رأي

الأمين بوخبزة كما عرفته:

بقلم عبد الوحمان اليعقوبي

محطة الانفصال عن الشبيبة

تعرفنا على الأستاذ الأمين بوخبزة ونحن نلج شعبة الفلسفة بكلية الآداب موسم 1975 .كان شخصا كبير النشاط واسع الحماس في مجال الدعوة لا يتوقف لحظة. والكل يعرف الأدوار التي قام بها في تأسيس عمل الشبيبة في الشمال، بل إن الأمر لم يقتصر على الشمال بل كان يستدعي في كل مناطق المغرب.

سأعمل في هذه الشهادة على عرض محطة هامة من تاريخ العمل الإسلامي في إطار الشبيبة الإسلامية وهي محطة الانفصال عن الشبيبة والتي لعب فيها الأخ الأمين دورا محوريا وكبيرا.
كان خروج مطيع من البلاد نحو الشرق لحظة فارقة في تاريخ هذه الجمعية إذ بدأت الانشقاقات تتوالى من طرف أفراد ومجموعات،إلى حدود أزمة الستة سنة 1978 حين برزت أزمة عرضت الصف إلى أكبر هزة في تاريخ الشبيبة الإسلامية. ويمكن اعتبار الأحداث اللاحقة استمرارا مباشرا لهذه الأزمة. وقد بلغت قمتها بعد صدور الحكم في قضية اغتيال المناضل الاتحادي عمر بن جلون. بدأت مواقف مطيع أكثر انفعالية، وبدأت الإشاعات تتناسل وتتضارب فيما يخص أعضاء التنظيم، وكانت التهمة الجاهزة من طرف مطيع لكل من شك في ولائه هي تهمة العمالة للنظام. وهذا مما زاد الأمر غموضا والصف تشتتا. وهنا اتفقنا نحن، مجموعة من بعض من بقي مع مطيع أن نقوم بخطوة أخيرة لإعادة وحدة الصف وتجديد الأمل في الاستمرار. اتفقنا نحن أربع مناطق وهي: منطقة الرباط ومنطقة تطوان ومنطقة فاس ومنطقة مكناس، ثم بعض من تبقى من مجموعات في الدار البيضاء. اجتمعنا بحي بورنازيل بالدار البيضاء ، وكنا ما يقرب من عشرين فردا أو يزيد بقليل. وبعد يوم طويل من النقاش والمداولات اتفقنا على ما يلي:
أ ــ الإعلان عن تشبتنا بالصف وعدم انخراطنا في أي انشقاق.
ب ــ اقتراح طريقة في تسيير الحركة نتجاوز بها الخلل الذي ظهر والذي يهدد وجود الحركة.
ج ــ تكليف الأخ الأمين بوخبزة بإبلاغ مطيع بهده المقترحات باعتبار أنه كان على موعد مع مطيع بإسبانيا.
بعد هذا الاجتماع ، وبدون الدخول في تفاصيل لا تهمنا الآن، عدنا إلى نحن إلى فاس( أنا والأخ محمد الحارتي) وكان لنا اتصال بمطيع ويبدو أنه الأخير، وجدنا أنه يعلم عن اجتماعنا الذي أدانه وبين أنه غير شرعي، وسألني سؤالا بطريقة غاضبة: كم أنتم في فاس؟ أجبته بتلقائية أننا نؤطر ما يقرب من ستمائة عضو. فبادرني : هل كل عملكم انتهى إلى هذا العدد القليل، الستمائة يجب أن تكون فقط في السجن. وأمرنا بما يلي: نكتب منشورا ندين فيه جمعية الدعوة بفاس والتي كانت في صراع مع اليسار بمناسبة تنظيم هذه الجمعية لنشاط ثقافي يتضمن معرضا للكتاب، وقد هاجمه اليسار بطريقة إرهابية باستعمال الأسلحة والدخول في مواجهة مع الإسلاميين ومن ضمنهم أعضاء في الشبيبة. وقد اعتقل أربعة منهم حكم على إثنين منهم ، من بينهم الأخ أحمد بوخبزة أخ الأمين بوخبزة. أمرنا مطيع إضافة إلى توزيع منشور ضد جمعية الدعوة أن نتبرأ من أعضائنا الذين اعتقلوا وأن نتصل باليسار ونخبرهم بأننا ضد ما قام به الإسلاميون.
كان هذا الحدث هو النقطة التي أفاضت الكأس، إذ تأكدنا من الحجج التي كان يقدمها من قطعوا مع مطيع وتبين لنا أن ما نسير فيه طريق لا محطة له. وحينها بدأنا نراجع كل الأحداث التي وقعت وبدأنا نفهم كل الإشاعات التي أطلقت ضد كثير من الأعضاء مما كان يرسل إلينا مطيع، وهي أمثلة من الصعب أن نحصيها هنا باعتبار أن كل واحد يحمل منها شيئا.
