
المق-او-مة اليوم عالمية، في تناقض أساسي بين طرفين: نظام عالمي رأسمالي قديم تقوده الإمبريالية الغربية بمختلف أساليب ضغطها وابتزارزها واختراقها، اقتصاديا وسياسيا وثقافيا؛ ورأسماليات وطنية صاعدة تبحث عن موقع لها في التاريخ، من أكثرها قدرة على المبادرة والتقدم -مثل الصين وروسيا، إلى أقلها قدرة على ذلك. المق-او-مات التحررية والوطنية التي تظهر في خضم هذا التناقض الواقعي الملموس، ليست مقاومات اختيارية إرادوية، وإنما هي انعكاس لضرورة مرحلة أينما وجدت.
توجّه فئات واسعة من الوطن العربي تركيزها إلى مقاومات فصائلية هنا وهناك، وتنسى مقا-وم-ات أخرى تنهض بها دول ومنظمات اقتصادية دولية وشراكات استراتيجية وسياسية. وعندما ندعو إلى تحرير العقل العربي والإسلامي من الإيديولوجيات الطائفية أو الإنسانوية، فإننا لا ننكر عملا ميدانيا لفصيل مق-او-م، بل ندعو إلى تثمينه ووضعه في سياقه العام. فليس التحرير عمليات بطولية، وإنما استراتيجيات كبرى، المق-او-مات التحررية جزء منها. ومن يقول العكس، ما عليه إلا أن يفسر توقيع “أو-سلو” بعد سقوط الاتحاد السوفييتي. هناك من يحب توجيه اللوم لحركة “ف-ت-ح”، لكنه لن يكون فل-سط-ينيا أكثر من ياسر عرفات ورفاقه!
لا أحد يتحدث عن مق-او-مة مصر دولة ومجتمعا، ولا عن مق-او-مة الأردن دولة ومجتمعا، ولا عن مق-او-مة المغرب دولة ومجتمعا؛ لماذا؟ لأن النصرة تمارَس في أغلبها اليوم، إما بمنطق فصائلي طائفي، وإما بمنطق إنسانوي. وعموما فإن البورجوازية الصغيرة التي تقود الحركات الاجتماعية، تثبت عجزها كل مرة عن الوعي بالمعارك في بعدها الاجتماعي والكلي، فتقمع النصرة عوض أن تحررها، أي أنها تُفقِدها قدرَتها على أن تكون خلاقة، وقدرتها على أن تؤسس لوعي سديد في الممارسة السياسية.
بهذه النصرة العمياء، تصبح المق-او-مات الميدانية أكثر نضجا من مثيلاتها الاحتجاجية. تركز الأولى على المطلوب جيوسياسيا وفي واقع معقد، وتطالب المق-او-مات الاحتجاجية بتصعيد الخطاب والموقف خارج منطق الحسابات الداخلية لكل احتجاج. تعبر بذلك عن مهارة في الخطاب الإيديولوجي، وعن قدرة على التعبئة والتوجيه وتحقيق المزيد من الضغط الشعبي.. وهذا فعل يخدم رهاناتها من جهة، ويعطل الوعي السياسي للم-قاو-مات الاحتجاجية من جهة ثانية، أو لعله يحافظ عليه كما كان!
هناك اختلاف بين المق-او-مات، وهو اختلاف ناتج عن اختلاف الاستراتيجيات.. المق-او-مة ليست شكلا واحدا، ولا مصلحة واحدة، ولا استراتيجية واحدة.. الذي جعل المق-او-مة شكلا واحدا، والذي احتكرها في نموذج واحد، هو استراتيجية -أو استراتيجيات- أكبر من المق-او-مة الميدانية نفسها.. هذه الاستراتيجية -أو الاستراتيجيات- تبحث عن مكتسب سياسي، وتقيس حسابها في النصرة بمكتسبها السياسي.
إن موقفنا الاستنكاري للعدوان الصه-يو-ني على قطاع غ-ز-ة، وكذا دعمنا لل-مقاو-مة الفل-سطي-نية لتحرير أرضها؛ لا ينفي التحليل أعلاه، أي أنه لا ينفي حسابات المصالح والسياسات في معركة تخاض على الأرض، وفي واقع جيوسياسي معقد، تعرفه المق-او-مة الميدانية أكثر من غيرها. في ميدان المعركة يشق على المق-او-مة طرح سؤال “الوعي الاجتماعي” و”الوجود الاجتماعي”.. إنها مطالبة بفعل ضروري، أو هكذا تراه في تقديرها.. أما الشعوب العربية والإسلامية فتستنكر العدوان الصه-يو-ني وتحتج وتحصّن مناعتها الثقافية والسياسية، وتدعم حركة التحرر الوطني الفل-سط-ينية، لكن دون أن تفقد قدرتها على تفسير ما يجري وفهمه واستيعابه في منطق أكثر شمولية، بما يخدم مصلحتها ومصلحة دولها..




