رأي

القيادة التربوية بين المتابعة والتفقد.

محمد كندولة

إن العمل التربوي عمل ضخم وكبير وضرورة لا تستغني عنها الأمة الإسلامية، ويكفي في بيان علو التربية وصف الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بأنه مزك للنفوس ومرب لها فقال تعالى:” هُوَ ٱلَّذِى بَعَثَ فِى ٱلْأُمِّيِّۦنَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍۢ”.
وهذا العمل التربوي الكبير في حاجة دائما إلى تقويم وتوجيه مستمرين حتى نتخلص من ضعف الإنتاجية في أعمالنا التربوية ،وحتى نحصل بإذن الله على الثمار اليانعة من هذه الأعمال، وحتى لا تهدر الجهود والطاقات في غير طائل، ولقد نبه إلى هذا الأمر العلماء قديما وحديثا وأكدوا على مركزية المتابعة التربوية للأفراد والجماعات عندما يكونوا تحت أنظار المربين والشيوخ ، وعلى أهمية وضرورة تفقدهم والبحث عن أحوالهم عندما يكونوا غائبين غير منظورين، وقد يكونوا بأعمال اجتماعية مشتغلين ، أو من الأمراض مشتكين أو من فاقة وحاجة معانين.
لهذا تأتي أهمية التذكير بهذين الأمرين، حتى لا تضيع الجهود والطاقات التي سنسأل عنها غذا يوم القيامة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
فمن ينظر نظرة متعمقة في واقع العمل التربوي والدعوي والتعليمي اليوم يجد أن ثمة ثغرات تتخلل هذه الأعمال الضخمة والكبيرة، مما يسبب في تأخير عجلة الصحوة الإسلامية المباركة إلى الأمام.
ومن هذه الثغرات عدم ترسيخ مفهوم المتابعة ومفهوم التفقد وتطبيقهما في الواقع لذى بعض العاملين في حقل الدعوة والعمل التربوي الطفولي والشبابي، فتسمع بضعف الإنتاجية وضعف عمل بعض المحاضن التربوية وفي هذا الصدد نذكر بما يلي:
1_ إن التربية عملية مستمرة لا يكفي فيها توجيه عابر من المربي مهما كان مخلصا ومهما كان صوابا في ذاته وإنما يحتاج إلى المتابعة والتوجيه المستمرين.
2_ إن المتلقي طفلا كان أو شابا نفس بشرية وليست آلة تضغط على أزرارها مرة ثم تتركها وتنصرف إلى غيرها ،فتظل على ما تركتها عليه، بل هي نفس بشرية دائمة التقلب متعددة المطالب منتوعة الاتجاهات، وكل تقلب وكل مطلب وكل اتجاه في حاجة إلى توجيه.
3_ إن من صفات المربي الناجح المتابعة ،والشخص الذي لا يجد في نفسه الطاقة إلى المتابعة والتفقد والتوجيه المستمر شخص لا يصلح للتربية ولو كان فيه كل جميل من الخصال.
4- يواجه الشباب المسلم في هذا الزمان تيارا من الفتن والصوارف عن دينه وعقيدته، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «بَادِرُوا بالأعمال فِتَنًا كَقِطَعِ الليل المُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرجلُ مؤمنا ويُمْسِي كافرا، ويُمْسِي مؤمنا ويُصْبِحُ كافرا، يبيعُ دينه بِعَرَضٍ من الدنيا».رواه مسلم.
5_ إننا مسؤولون عمن نربيهم يوم القيامة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيتِهِ فالأميرُ الذي على الناسِ راعٍ عليهم وهو مسؤولٌ عنهم والرجلُ راعٍ على أهلِ بيتِهِ وهو مسؤولٌ عنهم والمرأةُ راعيةٌ على بيتِ بعلها وولدِهِ وهي مسؤولةٌ عنهم وعبدُ الرجلِ راعٍ على بيتِ سيدِهِ وهو مسؤولٌ عنهُ ألا فكلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيتِهِ”
6_ إن السلف الصالح رضوان الله عليهم ،اهتموا بهذه الصفة، صفة المتابعة مع أختها صفة التفقد، بل كانوا يحثون المربين عليها يقول ابن جماعة رحمه الله:” إذا غاب بعض الطلبة أو ملازمي الحلقة على غير العادة سأل عنه شيخه ،وعن أحواله وعمن يتعلق به،فإن لم يخبر عنه بشيء أرسل إليه، أو قصد منزله بنفسه، وهو أفضل، فإن كان مريضا عاده،وإن كان في غم خفض عليه،وإن كان مسافرا تفقد أهله ومن تعلق به، وسأل عنهم، وتعرض لحوائجهم، وأوصله بما أمكن، وإن كان فيما يحتاج إليه فيه أعانه، وإن لم يكن شيء من ذلك تودد له ودعا له.”
7_ إن المتابعة التربوية من أسس الإدارة وقواعد التخطيط ومما يعين على تحسين الإنتاجية.
8_ إن التفقد صفة من صفات الأنبياء كما في قصة الهدهد ونبي الله سليمان عليه السلام، يقول الله سبحانه وتعالى:“وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ”.
وأخيرا نقول،أيها المربي الفاضل، أيتها المربية الفاضلة، أيها الأستاذ المحترم ،أيتها الأستاذة المحترمة ، اعلموا إن من وسائل نجاح التربية والتعليم والدعوة متابعة من تربونهم، فاحرصوا على متابعتهم وتفقدهم ، تابعوا مظهرهم الخارحي وسلوكهم وتعاملهم وألفاظهم، تابعوا غيابهم وتأخرهم وسبب ذلك ، تابعوا الموهوبين والمتميزين ، واسعوا في تطوير قدراتهم وملكاتهم، تابعوا وتفقدوا المقصرين واسعوا إلى إصلاحهم وتقويمهم ،تابعوا أصحاب الطاقات ووجهوهم، تابعوا وراجعوا البرامج والقرارات والمقررات، فإن الخير فيمن جمع وألف والشر فيمن فرق وأتلف.
سدد الله خطاكم، وبارك ف جهودكم، ونفع الله بكم الإسلام والمسلمين أثبتوا على الطريق فانكم على الحق وعلى الصراط المستقيم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” خير الناس أنفعهم للناس “

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى