
بم يفضل أحد على أحد؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دعنا من كلام العامة في موضوع مقتل حسن نصر الله، أشهيد أم غير شهيد؟ فإنهم في اختياراتهم وانتصاراتهم لما يختارونه مقلدة لمن يثقون في علمه، ويأخذون عنه دينهم. ولكن عندما يكون أهل العلم مختلفين في الحكم، فبم يفضل أحدهم على أحد حتى لا نسمع الترجيح إلا لماما، ويصطك سمعنا الشتيمة والنقيصة واتهام الآخرين وادعاء امتلاك الحقيقة عملا نراه من تصرفاتهم؟
وقد ذهب قوم إلى أن يطلبوا من المختلفين معهم أن يسكتوا، ولو سكتوا لسكت القوم.
ولست أقصد بكلمتي هذه هؤلاء أو أولئك، بل أقصد كل من اختار اختيارا ولم يقنع بترجيحه، ولم يقف عنده، ولم ينشغل بواجب الوقت من صرف الجهود كاملة غير منقوصة ومتحدة ضد الصهيونة واليهودية الغاصبة للأوطان، المعتدية على الناس والحجر والأشجار. واختارت في حديثها الاستطالة بحديد لسانها ضد المخالف لها!!!
الاجتهاد لا ينقض بمثله:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولوجود هذه المباءة التي تختلط فيها الأهواء بالآراء، والتي ابتليت بها أمتنا باكرا، فقد نهض الناصحون من أهل العلم يضعون قواعد الاجتهاد التي يجب احترامها والإذعان لها، حتى وإن لم يكن الفرعي الفقهي الصادر عنها على وفق ما تختاره وتهواه.
ومن هذه القواعد العظيمة في هذا الباب: الاجتهاد لا ينقض بمثله.
وهي وإن كانت قاعدة في الفقه، ولكنها قاعدة أيضا في أدب الخلاف، وأن على المسلم أن يوفر جهد نفسه في باب إقناع المخالفين له، وأن لا يسعى أن ينقض اجتهاد الآخرين، فإنه مهما بذل من الوسع، فإنما هو وسع اجتهادي منه، والناس في الاجتهاد سواسية.
مضاء الاختلاف:
ــــــــــــــــــــــــــــ
وإني لأجد رهطا من المتحدثين لا يكون منهم مضاء إلا في المختلف فيه بين أهل العلم والناس. وتجدهم حاضرين وبقوة وشراسة غداة رمضان، ينتصرون لاتحاد الرؤية أو عكسها، كما تجدهم في ليلة القدر ينتصرون لترجيح زمنها، وتجدهم في نهاية الشهر مع زكاة الفطر قيمة أو طعاما، وتجدهم في ربيع الأول مع الاحتفال به أو تبديع المحتفلين…وهكذا في كل موسم تجدهم أحلاس الخلاف، لا يتكلمون بإظهار ما عندهم برفق، ولكنهم يتحدثون بوثوقية بالغة، وبالإجهاز على المخالفين والإنكار عليهم بكل قوة وصلافة.
الشيخ عبد الباري الزمزمي:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا زلت أذكر معركة الشهيد التي أثارها ذات يوم على صفحات جريدة التجديد، وقد سلب استحقاق هذا الوسام أحد أعمدة اليسار. فانطلق القول وتشعب بين الخاصة والعامة حول مقالته، ولم يحسم بئر الجدل بين أهله، فضلا عن البعداء عنه. وكان يكفي اللبيب أن يختار اختيارا ويذيعه ثم يتوقف لا يجادل عنه كما قال الإمام مالك ذات زمان.
الرئيس صدام حسين:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولما أعدم في ذلك اليوم المشهود، تجددت المعركة في القول في مقتله، أهو شهيد أم غير شهيد؟ ولم تكن معركة الشهادة بين أهل السنة والشيعة الذين أعملوا السيف في عنقه، بل بين أهل السنة أنفسهم. واستخرج كل واحد ما عنده من تاريخ الرجل أو خاتمته، ولم تسفر المعركة بعد جعجعتها عن شيء نتفق عليه.
وهكذا في كل مرة نجد أنفسنا قد اخترنا بغير وعي أن نكون قضاة لا دعاة، ونحن متفقون جميعا أن رب العزة العدل الحكيم العليم الخبير الذي لا تخفى عنه خافية، لا يصدر حكمه على كائن من الناس بناء على لغطنا، أصبنا في القول أم أسأنا فيه.
شيرين أبو عاقلة:
ــــــــــــــــــــــــــ
ويتجدد النزاع حول مصطلح الشهيد والشهادة بعد مقتل الصحفية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة، التي اغتالتها يد الغدر اليهودية وهي تغطي أحداث الظلم التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني. وتطاير شرر الخلاف الذي غطى عن فداحة الجرم. وعوض أن نسكت عن موضوع لا مصلحة من ورائه ترتجى، لنركز على فظاعة الجريمة، ونكبر صورة إجرام عصابة اليهود، حتى لا تذهب دماء الناس المحرمة هدرا. فقد تركنا ذلك كله، لنعود إلى استبشاع وصف السيدة بأنها شهيدة، أو الانتصار لمظلمتها. ونجعل القضية الأم في سراديب الاستخفاف.
الجعد بن درهم: شهيدا؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وتحدث بعض أهل العلم عن الجعد بن درهم وما تعرض من القتل صبرا، عندما نحره الوالي خالد بن عبد الله القسري أمير العراق، حيث خطب في الناس يوم الأضحى وقال في خطبته: أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم… ثم نزل فذبحه”.
وتساءل هؤلاء العلماء عن نحر الرجل، هل كان بسبب أفكاره في العقيدة؟ أم على مواقفه من الحكم ومن نظام الحكم؟
والمهم، أنهم أكدوا أن القتل مورس ببلطجة، فلم تعقد له محاكمة عادلة، ولم يصدر في حقه حكم قضائي بذلك، ولكن واليا رأى أن الرجل أزعجه فنحره. فهل الإسلام في باب القضاء والحكومات يمارس بهذه الطريقة؟؟؟
ولقد برأه غير واحد من تهمة القتل التي أشاعها المخالفون السياسيون له لطمأنة الجمهور على صحة مقتله، ومن هؤلاء محدث الديار الشامية في كتابه:” تاريخ الجهمية والمعتزلة”.
وخالد القسري هذا، هو الذي قبض على سعيد بن جبير وأرسله إلى الحجاج، وكان يرمى بالزندقة. ثم سجنه يوسف الثقفي وعذبه بالحيرة ثم قتله… وقد تناسى الناس ذلك كله، فلم يتحدثوا عن الظلم الذي تعرض له بحيث لم توفر له المحاكمة العادلة بمسطرتها الشرعية، وشرعوا في الحديث عن استحقاقه الشهادة من عدمها، وأتلفوا العدل الذي قامت السماوات والأرض عليه.
أيهما أفضل؟
ــــــــــــــــــــ
إذا سحبت الإيمان من رجل وهو مؤمن، أو نزعت الشهادة عنه وهو مستحق لها. وإذا اعطيت ذلك كله له وهو لا يستحق فأيهما أحسن في الديانة: أن تخطئ في الإعطاء أو تخطىء في السحب؟
الكلام بمآلاته:
ـــــــــــــــــــــ
وإذا كان الحديث في موضوع سيثير الثائرة، ويضيع المصلحة، فمن المعيب أن يختار الانسان اختيارا في أوقات الشدة يكون له ما بعده من وخيم العاقبة. وإلى ان تضع الحرب أوزارها، فليتجرد الناس للتحقيق من غير تعصب. وأما الآن، فالتحقيق هو صب للزيت على نار الأهواء والأحقاد.




