رأي

من دلائل النبوة ما يحتاج للتدبر

بقلم أحمد الشقيري الديني

نريد في هذه المقالة التنبيه على بعض دلائل صدق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من خلال تقديم نوذجين: الأول من القرآن والثاني من صحيح السنة، ولهما نظائر بالعشرات في الكتاب والسنة، وموضوع دلائل النبوة طرقه العلماء قديما وحديثا لأهميته في ترسيخ الإيمان في القلوب خصوصاً في زمن الشبهات والشهوات التي تضعف الإيمان، وها نحن في عصر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي التي تقذفنا بالشبهات صباح مساء والصور المثيرة للغرائز، فما لم يتجدد إيمان العبد غرق في بحر متلاطم الأمواج، ومن أعظم ما به يتجدد الإيمان تدبر هذه الدلائل على صدق صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم ، فإذا ترسخ في القلب تصديقه جاءت باقي أركان الإيمان تبعا لذلك..

ولنبدأ بعرض آية من القرآن نتدبرها لنرى دلالتها على صدق النبي صلى الله عليه وسلم ، وسنفترض أن حديثنا مع من ينكر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أي مع من يعتبر أنه اختلق هذا القرآن ونسبه لقوة عليا لتكثير الأتباع..!
1) نختار من القرآن ما جاء في سورة الأنعام: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ ۗ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ ۖ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾
فهذه الآية، ولها نظائر بالعشرات في الكتاب، تستبطن معاني عدة:
أولا أن أكبر الظلم أن يفتري أحد على الله الكذب..
الثاني أن أعظم ظلم أن يزعم شخص أنه يوحى إليه ولم يوح إليه شيء
الثالث من أعظم الظلم أن يقول العبد سأنزل مثل ما أنزل الله.
ثم باقي الآية فيه وعيد وتهديد لمن كان بتلك الحال من الافتراء على الله وأن عذابه ومعاناته تبدأ مع خروج الروح حيث تخاطبه ملائكة العذاب: ( أخرجوا أنفسكم الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ)..
فعلى مذهب القائلين بأن هذا القرآن من صنع محمد صلى الله عليه وسلم وليس وحيا من الله، يلزم أن يكون محمد (وحاشاه صلى الله عليه وسلم) يتحدى ربه ولا يخاف عاقبة الكذب عليه والزعم بأنه يوحى إليه، ونظيره في سورة الحاقة {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44)لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47)}
والمعنى فلو قدر أن الرسول -حاشا وكلا- تقول على الله لعاجله بالعقوبة، وأخذه أخذ عزيز مقتدر، لأنه حكيم، على كل شيء قدير، فحكمته تقتضي أن لا يمهل الكاذب عليه، الذي يزعم أن الله أباح له دماء من خالفه وأموالهم، وأنه هو وأتباعه لهم النجاة، ومن خالفه فله الهلاك. فإذا كان الله قد أيد رسوله بالمعجزات، وبرهن على صدق ما جاء به بالآيات البينات، ونصره على أعدائه، ومكنه من نواصيهم،وأظهر دينه على الدين كله، فهو أكبر شهادة منه على رسالته؛وذلك معنى (كفى بالله شهيدا بيني وبينكم)
فمن يؤمن بأن للكون خالقا لكنه يشك في صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، عليه أن يتأمل هذا الموضع جيداً، هل يعقل أن يدبر الكون علويه وسفليه ومع ذلك لا يعاجل بالعقوبة من يضل عباده ويزعم أن الله أرسله إليهم، بل ويمكن له ولأتباعه بدل أن يرسل رسولا آخر يصحح ويوضح للناس مراد الله منهم..!
بل إن من مقاصد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم تصحيح ما حرفه اليهود من وحي الله لأنبيائه فزعموا لله الولد ووصفوه بصفات النقص التي تنافي الكمال والجلال..
إن من تأمل جانبا من سيرة محمد صلى الله عليه وسلم أدرك بيسر أنه يستحيل أن يضع للناس كتابا يحتوي على تهديدات خطيرة لمن يفتري على الله الكذب لأن هذا الزعم يستبطن تحديا خطيرا لخالق الكون..كما جاء في القرآن (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا ۚ أُوْلَٰٓئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ وَيَقُولُ ٱلْأَشْهَٰدُ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ أَلَا لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ).

2) ومن السنة الصحيحة نختار هذا الحديث الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما،. هو يدخل في أبواب الطهارة أو من أم قوما بغير طهارة ناسيا، ولا يرد عادة في دلائل صدق محمد صلى الله عليه وسلم، وهو من أعظم دلائل النبوة كما سترى ؛ فعن أبي هريرة ، قال : خرج رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إلى الصلاة ، وكبر ، ثم أشار إليهم فمكثوا ، ثم انطلق فاغتسل ، وكان رأسه يقطر ماء ، فصلى بهم ، فلما انصرف قال : ( إني خرجت إليكم جنبا ، وإني أنسيت حتى قمت في الصلاة )فهذه رواية أحمد وابن ماجة.
وفي رواية البيهقي عن أنس ، قال : دخل النبي – صلى الله عليه وسلم – في صلاته ، فكبر فكبرنا معه ، ثم أشار إلى الناس أن كما أنتم ، فلم نزل قياما حتى أتانا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قد اغتسل ورأسه يقطر..!
فلو لم يكن محمد صلى الله عليه وسلم صادقا في نبوته فما الذي كان سيلزمه بأن يظهر أمرا لا يعلمه أحد من المصلين، وهو كونه دخل في الصلاة ناسيا أنه جنب، ثم يخرج من المسجد فيغتسل والناس قيام ينتظرونه حتى عاد ورأسه يقطر ماء فيصلي بهم ثم يخبرهم بعد انقضاء الصلاة أنه نسي أنه كان على جنابة..!
لقد كان بإمكانه، لو لم يكن صادقا، الصلاة بهم على حاله دون الدخول في هذا الأمر المحرج..!
وهذا مما أسميه بالدلائل الخفية على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ومن تأمل سيرته وكتب السنة وجد لهذا نظائر لا ينتبه إليها المشتغلون بالفقه فضلا عمن دونهم من العامة..
والله الموفق للصواب..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى