
قضية النظافة لا يحتاج المسلم الحق والمسلمة الحقة في التذكير بها باعتبار أن ديننا الحنيف يحث عليها بدرجة منقطعة النظير، وكلنا نحفظ الأثر الدارج على الألسن: ” النظافة من الإيمان “؛ ذلك أن طهارة البدن والثياب والمكان مطلوبة شرعا، والكل يعلم أن الله تعالى يحب التوابين ويحب المتطهرين، ونبينا الكريم عليه أفضل الصلوات وأزكى التسليم أكد على ذلك في قوله: * الطُّهور شطر الإيمان *، وأمرنا بإماطة الأذى عن الطريق أيا كان هذا الأذى، واعتبره صدقة متقبلة في قوله: * إماطة الأذى عن الطريق صدقة *، وحذر من التبرز ( التغوط) في الملاعن الثلاثة في قوله: * اتقوا البِراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل *، وهي الأماكن التي يرتادها الإنسان والحيوان شربا ومرورا واستظلالا، ونهى عن التبول في الماء الراكد.. إلى غير ذلك من التوجيهات النيرة المتعلقة بالتوازنات البيئية نهيا عن السَّرف في الماء، وإن كان المتوضئ من نهر جارٍ، وذهب أبعد من ذلك حين رغب في الغرس والزرع على نطاق أوسع في قوله صلى الله عليه وسلم: * ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له بذلك صدقة *؛ وكان هذا الكرم الحاتمي معمولا به في الستينيات أيام النية والخير والخيرات…: ” لي جا ياكل ويدي معاه غر ما يهرس الشجر ويضيع الغرس “؛ وبالرغم من ذلك، فإن العديد لا يتقيد بهذه التعليمات النبوية، ويعتبرها موكلة للبلديات وعمال النظافة والحراس الأمنيين الخواص، فبدل وضع زبالته ووسخه ودرن محله في جِراب محكم ورميه في المكان المخصص له يأتي بالسطل أو الكيس أو الصندوق، ويفرغه في القمامة _ إن كان من المهتدين المهذبين، وقليل ما هم _ أو في الوادي والأزقة أو أبواب بعض الجيران وهو لهم من الظالمين، وعندما تعيب عليه فعله هذا المشين يصيح في وجهك بغضب مستطير، ودون حياء: ” ما شي شغلك. نقي غر حالتك وديها فسوق راسك “. هذا إن تلطف معك وكان متأدبا. أما إن كان متجاوزا للحد، فقد يبصق عليك أو يضربك أو… يروي لنا الناس تترا ببلدتي جنة المغرب كنموذج يُحتذى به في عهد الاستعمار الفرنسي أنه قضى على هذه الظاهرة غير الراقية بإلزام فاعلها توا بغرامة مالية قدرها ” مائة وريال ” يدفعها للصَّنَّاك، وذلك الريال الأوحد هو المشكلة في حد ذاتها، لربما قد لا يجده صاحبه في كيسه، فيتضاعف له المبلغ، وهكذا، فإن لم يوجد عنده المطلوب يتم زجه في السجن، ولم تمر أيام معدودة حتى انضبط الناس انضباطا تاما لأنه كما يقال: ” إيلا بغيت تربي شي واحد ضربو لجيبو، ومعظم البشر كيخافوا ما كيحشموا”، وفعلوا الشيء نفسه بوضع إشارة المنع للدراجات الهوائية العادية؛ فانظر حالنا الآن مع لمواطرية وضوضائهم في الأزقة الضيقة.. فوضى عارمة يساهم فيها حتى أصحاب الكراريس، والبياعة بمباركة من الشراية الذين لم تسلم حتى المساجد من أصواتهم العالية وألفاظهم النابية بعرمرم من المتسولين البارعين في السعاية بطرق ملتوية. ناهيكم عن الدجالين بائعي الأدوية الطبيعية والمغلفة بشارات إشهارية، وأغلبها مخصص للمشاكل الجنسية؛ لذا، فلا بد لنا إذاً من سَن قوانين آنية لزجر الطائفة المفسدة المعتدية، والتي بلغ بها الحد والحال إلى حرق الطارويات بعد إزالة الجرارات، وتكسير الممتلكات من كراسي استرواحية في الطرقات الرئيسية، ورفس العشب والورود المزينة للمدارات _ التي مع كامل الأسف تحتلها من حين لآخر الكلاب الضارية _ والحدائق العمومية، وحتى المكتبات الموضوعة في الصناديق المؤنسة للقارئين لم تسلم من أياديها النتنة سرقة وتمزيقا.. والكل كان يطالب المجالس الجماعية السابقة والحالية بالقيام بالمهام المنوطة بها في إيجاد الحلول المناسبة للحفاظ على جمالية ورونق المدينة دون تحميل المخربين المسؤولية البالغة في تشويهها بقطف أزهارها وأشجارها وتدنيس أماكن هدوئها بعرمرم من الشباب الطائش والحماق والشماكرية، وعديمي الضمير المنتقمين من أجسادهم هلكا للحرث والنسل؛ والحق أننا في خندق واحد نعيش معا أزمة أخلاقية متداخلة متنامية تستدعي منا التصدي لها بتكاثف جهود جميع الفعاليات المدنية التوعوية، والسلطوية الإلزامية للوقوف كرجل واحد للحد من هذه الظاهرة غير الحضارية والمقززة المنفرة للزوار والأجانب، وغير المشرفة بتاتا لمعتقداتنا الدينية. زد على ذلك تلكم الألفاظ القادوسية الكفرية العادية، والتي لم تعد آذاننا ترفضها وتمجها وتستنكرها مما يستوجب علينا طهارة أخرى لسانية قلبية، وهي ذات أهمية وأولوية، وما ينطبق على مدينتي الغالية من خروقات بشرية غير مقبولة البتة يسري كذلك على مدن أخرى، وخاصة في أحيائها وأزقتها القديمة كما تطالعنا به وسائل التواصل الاجتماعية. أما غياب المراحيض العمومية المحروسة بثمن رمزي، فتلكم معضلة أخرى تعاني منها المدن المحورية، فبالأحرى الصغرى التي امَّحت من خرائطها القديمة.. هذا؛ وقد غضضت الطرف عن آفات أخرى مجتمعية تتطلب منا الحزم والعزم والصرامة والجدية، وتطبيق القانون بالسواسية إذا كنا بالفعل نريد الحياة الطيبة الهنية، وتحريك عجلة التنمية، وجعل بلدنا المعروف عالميا في مصاف الشعوب الكبرى الحضارية، وما ذلك ببعيد عن المخلصين المحبين للوطن لا الراقصين على جراحه المتنادين بالهجرة مغامرة محفوفة المخاطر على القوارب البحرية، والمبالغين في قتامة المنظر والعدمية الموالين بالفعل لأعدائنا لأجل التشفية..




