بعيدا عن مصطلحي التسديد والبلاغ اللذين يدخلان في إطار حوض معرفي يراد منه أن يشيع وسط المجتمع المغربي. ودون الجدل في هذا، وأخذا له بمعناه المتفق عليه في اللغة وفي كتب أهل التفسير وغيرهم من أهل العلم. أجدني متفقا على أن خطبة الجمعة يجب النهوض من أجل تسديدها، وأن نتفق على معايير هذا التسديد قبل أن نجعل التسديد هو تحري خطبة وتسليمها لمن يلقيها. فهذا عندي بعيد عن التسديد كما سأبينه إن شاء الله تعالى في المقالات الآتية.
وقبل القيام بالتسديد والتبشير به، فإن المفروض علينا جميعا أن نتفق أن خللا أو أخلالا قد استدعت التسديد، وأن نتساءل: ما هي هذه الأخلال التي يجب أن نتجه إليها أجمعين أكتعين من أجل تسديد بلاغ خطبة الجمعة وإصلاحها. فإنه يخيل إلي أن التشريح الذي وقف عند هذه الأخلال قد أكد أن الجواب هو: تحرير خطب وتسليمها للخطباء لقراءتها على المصلين، وأنها هي الطريق الأمثل للنهوض بمكانة خطبة الجمعة. وهذا غير صحيح أو على الأقل ليس وجيها، أو هو اقتراح من الاقتراحات المرجوحة. ويجعلنا نتساءل للفهم: هل الوقوف على الأخلال قد تم؟ وإذا تم، فهل الجواب المقنع المترتب عليها، هو: تحرير خطبة من أجل تعميمها على الخطباء؟
أخلال خطبة الجمعة:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لعل من نافلة القول: إن الخطباء الرساليين، والمهتمين بشأن الخطابة والخطاب، كلهم يؤكدون وجود أخلال عميقة في خطبة الجمعة التي هي عندي من المعجزات في الشريعة الإسلامية. حيث نادى العلي القدير على الناس بالإتيان إليها:” يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع الآية [الجمعة:]. ولم يرخص التغيب عنها حتى وصل الحال إلى أن يقول صلى الله عليه وسلم:” من ترك ثلاث جمع تهاونا بها طبع الله عليه قلبه”(رواه أبو داود)، وقوله عليه الصلاة والسلام:” لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين”(رواه مسلم)، وما رواه ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم”( رواه أحمد ومسلم).
ثم قام المؤذن بعد مجيئهم إلى استنصات الناس للخطيب بتخويف وزجر، موردا حديثه صلى الله عليه وسلم: إذا قلت لصاحبك أنصت، والإمام يخطب يوم الجمعة، فقد لغوت”(موطأ مالك)، وفي حديث آخر: ومن لغا فلا جمعة له”().
مسؤولية الخطيب:
ــــــــــــــــــــــــــــــ
لقد هيأت الشريعة الإسلامية للخطيب ظروف خطبته، وهم جميعا قد سعوا إليك، وجلسوا صموتا بين يديك حرصا على قبول جمعتهم، وهم أخلاط في مستوياتهم المعرفية.
ألم يفكر الخطيب يوما في هؤلاء الذين تركوا تجاراتهم وأموالهم استجابة للنداء الإلهي: فاسعوا إلى ذكر الله”، وقد سعوا إليك مستمعين ومنصتين..ما هي مهمتك الآن؟ وما هو واجبك تجاههم؟ وبماذا ستنفعهم؟ وكيف ستجعلهم في شوق للقاء بك في الجمعة الموالية؟
الخلل الأول: خلل الوقت
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لقد أصبح المصلون والأئمة الناصحون يشتكون منذ زمان من عدم احترام بعض الخطباء زمن الخطبة. ووجد المصلون أنفسهم تحت رحمة بعض هؤلاء من جهة الإطالة عليهم. ولو رحت إلى الخطيب تحدثه عن وجوب الاقتصاد في الكلام والالتزام بمدة زمنية معقولة، لراح يشهر بك في خطبة موالية من رقة الإيمان عند الناس، وعدم صبرهم على دينهم، وعدم التمسك بهذا الدين العظيم وأحكامه.
والناس إذ أتوا الجمعة فإنهم يحترمون النداء الإلهي فاستجابوا له، وهم محبون صابرون على دينهم. ولكنهم غير صابرين عليك أنت أيها الخطيب. ورفضهم لك ولما تقوم به ليس رفضا للدين الذي تريد الادعاء على الوحدانية بينهما، وجعلهما شيئا واحدا. إن نقد الخطيب ليس نقدا للشريعة وللخطبة، فافهم، ولا تلبس.
ألم يعلم هؤلاء الخطباء أن الشارع الحكيم قد وضع لخطبة الجمعة ضوابط حتى لا تنحرف عن السداد، وأول هذه الضوابط ضابط الوقت الذي أكد فيه صلى الله عليه وسلم أن المحترم له هو الدليل على فقه الخطيب ورجاحة عقله. فقال صلى الله عليه وسلم: من مئنة فقه الرجل: قصر خطبته وطول صلاته”، وقوله صلى الله عليه وسلم: وإذا وعظت فأوجز”.
فالإطالة خلل يجب إصلاحه والتعاون عليه، وتدريب الخطباء على الاختصار غير المخل. ودفعا لاعتقاد البعض أن الإطالة داعية لتجنب الإخلال.
إن الصواب الذي دلت عليه النصوص الشرعية، ودلت عليه الأبحاث التربوية التعليمية، أن الاختصار هو أقوى سلاح في نجاعة العملية التربوية التعليمية.
وكان صلى الله عليه وسلم يعظ الناس بكلمة واحدة. فهذا نبي كريم وخطيب مفوه، يعظ الناس بكلمة واحدة. ودونكم الأحاديث التي ورد الطلب فيها بالموعظة، ومنها قول الرجل له: يا رسول الله عظني؟ يا رسول الله عظني فأوجز…وكان وعظه لهم:” لا تغضب”. ” كف عليك لسانك”…الخ
إن الوعظ ليس هو الثرثرة في الكلام، وإنما هو نفع الناس بالكلام، فإن انتفعوا بكلمة واحدة فلا معنى لعشر كلمات.
معيار الوقت:
ـــــــــــــــــــــ
وتحدث الناصحون من أهل العلم عن حدود الاختصار، المباينة للإطالة، كيف نعرفها؟ فإن الأمر ليس بهذه السهولة، فما تعتبره أنت إطالة يعتبره غيرك اختصارا، وما تعتبره أنت اختصارا يعده غيرك إخلالا…
والجواب: إن الشريعة التي أمرت الخطباء بالاختصار والتحكم في الزمن حتى عدت الخطيب المتقيد بهذا الإرشاد فقيها كما سبق في الحديث، لا يمكنها أن تترك زمنها لأريحية الخطباء وأوضاعهم، وهي تعلم أن منهم: المتشدد؛ والمتساهل؛ والشاذ؛ والمعسر…كما هو ظاهر في طبائع الناس جميعا من غير استثناء.
مقاصد معيار زمن خطبة الجمعة:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا أخفيكم أن أقصى زمن لخطبة الجمعة التي حددها بعض أهل العلم لا تتجاوز عشرة دقائق في الأقصى. وقد قمت باتباع هذا الضابط فوجدته صحيحا سليما من الناحية الشرعية. وعندما يفهم ويستوعب ويقتنع الخطيب بهذه الحقيقة ويسارع فيها، سيتحقق من الخطبة المقاصد الآتية:
1ـ التيسير على الناس: وهذا مقصد عظيم من مقاصد الإسلام.
2ـ سيتعلم الخطيب التركيز، ويتجنب الحشو والاستطراد، ويبتعد عن لغو الكلام، وسيذهب قاصدا إلى ما يريده من أقصر طريق. وسيتجنب الشروحات التي لا حاجة إليها، فإن الناس ليسوا جهلة جهلا مطبقا حتى تشرح لهم ما لا يخفى عنهم مما تضيع به وقتك وأوقاتهم.
إن كثيرا من الخطباء مبتلون بالهدر، وبالكلام الذي لا داعي له.
3ـ إدخال السرور على المصلين، وسيحرصون على الحضور عندك لهذه القضية التي تمتاز بها وهي رحمة الناس من جهة الوقت. ومن خلال تجربتي الشخصية في الخطابة، يصلني أخبار رواد مسجدي أن مجيئهم عندي ليس بسبب المعارف والمعلومات الشرعية بل بسبب عدم الإطالة فقط.
وإن الاشتغال على هذه القضية والتدريب عليها سيكون تسديدا لبلاغ خطبة الجمعة إن شاء الله تعالى من مدخل زمنها، قبل مدخل موضوعها ومعلوماتها.
معيار زمن خطبة الجمعة:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ذكرت آنفا أن زمن خطبة الجمعة لا يجوز أن يتجاوز عشرة دقائق في الحد الأقصى. والأدلة الشرعية الدالة على هذا الزمن الذي انتهى العلماء إليه بالتقريب، يمكن رصدها في الأدلة الآتية:
الدليل الأول: معيار خطبه صلى الله عليه وسلم
ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
إن ما بين أيدينا من خطبه صلى الله عليه، وهو الخطيب الأول في الإسلام، وقد حفظت لنا كتب السنة السيرة كثيرا من هذه الخطب، هي معيار هذا الزمن. وبعض العلماء ألفوا الكتب في موضوع: خطبه صلى الله عليه وسلم.
وأنت إذا تتبعت هذه الخطب تجدها لا تصل إلى هذا الزمن، بل إن أقصى ما ستصل إليه هو عشرة دقائق وبالكاد.
الدليل الثاني: معيار خطب أصحابه رضي الله عنهم
ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
وخاصة فقهاء الصحابة الكرام من أمثال الخلفاء الراشدين. وجميع خطبهم رضي الله عنهم على مهيع خطب نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام.
الدليل الثالث: معيار صلاة الجمعة
ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
فإنه صلى الله عليه وسلم كان غالب صلاته تكون بالأعلى والغاشية، أو بالجمعة والمنافقون. وأنت إذا تذكرت قوله صلى الله عليه وسلم: من مئنة فقه الرجل قصر خطبته وطول صلاته”. قمت بقياس الخطبة على الصلاة. وزمن القيام بهذه الصلاة معلومة عندنا، ومنها نعلم زمن الخطبة بالتقريب.
إننا نجد أمامنا صلاته صلى الله عليه وسلم بالأعلى في الركعة الأولى، والغاشية في الثانية. أو بالجمعة في الأولى، والمنافقون في الثانية. فهذا حد الإطالة عنده عليه الصلاة والسلام في الصلاة. فعلى كلمات الخطبة أن تكون أقل من عدد كلمات الصلاة.
وعدد كلمات الصلاة: هي: 72 كلمة في سورة الأعلى، و92 كلمة في سورة الغاشية.
وعدد كلمات سورة الجمعة نجدها في: 177 كلمة وتكتب في أقل من نصف ورقة. وأما سورة المنافقون فعدد كلماتها 181 كلمة.
فاقرأ هذه السور، فستجدها زمنها لا يتجاوز خمس دقائق إلى سبعة في الأقصى.
خطيب يحوقل ويسترجع:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صادف وجوده عند أحد الخطباء في يوم شديد الحرارة، والخطيب يتمدد في الكلمات، ويتقعر في البيان، غير آبه بزمن الخطبة ولا بظروفها. فاسترجع صاحبنا وأصدر زفيرا، وهو يقول: ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون.
زاد الخطيب:
ــــــــــــــــــــــ
فمن أراد أن يخطب الناس فعلى كلمات خطبه أن تكون أقل من هذا العدد حتى يكون فقيها بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم له بذلك إن التزم ما أمر به عليه الصلاة والسلام. فهذا موضوع سداد التبليغ الأول لمن أراده. وإني أزعم أن الاشتغال على مثل هذه الموضوعات ستجعل ما يتبرم منه من مشكلات الخطابة ستختفي من غير اشتغال عليها، ومن غير التجاء إلى خطبة موحدة.
(يتبع إن شاء الله تعالى)




