟
فقال العالم: ماذا يقول الناس؟
فقال الرجل: يقولون أنه سُمي الأمَي لأنه لم يحسن أن يكتب!
فقال له: كذبوا عليكم!!
كيف يكون ذلك والله يقول في محكم كتابه: * هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة *، فكيف كان يعلمهم ما لا يحسن؟
والله لقد كان رسول الله يقرأ ويكتب بثلاث وسبعين لساناً، وإنما سُمي ” الأمّي ” لأنه كان من أهل مكة..! ومكة من أمهات القرى ويطلق عليها أم القرى، وسمي أمي نسبة إلى أم القرى، ويعزز ذلك قول الله عز وجل * ولينذر أم القرى ومن حولها*، ويختتمونها بقولهم محذرين: انشرها، فقد تنقذ مؤمنا كان يظلم أعظم الخلق ويبخس مكانته صلى الله عليه وسلم. ولا شك أن هذا الطرح سيجد عرمرما من الآذان الصاغية، وأخص منهم إخواننا المبالغين في إطراء الذات المحمدية وتعظيمها إلى درجة اتحادها في بعض صفات الألوهية، وفي النهاية أرجو من الإخوة والأخوات تحري المصادر المعتمدة في نشر الدين الحق، وأتمنى ممن قرأ مقالي أن يرد علي بالرفق، ويرجعني إلى جادة الصواب بالحجة والصدق تحت شعار من أمر به حيث قال: * فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون*. ثم ” إن هذا الدين أمانة فانظروا عمن تأخذوا أمانتكم ” ولاسيما في زماننا هذا الذي كثر فيه _ من بني جلدتنا مع كامل الأسف _ الداعون المتهوكون والمرجفون المشككون في صحة القرآن، فأحرى سنة وسيرة النبي العدنان..