رجعنا بعد هذا إلى الرباط ونحن في حالة من التيه والشك والتساؤل والتي جعلتنا في وضع لا نحسد عليه. جئنا أنا والأخ محمد الحارثي من فاس عند الأخ عبد الإله بنكيران ببيته بحي العكاري، وهنا التقينا بالأخ عبد العزيز بومارت من مكناس والأخ الأمين بوخبزة والذي عاد لتوه من إسبانيا. وهنا أخذ كل واحد يحكي ما بجعبته، فتحدثنا عما جرى بفاس وبعدها أخذ الكلمة الأخ بوخبزة وبدأ يحكي عما جرى بينه وبين مطيع بإسبانيا. تبين لنا أنه لم يلتق بشخص مطيع بل إنه التقى بشخص لا يعرفه مرسلا من طرف مطيع. بدأ هذا الشخص يحكي عن مطيع وعما يعانيه في خدمة الدعوة والمؤامرات التي يتعرض لها وحكى له عن صبره في الطريق الذي يخدم به الدين والدعوة. وهذا كله كلام نعرفه جيدا ولا جديد فيه. ولقد نظم له هذا الشخص بعد ذلك اتصالا بمطيع.
كان الاتصال بمطيع مثيرا في مضمونه، فبعد أن هاجم مطيع كل الأشخاص الذين نظموا الاجتماع الأخير واتهمهم بالعمالة للنظام، بدأ في ذكر كل واحد متهما الجميع بالعمالة، بطريقة لا تخطر على بال من عرفوا هؤلاء الأشخاص. بعد هذا بدأ مطيع في الإشادة بالنظام الليبي ، وتحدث عن إيران وعن المؤامرات وعن ضرورة أن يعلن المجتمعون في اللقاء عن توبتهم … وأشياء أخرى تحتاج لتفصيلها إلى ذاكرة جماعية ممن استمعوا لحكاية الأخ الأمين بوخبزة. أما الموضوع الذي كنا ننتظر من مطيع أن يجيب عنه وكلفنا به الأخ الأمين بوخبزة فلم يقبل مطيع مناقشته بل ورفضه رفضا مطلقا.
بعد حكاية الأخ الأمين الطويلة عن مضمون المكاملة مع مطيع بادرنا بطرح سؤال وهو: هل لا يزال مطيع محط ثقة ؟ وهل يمكن الاستمرار في هذا الطريق معه؟ واتفقنا كلنا على أنه لا ثقة بعد الآن بمطيع وأنه من الواجب الانفصال عنه منذ هذه اللحظة.
كانت المكالمة مع مطيع نقطة أساسية وسببا كبيرا وعلة واضحة في اتخاذ القرار. وبعدها تساءلنا : مالعمل؟ واتفقنا على أن نتصل بكل الأطراف وبكل الأعضاء في كل ربوع الوطن. وكانت مكالمة الأخ بوخبزة من الوثائق الأساس في محاولة الإقناع ، وقد كان الأخ بوخبزة شعلة في محاولة البناء الجديد إذ أنه جال مختلف المناطق من أجل الإقناع بالمشروع الجديد. وكان ناجحا في هذا العمل بكل كفاءة، ويرجع هذا لسببين: السبب الأول هو الثقة التي يحضي بها الأخ الأمين عند الجميع، فلم يكن لأحد أن يرد قوله أو يشكك في روايته، والسبب الثاني هو قدرة الأخ بوخبزة على عرض الحقائق بكل وضوح ولكن زيادة على هدا بثقة في ذاته وفي المشروع الدعوي الذي يعمل من أجله.
لقد كان الأخ الأمين واحدا من الذين تزعموا الخط الجديد والتنظيم المعلن بعيدا عن الشبيبىة، بل إنه لم يكن لهذا المشروع أن ينجح ويجضي بالثقة لولا وجود شخص مثل الأمين بوخبزة.
لقد كان الأخ بوخبزة زعيما بكل ما للكلمة من معنى، ولقد كانت لهذه الزعامة آثار كبيرة على مسار الدعوة والصحوة في المغرب الحديث. وبقي مستمرا في هذا إلى أن توفاه الله تعالى. ولقد زرناه منذ وقت قريب قبل موته فتجول بنا في كل الإنجازات الاجتماعية والتربوية والجمعوية التي بقي مشرفا عليها إلى حين وفاته رحمه الله تعالى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى