
في خضم التحولات الاقتصادية والسياسية التي يشهدها المغرب، يبدو أن ملف خصخصة قطاع الماء والكهرباء أصبح حجر الزاوية في الجدل السياسي والاجتماعي. هذا القطاع الذي يعتبر من أهم الموارد الاستراتيجية التي تعتمد عليها الدولة لضمان رفاهية مواطنيها، يجد نفسه الآن تحت تهديد الانتقال إلى أيدي شركات جهوية خاصة، وهو ما يثير موجة من التساؤلات حول الغايات الحقيقية وراء هذا القرار وأثره على السيادة الوطنية والمصلحة العامة.
الحديث عن الخصخصة لا يقتصر على تحويل الخدمات العامة إلى القطاع الخاص، بل يتضمن بنودًا وصفها كثيرون بالخطيرة، وعلى رأسها السماح للشركات الجهوية بالاستحواذ على نسبة تصل إلى 90% من رأس مال القطاع، مع إمكانية إبرام العقود باتفاق مباشر ودون إجراء أي مناقصة تنافسية. أكثر من ذلك، فإن هذه العقود ستكون محددة المدة، لكنها قابلة للتجديد، مما يعني أن التحكم في هذا القطاع الحيوي قد يصبح طويل الأمد وربما دائمًا إذا ما تم تجديد العقود بشكل متكرر.
البعد السياسي للصفقة
لا يمكن النظر إلى هذه الخطوة دون أخذ البعد السياسي في الاعتبار. فقد ترددت أنباء تشير إلى أن رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، هو من دفع نحو تمرير بند الاتفاق المباشر، وهو ما فتح الباب أمام اتهامات بمحاباة الشركات الخاصة والمستثمرين الكبار على حساب مصلحة المواطن. هذه الاتهامات تعيد إلى الأذهان الحديث عن “تضارب المصالح”، خاصة وأن رئيس الحكومة نفسه رجل أعمال معروف في مجال النفط والغاز، مما يطرح تساؤلات حول مدى تأثير هذه الصفقة على خريطة السلطة الاقتصادية والسياسية في البلاد.
من جهة أخرى، يثير هذا الملف تساؤلات حول مدى استقلالية الحكومة في اتخاذ قرارات تتعلق بموارد حيوية مثل الماء والكهرباء. هل تستطيع الحكومة فعلاً اتخاذ هذه القرارات بمعزل عن الضغوط السياسية والاقتصادية التي قد يمارسها بعض رجال الأعمال النافذين؟ أم أننا أمام حالة من “الهيمنة المتبادلة” بين السياسة والاقتصاد، حيث تتداخل المصالح الشخصية مع القرارات الوطنية؟
انعكاسات اقتصادية واجتماعية
الخصخصة ليست بالضرورة أمرًا سلبيًا، خاصة إذا تمت وفق معايير شفافة وضمانات تحمي حقوق المواطنين. ومع ذلك، فإن التجارب السابقة في خصخصة قطاعات حيوية في المغرب، مثل قطاع الاتصالات، أثارت مخاوف من ارتفاع الأسعار وتدهور جودة الخدمات، مما أثر سلبًا على القدرة الشرائية للمواطنين. في حالة خصخصة الماء والكهرباء، هذه المخاوف تصبح أكثر حدة، خاصة وأن هذه الخدمات لا يمكن الاستغناء عنها أو تقنين استهلاكها بالشكل الذي قد يتم التعامل به مع خدمات أخرى.
علاوة على ذلك، هناك تساؤلات حول قدرة الدولة على فرض رقابة صارمة على الشركات الخاصة التي ستستحوذ على القطاع. هل ستكون الحكومة قادرة على تحديد تسعيرة معقولة للخدمات؟ أم أن المواطن سيجد نفسه في مواجهة فواتير متصاعدة تعكس رغبة الشركات في تحقيق أرباح ضخمة دون مراعاة الوضع الاقتصادي الهش للكثير من الأسر المغربية؟
إن تحميل القطاع الخاص مسؤولية تسيير الموارد الحيوية كالماء والكهرباء يحمل في طياته مخاطر تهدد الأمن الاقتصادي والاجتماعي. إذ أن أية إخفاقات في إدارة هذا القطاع ستكون لها انعكاسات كارثية على الاستقرار العام، وقد تؤدي إلى موجات من الاحتجاجات الشعبية.
خطر التفريط في السيادة الوطنية
أحد أكبر المخاوف المرتبطة بخصخصة قطاعات حيوية هو فقدان الدولة لسيطرتها على مواردها الاستراتيجية. فعندما تستحوذ الشركات الخاصة، سواء كانت محلية أو دولية، على إدارة هذه الموارد، تصبح الدولة في وضعية ضعف أمام مصالح المستثمرين، الذين قد يفضلون تحقيق الأرباح على حساب المصلحة العامة. في هذا السياق، يتساءل العديد من المراقبين: هل يستطيع المغرب، في ظل هذه الخصخصة، الحفاظ على سيادته المائية والطاقية؟
عندما تتخلى الدولة عن السيطرة على مواردها، تفقد جزءًا من قدرتها على تحديد مستقبلها الاقتصادي والاجتماعي. وقد يؤدي هذا الوضع إلى تزايد نفوذ الشركات الخاصة في صنع القرار السياسي، خاصة إذا ما تم إبرام هذه العقود بعيدًا عن أعين البرلمان والمجتمع المدني، ودون خضوعها لأي رقابة شعبية.
البدائل الممكنة
إذا كانت الحكومة ترى أن الخصخصة هي الحل الوحيد لتحسين قطاع الماء والكهرباء، فإن هناك حاجة ماسة لإعادة النظر في الطريقة التي يتم بها تنفيذ هذا القرار. من الضروري أن تكون هناك شفافية مطلقة في كل مراحل التعاقد، بدءًا من فتح المنافسة أمام جميع الشركات، سواء المحلية أو الدولية، وصولًا إلى وضع آليات رقابية صارمة لضمان أن هذه الشركات تلتزم بتقديم خدمات عالية الجودة بأسعار معقولة.
كما ينبغي على الحكومة أن تأخذ في الاعتبار أن تحسين الخدمات لا يعني بالضرورة اللجوء إلى الخصخصة. يمكن للدولة أن تستثمر في تطوير شركاتها الوطنية، وتحديث البنية التحتية، وتدريب الكفاءات المحلية لتسيير هذه القطاعات بفعالية وكفاءة. هذا النهج قد يساهم في خلق فرص عمل جديدة، وتحسين الخدمات دون أن تفقد الدولة سيطرتها على مواردها.
إن قضية خصخصة قطاع الماء والكهرباء ليست مجرد ملف اقتصادي بحت، بل هي اختبار حقيقي لقدرة الدولة المغربية على حماية سيادتها ومصلحة مواطنيها. فهل ستكون الحكومة قادرة على تحقيق التوازن بين تحسين الخدمات وضمان عدم استغلال المواطنين؟ أم أننا أمام مشهد آخر من “السيطرة الرأسمالية” على الموارد الوطنية؟




