
“قل أعوذ برب الفلق 1 من شر ما خلق2 ومن شر غاسق إذا وقب3 ومن شر النفاثات في العقد 4 ومن شر حاسد إذا حسد5”.
سورة الفلق مكية تحتوي على خمس آيات، ومن مقاصدها الحماية من الوسواس والظلام مما يحتم اللجوء إلى الله لتجنب الشرور. من أهم ما ذكر منها السحر والحسد. غالبا ما تقرأ قبل النوم أو عند الشعور بالخوف والقلق. بغية الحصول على الطمأنينة وراحة البال والنفس. لقد نزلت بعد سورة الفيل.
وتفيد كلمة أعوذ معنى ألتجئ وأحتمي برب الفلق، والرب بمعنى المالك والسيد والمصلح. أما الفلق فهو الفصل بين الأشياء. وتفيد فالق الخالق والفاطر. كما تعادل رب الفلق رب العالمين. فالاستعادة بالله واجبة من شر كل مخلوق فيه الشر، ومن شر ظلمة الليل، وحسد الحاسدين. حيث تشكل الظلمة والحسد نوعين يحتمان الحذر منهما لأنهما مختفيان، وذكرهما من باب عطف الخاص على العام.
لقد أطلق الغاسق على ظلمة الليل. ورد غاسق نكرة للتبعيض. لأن الليل ليس أوقاته كلها شرا وإنما بعضها، وكلمة النفاثات من النفث وهو أكثر من النفخ وأقل من التفل. لذلك قالت عائشة رضي الله عنها “إن رسول الله عليه الصلاة والسلام كان إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات ومسح عنه بيده”. كما كان عليه الصلاة والسلام يتعوذ من شر الشيطان، من همزه ونفخه ونفثه. أي نفث الأرواح الخبيثة من الجن والإنس.
إن الحسد هو تمني زوال النعمة عن الآخر. وهذا محرم شرعا. والغبطة هي تمني النعمة دون زوالها عن الآخر. وهذا مباح. وعلى مستوى العبادات والطاعات فهو مستحب. لكن ليس كل حسد ضارا، وقد تخفي العين الحسد لأن العين حق كما قال الصادق المصدوق فيما رواه مسلم.
من خلال هذه الإطلالة والنظر في سورة الفلق نؤكد على أن تسميتها بالفلق لأنها افتتحت بذكره وهو المصباح والنور. المتضمنة توحيد الربوبية والألوهية. مع الإشارة إلى أن الإنسان يتقلب بين السرور والغبطة والاطمئنان وبين الآفات والأحزان. مؤكدين على أن بعد الضيق والشدة والعسر هناك اليسر والمخرج والفرج. فما أحوجنا إلى النور الذي يضيء لنا الغموض والمستور. من تم فبقاء الخير وتعميمه مرتبط بالاستعاذة بالله من شر الخلق. لأن الغاسق هو الليل المخيف بذاته. باعتباره يخفي المجهول ومساعد على المبادرة الملتوية والإيحاء المنحرف في عمومه. مما يوقظ الشهوة أثناء الوحدة والظلام. لذلك فسر بعضهم النفاثات بالسواحر حيث تخضع الحواس والأعصاب والمشاعر.
نختم هذه النظرات بشعر بشار بن برد حينما يقول:
إن يحسدوني فإني غير لائمهم قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا




