تذكير أهل الإيمان بخطورة تفشي ظاهرة المتاجرة بالقرآن في جميع الأقطار المعتنقة للإسلام.
بقلم الشيخ المقرئ عبد اللطيف بوعلام

ذلك أن قرآننا _ مع كامل الأسف، وشديد الحسرة_ لا تلوكه الألسن إلا في المآتم والمناسبات والولائم والتمائم والأضرحة والأسواق وبعض الأزقة إما بدراهم مشروطة متفق عليها سلفا أو متروكة لصاحب الجود والكرم، وقد تصل في بعض الأحيان إلى مبالغ خيالية لا يصدقها العقل كالمشاهير المغنيين رقصا على ضمائر المحبين المعجبين بمزامير آل داود التي ليست على نغمه وزهده لأنه كان ملكا ونبيا ويأكل بكد يده: * وألنا له الحديد، أن اعمل سابغات وقدر في السرد * ، وتتداعى إلى هذه الغنيمة مجموعات مدربة ومجهزة بالصونو والميكروات من الأكلة الاسترزاقيين والمتطفلين المنشغلين بالإنشاد والمقامات وجودة الأصوات جلبا لبعض الطلبة المهرة والحفاظ من الأئمة لإضفاء الشرعية على فعلهم المربح نشرا للجودة إلى حد الخصام في توزيع الغنيمة بحسب مايسترو الحنجرة الذهبية والمتكفل برفع دعوات المعروف كشطا لجيوب الحاضرين والحاضرات بدعوى ترويجهم للحديث المشهور: * خير ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله تعالى*، والمقصود من الحديث عند أكابر العلماء أخذ الأجر على التحفيظ والتعليم باعتبارهما عملا مضنيا يستحق صاحبه الحِباء والعطاء قبل أن يجف حلقه، ولو أننا نرجح عدم سعيه وشرهه لهذا الحق إذا كان ميسور الحال، ومن أراد أن يشفي غليله حتى بمنع أخذ الأجرة على عمله، فليتأمل حديث عبادة بن الصامت من أنه علم رجلا من أهل الصفة القرآن، فأهدى له قوسا، وأبلغ النبي صلى الله عليه وسلم بالمعاوضة، فقال له: * إن سرك أن تُطوَّق بها طوقا من نار فاقبلها *.
والقرآن في عُرفنا اليوم صار مادة دسمة لاستدرار أرزاق الناس تسولا ورقية وقراءة على القبور والأضرحة والمزارات والمشاركة في المسابقات لحصد المكافآت المملينة، إذ لا تهافت من قبل الحائمين حوله سوى على الفلس والشهادات التقديرية. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” إذا قرأتم القرآن، فاسألوا به الله، فإنه سيأتي أقوام يقرأونه يسألون به الدنيا “. ” اقرأوا القرآن ولا تأكلوا به، ولا تجفوا عنه، ولا تغلوا فيه “. ” اقرأوا القرآن من قبل أن يأتي قوم يقيمونه إقامة القدح يتعجلونه “( إما بمال أو سمعة أو نحوهما)، وهذا ما هو حاصل اليوم، ولنتذكر معا أن القارئ المرائي من بين أحد الثلاثة الذين تُسعر بهم النار والعياذ بالله. هذه واحدة، والثانية أنني ما حضرت جمعا تُلي فيه كتاب الله جميعا أو أشتاتا فرحا أو قرحا إلا ولفت نظري إلى عدم اكتراث عدد من المدعوين _ إلا من رحمه ربك _ بما يُقرأ، ذلك أنهم اعتادوا على مشاحنات، وغمز ولمز المنشغلين به، واستقر في أذهانهم ونفوسهم أنه لا ضير وبأس عليهم إن تكلموا، أو ابتسموا، أو على ارتشاف كؤوس الشاي وحلوياته تنعموا، أو في تمرير ملامس موبايلاتهم تنغموا…
فكيف بهم لا يكنون الاحترام لكلام الله الذي كانت عند سماعه تفيض الأعين من الدمع، وقد ألفوا طواقمه تقطر قلوبهم من الجشع، بحيث لا تُخفض عقيراتهم ( أصواتهم ) وترتفع إلا بقدر الدراهم وهي تتصنع، ولقد صدق القائل: ” إن هذا القرآن يعز الله به أقواما، ويذل به آخرين “، ولا تعتقدن أن الرفعة والعزة في الذين: * وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم، وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة * إنما العزة كل العزة في القناعة والتواضع، والإخلاص والتقوى والورع..، ولمن أراد الاستزادة والتنوير فليراجع كتاب” التبيان في آداب حملة القرآن ” لابن شرف الدين النووي.
وبالرغم من انتقادي لهذه الظاهرة المنتشرة بكثرة في كل البقاع وحتى على منصات التواصل الاجتماعي حصدا للايكات وتحقيقا للبوز، فأنا من المحبين لأهل القرآن، والداعمين المشجعين للمحتاجين منهم تحت قاعدة تكريمهم بالموجود طعاما غير ناظرين إناه، وأجرة متقبلة ولو كانت زهيدة دون اشتراط وتكلف تحت شعار: ” صاحب الدار ما يفرط، والمدعو ما يتشرط ” بضابط القناعة والاكتفاء الذاتي في الحين. أما فرق المداحات والمادحين الغارقين في الغلو المبين، فلا يُشكل كتاب الله عندهم إلا لقطات استرواحية لإرضاء بعض المدعوين.. ثم لا يشرذن أحدهم، فيعتبرني من المتحاملين المحرضين على عدم الاعتناء بهؤلاء ( المساكين…)، إنما أنا لهم من الناصحين، وعسى أن يفيء أهل الحق إلى الصواب، ونعمل معا على احترام الذكر الحكيم تعظيما وتلاوة وتطبيقا.




