رأي

الدكتور محمد عوام يكتب :الإنصاف عزيز والغوغائيون كثر

بقلم محمد عوام

الذي أريد أن أقرره ابتداء أن العلماء المصلحين، ورثة النبي الأمين صلى الله عليه وسلم، الذين يسعون إلى إصلاح أوطانهم، وتغيير مجتمعاتهم، نحو الأفضل والأحسن، فهؤلاء دائما معرضون للطعن، والتشهير، والتشويه وغير ذلك، لأن شياطين الإنس لا تتركهم يمضون في طريقهم. فهذه سنة كونية ابتلى بها سبحانه أنبياءه وأولياءه وأصفياءه، والعلماء الربانيون من هذا القبيل. قال عز وجل: “وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يَٰرَبِّ إِنَّ قَوۡمِي ٱتَّخَذُواْ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ مَهۡجُورا ٣٠ ‌وَكَذَٰلِكَ ‌جَعَلۡنَا ‌لِكُلِّ ‌نَبِيٍّ عَدُوّا مِّنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيا وَنَصِيرا” [الفرقان: 30-31].
والذي يؤسف له، أن يكون الصف الإسلامي مما تلتبس عليه الأمور، أو تطغى على بعض أفراده العصبية المذهبية والعقدية، فيفقد لأجل ذلك الإنصاف، والوزن بالقسط، ويفقد العدل الذي أقام الله سبحانه عليه السموات والأرض، فيتبع كل ناعق ناهق، من غير أن يتحقق ويمحص، لأن الخبر أمانة، ومن الأمانة التحقق من الخبر، والتأكد منه.
ومن الأمانة أيضا الإنصاف مع المخالف، مهما كانت ديانته، أو مذهبه، أو اتجاهه الفكري، لأن الوزن بالقسط يقتضي ذلك ويوجبه، لكن مع الأسف حين يطغى التعصب، ويصاب الإنسان في بصيرته، يفقد بوصلة الإنصاف والعدل، وهذا ما جرى لبعض الناس مع ما أدلى به أستاذنا العلامة أحمد الريسوني حفظه الله من شهادته بالحق فيما قدمه الشيعة من تأييد ونصر لإخوانهم المجاهدين من أهل السنة في أرض فلسطين، تضحيات يراها القاصي والداني، فهل في هذه الشهادة الحق من إجحاف وتجن حتى ينزعج بعضهم، فيتهم الشيخ بما لم يتطرق إليه؟ أليست هذه الشهادة هي ما نلمسه في واقعنا ونرى أثره، أم على قلوب أقفالها، لا تريد الاعتراف بما قدمه الشيعة؟ ألا يرى هؤلاء الغيورون على أهل السنة أن الدول السنية لم تقدم شيئا يذكر، بل الواقع يؤكد أن ما تعانيه غززة وفلسطين، وما أصابها من ويلات مخزية، ومكائدة ماكرة، كان سببها دول “سنية”، أسأل هؤلاء المتعصبين الطائفيين من يحاصر غززة؟ من يصدر النفط والغذاء ووو للعدو أليست الدول المنتسبة جغرافيا إلى “السنة”.
ثم هل فيما ذكر الشيخ ما يفيد تأييد الشيعة فيما يعتقدون من ضلالات وأوهام وخرافات؟ ألم يتصدى الشيخ للشيعة وانتقدهم بحدة حينما أعانوا النظام الدموي لبشار؟. أنا أستغرب وأندهش من هؤلاء، من كون ذاكرتهم مثقوبة، سرعان ما تنسى ما كتبه الشيخ من مواقف. من الإنصاف والعدل أن يستحضر هؤلاء ما سبق أن تعرض له الشيخ من التصدي للشيعة، وهنا في هذه الشهادة يشهد بما يقدمونه لغزززة، وهذا قمة الإنصاف أن تذمهم على انخراطهم في حرب سوريا، وتشكرهم على ما يقدمون لغزززة. هذا هو المبدأ الإسلامي القرآني، قال تعالى: “ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بماتعملون.” ألم ينزل القرآن الكريم فاضحا بني أبيرق ومبرئا لليهودي الذي رمي بالدرع المسروق في بيته في قوله تعالى: “إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ‌ولا ‌تكن ‌للخائنين ‌خصيما.” (ينظر سبب نزولها في جل التفاسير).
فلا جرم أن ما قام به أستاذنا أحمد الريسوني هو عين الحق والصواب، ولا داعي لاتباع الغوغائيين، والذباب والباعوض الإلكتروني، وصراصير الموسااد، الذين يلبسون على الناس الحقائق، ويزورون ويحرفون، ويشوهون بكل مخلص، فعلى كل مسلم حر، فضلا عن أبناء الحركة الإسلامية أن يكونوا حذرين مما يُكاد لهم، من تمزيق صفهم، ودس المنافقين والمرتزقة بينهم، فالحرب على غزززة لا يديرها العدو عسكريا فحسب، وإنما يجند لها من جيوش الإعلام والذباب والباعوض الإلكتروني ما لا يعلمه إلا الله.
والأمة اليوم -كما كررته غير ما مرة- في حاجة ملحة إلى كل أبنائها وطوائفها لمواجهة أعدائها، الذين لا يفرقون بين طائفة دون أخرى، فالقضايا المصيرية الكبرى يجب أن تتحد فيها جهود كافة أبناء الأمة، حتى لا يصدق علينا المثل “أكلت يوم أكل الثور الأبيض” لا قدر الله.
أما أستاذنا الريسوني حفظه الله، ومتعه بالصحة والعافية، فمنذ درست عنده، وعرفته عن قرب، وصاحبته وجاورته في السكن، وسافرت معه، إلا وأجد ذلك العالم الرباني الزاهد المنصف، الذي يقول الحق ولو في أعز المقربين إليه، وينتقد محبيه، ولا يسكت عنهم، وخير مثال لذلك أنه سبق أن انتقد حماااس نفسها، وانتقد أبناء الحركة الإسلامية وأبناء حزب العدالة والتنمية، وانتقد الإخوان المسلمين، كما انتقد بشدة وحدة أنظمة عربية، وانتقد قبل كل ذلك بلده، فهو لا يداهن، ولا يفرق في قول الحق بين صديق ومخالف. ولكن الغوغائيين والطائفيين لا يعلمون.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. المنتقدون لرأيه لن يتناسوا بلاءه ضد الشيعة الذي ذكرت،و لكنه لم يدرك الأبعاد السياسية لجبهات الإسناد الشيعية التي لولاها لما فعلوا شيئا .
    و تلك الأوصاف التي سقتها للمنتقدين كالباعوض و الذباب وووو عليك الإعتدار عنها،لأن من ينتقد الريسوني فلأنه يعبد الله الذي لا يخطيء،أما الريسوني الذي جعلته في منزلة الفقيه السياسي الذي يعلم ما لا يعلمه غيره فتخصك وحدك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى