
ذكر ابو عبدالله بن محمد عذارى الأندلسي في كتاب ” البيان المعرب عن اخبار المغرب “أن بستان المسرة الذي بظاهر جنان الصالحة انشأه عبد المؤمن بن علي كبير الموحدين، وقال: بستان طوله ثلاثه أميال، وعرضه قريب منها، فيه كل فاكهة تشتهى، وجلب إليه الماء من أغمات واستنبط له عيونا كثيرة ”
قال صاحب الاستقصا لأخبار المغرب الاقصى، الشيخ أبو العباس أحمد بن خالد الناصري:” ولشهرة هذا البستان وموقعه من الناس، لهجت به صبيانهم وسجعوا به، فيقولون: ياجردة مالحة، أين كنت سارحة، في جنان الصالحة…” وفي أسجاع غير هذه تجري على ألسنة الصبيان.
أما في الرواية الشعبية، فيقولون، أن الجنان أو البستان، صاحبته امرأة إسمها الصالحة، كان فيه من الفواكه ما يشتهي المرء، وكانت لا تمنع الناس منه، لكن الساحرة غارت من ذلك، فحاولت مرارا إفساده والقضاء عليه، لكن الله سبحانه وتعالى كان يحميه من عدوانها، فلجأت بعد فشلها إلى سرقة بنتي السيدة الصالحة، فهربت بهما إلى قرية يعيش أهلها على صيد السمك الذي كان وفيرا وسهل المنال، لكن منذ أن دخلت الساحرة القرية، قل السمك فاضطربت حياة الناس، الذين اجتمعوا، وأجمعوا على طرد المرأة الغريبة، فهربت ثم لجأت إلى قرية أخرى كانت تنعم بالحياة السعيدة، لكن مع دخول الساحرة فشى الغلاء وقلت السلع و المؤن ، وكاد الناس أن يموتوا جوعا، فاشتكوا إلى قاضي المدينة متهمين المرأة، فأمر القاضي بإحضارها والاستماع إليها قبل الحكم عليها، فحضرت الساحرة، فتكلمت ولم تبين، لكن القاضي ببداهته عرف أنها ليست أما للبنتين لكبر سنها، فاعترفت بذلك وبما فعلت، فخيرها القاضي بين ثلاثه أحكام: أن تصير جرادة، أو ضفدعة أو ذبابة، فاختارت أن تكون جرادة، ثم خرجت لا تلوي على شيء.
مر عام، فهجم الجراد على بستان الصالحة، لكن لم يستطع إفساد اية فاكهة،بحيث كلما اقترب منها وجدها مالحة، فمات الجراد جوعا وأكل الناس منه حتى شبعوا إلا الجرادة الساحرة لم يقترب منها أحد لانتقال الملوحة إلى جسمها، فاصبحت جرادة مالحة، وأصبحت حكاية ترويها الجدات للاحفاد، والاباء للأبناء، بل أصبحت انشودة يتغنى بها الجميع ونصها هو:
اجرادة مالحة
فين كنت سارحة
في جنان الصالحة
أش كليتي، أش شربتي،
غير التفاح والنفاح،
والحكمة بيدك يا القاضي، يا بومفتاح.
هكذا كانت تنشئة الأطفال والشباب، تنشئة تجمع بين الدين و الدولة، بين الثقافة والتربية، بين العمل والعمل، الشيء الذي ينمي عندهم الإحساس بالأمن والأمان،فيزدادون ثقةفي المؤسسات الادارية والتدبيرية، فعلى هذا سار الحكام والأمراء والخلفاء في الدولة الإسلامية، مهتمين بالتربية و التعليم، والدعوة والإرشاد، والمال و القضاء ، وباعداد حراس الدولة من الجيوش وأهل الأمن والسلامة ، وخير مثال نسوقه في هذا المقام قصة ” محكمة المياه بالأندلس ” .
ففي عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر ، الذي حكم الأندلس نصف قرن من 300هجرية إلى 350هحرية، وكان عمره 20 سنة، غير الأندلس من ضعف وتفكك إلى قوة ومجد وازدهار، ومن آثاره ” محكمة المياه ” بمقاطعة بلنسية، التي كانت تحت الحكم الروماني على ساحل البحر الأبيض المتوسط، والتي أصبحت أرضا خضراء، رغم قلة الأمطار، و ذلك بابداع أنظمة للري والتحكم بالمياه من خلال السواقي والسدود على نهر توريا.
محكمة المياه نوع من المحاكم المختصة في تنظيم المياه، تتألف من ثمانية أعضاء يمثلون السواقي الثمانية(قورات- مصلاتة-ترمس-مستليا- فبارة-رأس كانيا- روبية- بناشير- فيتمار) وكل ساقية لها مستفيدون هم أصحاب الأرض ينتخبون فلاحا ليكون قاضيا لمدة ثلاثة سنوات، يترأسهم الأكبر سنا ويختارون بالانتخاب رئيس المحكمة ونائبه.
تنعقد المحكمة منتصف يوم الخميس من كل أسبوع، فيقدم الشاكي بشكايته ويدافع المتهم عن نفسه ولايشترك القاضي في هذه الساقية، بل السبعة الاخرون هم الذين يحكمون.
أحكام المحكمة نافذة، وحراس السواقي هم من ينفذ الأحكام وهم بمثابة الشرطة.
قضاة المحكمة من الفلاحين يعرفون الدواخل والتفاصيل والحيل والمخادعات، وكانت المحاكمات تنظم في فناء المسجد ثم إنتقلت إلى فناء الكاتدرائيات بعد خروج المسلمين من الأندلس لكن بقي النظام الذي تركوه.
هذا سر تفوق الحضارة الإسلامية المحكومة بشريعة تقوي المجتمع وتشجع الطاقات على العطاء، ولهذا لا يكفي الوعظ والإرشاد للحفاظ على هذا المشترك العام الذي هو سر الحياة،ولا يكفي أن نتهم العامةبسوء التدبير لهذه المادة، بل يجب الضرب على يد كل من يفسد على الناس ثروتهم المائية.
فلنحافظ على الماء
ولنحافظ على الحياة.




