رأي

تناقضات المجتمع المغربي بين السلوك والتدين

بقلم كمال عصامي

جلست اليوم مع صديقي في إحدى المقاهي بالمحمدية ، حيث نحتسي قهوتنا ونتبادل أطراف الحديث. بجانبنا كان يجلس شخصان كبيران في السن، يتحدثان بصوت مرتفع وكلماتهم تصل إلينا بشكل واضح. وعلى الرغم من عدم رغبتنا في الاستماع، إلا أن حديثهما كان يفرض نفسه علينا. ما جذب انتباهي هو التناقض الواضح في حديثهما؛ فبينما كانا يتبادلان الكلام البذيء الذي يعكس نوعًا من قلة الاحترام، كانا يستمعان بين الحين والآخر إلى أغانٍ شعبية من هواتفهما المحمولة. ولم يكن ذلك كل شيء، بل كانا يتطرقان للحديث عن الدين وكأنهما فقهاء يملكون المعرفة العميقة.

جلست أراقب هذه الحالة بذهول، محاولًا أن أفهم كيف يمكن لهذين الشخصين أن يجمعا بين تلك السلوكيات المتناقضة في نفس الوقت. فكيف يمكن لشخص أن يتحدث بالكلام البذيء، ويستمع للأغاني الشعبية(الشيخات)، وفي نفس الوقت ينصب نفسه عالمًا في أمور الدين؟ هل هو تناقض في الشخصية، أم أن هناك أبعادًا أعمق لهذه الظاهرة؟

التناقض بين السلوك والتدين ليس أمرًا جديدًا في المجتمع المغربي، بل هو جزء من التعقيد الثقافي الذي يتسم به المغاربة. فبينما يعتبر الدين جزءًا أساسيًا من هوية المجتمع، نجد أن الممارسات اليومية قد لا تتطابق دائمًا مع القيم الدينية التي يعتنقها الأفراد. هذا التناقض قد يكون ناتجًا عن مزيج من العوامل الاجتماعية والثقافية، حيث يتداخل التراث الشعبي مع المعتقدات الدينية، مما يؤدي إلى ظهور سلوكيات تبدو متناقضة.

ولكن لا يجب أن نكون إمّعة في هذا السياق، بل ينبغي أن ننطلق في سلوكنا من مرجعيتنا الإسلامية التي تشكل الأساس الذي نبني عليه تصرفاتنا وأفكارنا. على المسلم أن يتوفر على رقابة ذاتية ومحاسبة لنفسه تنبع من هذه المرجعية الإسلامية. فالنفس بطبيعتها أمّارة بالسوء، لكنها تحتاج إلى أن يصحبها النفس اللوامة، التي تعيدها إلى الطريق الصحيح وتذكرها بالقيم والمبادئ التي يجب أن تتحلى بها.

بهذا الوعي الذاتي والرقابة الداخلية، يمكن للمسلم أن يتجاوز التناقضات التي يعيشها في حياته اليومية، ويكون أكثر اتساقًا مع القيم الإسلامية التي يؤمن بها. فهذا الاتساق ليس فقط واجبًا دينيًا، بل هو أيضًا وسيلة لتعزيز التماسك الاجتماعي والأخلاقي في مجتمعنا.

خالف النفس والشيطان  واعصهما

وان هما محضاك النصح فاتهم 

ولا تطع منهما خصما ولا حكما 

فانت تعرف كيد الخصم والحكم 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى