
كنتُ قد كتبت قبل أربع سنوات كتابا بعنوان “الاستعمار الجديد: جذوره التاريخية وتجلياته المعاصرة” (2019)، وقد شرحت فيه بنوع من التفصيل مختلف وجهات النظر التي ناقشت الموضوع، كما سلطت الضوء على بعض تمظهراته وتجلياته على مستوى الاقتصاد والتراب واللسان والمسألتين الدينية الثقافية. إلا أن النقطة التي كانت تحتاج إلى مزيد تفصيل في هذا الكتاب، رغم الإشارة إليها في بعض فقراته، هي “التمييز بين الاستراتيجي والتكتيكي” في موضوع الاستعمار.
تلك هي القضية حيث تصبح الحاجة إلى الوعي الجدلي أكثر إلحاحا، لأن كثيرا من مساحات الاستقلال الدائم لا تتحقق إلا باستعمار مؤقت، كما أن كثيرا من مساحات الاستعمار تتسع أو تتمدد نتيجة رغبة جامحة في تحقيق استقلال عاجل. وقائع وشواهد كثيرة على هذه المفارقة في التاريخ، إلا أن التقاطها يستعصي على العقل الإيديولوجي فينزع دائما إلى استعجال ثمار النضال السياسي دون اعتبار لشروطه القابلة أو الرافضة. ونتيجة لذلك تختلف وجهات النظر بين الدولة وفئات من المجتمع، فيحل التناقض الثانوي محل التناقض الرئيس في حيز الممارسة.
الذين يرفضون هذا المنطق في النظر عليهم أن يجيبوا على عدة أسئلة من واقعنا السياسي المعاصر: لماذا بقيت الصين حبيسة تنمية اقتصادها طيلة سبعة عقود قبل أن تبادر للبحث عن وجود جيوسياسي في الشرق الأوسط؟! ولماذا انتظرت روسيا 17 سنة لتعلن بداية عالم جديد في 2007 (خطاب بوتين في قمة ميونخ)؟! ولماذا سيطرت السعودية على “أرامكو” بتدرج لا مرة واحدة؟! ولماذا انتظرت ألمانيا عقودا قبل أن تطالب بتوسيع حصتها من التسلح تزامنا مع الحرب الروسية الأوكرانية؟! وغيرها من الأسئلة التي تبقي على الاستقلال كمطلب مبدئي دون نفي للتكتيكات والمناورات المؤدية إليه كاستراتيجية.
دعونا الآن نُعرّف “الاستعمار الجديد”، هذا المفهوم الذي صار البعض يلصقه بظواهر لا علاقة له بها، وربما هي من صميم الطريق إلى التحرر منه. هذا النمط من الاستعمار ليس وليد اليوم، وإنما هو وليد مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية حيث انتقل الاستعمار من شكله القديم العسكري والمباشر إلى شكله الجديد الاقتصادي والسياسي والثقافي غير المباشر. هذا النوع من الاستعمار أصبح عولمة لم تسلم منها دول المركز الرأسمالي نفسها، لأنها أصبحت تشكل داخل نفس المركز أطرافا ل”مركز المركز”. ولم تسلم منها فيما بعد دول كبرى كروسيا بترسانتها العسكرية النووية، والصين بنفوذها الاقتصادي الكبير.
في مرحلة الثنائية القطبية، بقيت الإمبريالية الغربية الجديدة حبيسة الحرب الباردة إلى غاية سقوط الاتحاد السوفييتي، حيث ستظهر موجة جديدة من الاستعمار الجديد تقودها الإمبريالية وتفرضها على دول العالم بأسره، وحسب قدرة كل منها على التعامل مع هذا النمط من الاستعمار الجديد الأحادي والنيوليبرالي والعولمي. إنه “تقسيم دولي للعمل” فرضته الرأسمالية السائدة بالسياسة المناسبة في كل دولة أو منطقة جيوسياسية. فرضته في الوطن العربي بتعزيز وجود الكيان الصهيوني في فلسطين ومحيطها، واحتلال العراق (2003)، وإشعال مشاكل الحدود والتراب والأقاليم، وتوفير شروط “الإرهاب المتأسلم”، ودعم “الثورات الملونة” في 2011… الخ.
هذا هو الاستعمار الجديد الذي يجب الانتباه إليه جيدا؛ أما إرباك تكتيكات الدول بذريعة مواجهة الاستعمار فقد يتحول إلى استعمار فعلي يوفر بيئة حاضنة للابتزاز الأجنبي. وهنا تطرَح إشكالية: على أي أساس يتأسس النضال السياسي والاجتماعي والثقافي الوطني؟ إن ممارسته واجبة ومطلوبة في حدود يجب أن تخضع ل”تحليل ملموس”، فيعرف المناضل الحد الموضوعي لممارسته العملية، أي يعرف متى يكون على النقيض من الإمبريالية ومتى يكون جزءا من استراتيجيتها، متى يدافع عن الشعب ومتى يدافع عن مصالح الاستعمار. فكثيرة هي الخطابات الحقوقية والسياسية والأممية التي تخفي تحتها استهدافا أجنبيا لا يعيه أصحابها غالبا. هناك إيديولوجيات موزعة هنا وهناك تمارس خطابا لا يرتهن لهذه الحدود، إلا أن عملها لا يخرج عن نطاقها (ذات الحدود)، بل إن خطابها قد يلعب في مؤداه العملي أدوارا تاريخية ضد الاستعمار. وهذا أسلوب معروف ومجرّب، ويسمى ب”السياسة الأستباقية” أو ضرب الاستعمار بخطابه.




