
أول ما بلغ إلى سمعي استشهاد القائد المجاهد يحيى السنوار رحمه الله، برزت أمامي هذه الآية..كما أنني أذكر أنه قبل سماعي لخبر استشهاد الشيخ أحمد ياسين رحمه الله كنت أقرأ وردي فبلغت هذه الآية، فتوقفت لأستمع إلى المذياع فإذا بخبر استشهاد الإمام أحمد ياسين رحمه الله..
السنوار رحمه الله عاش أغلب عمره بين مجاهد وأسير ومطارد من طرف قتلة الأنبياء، أصل الشر والخبث والفساد في العالم قديما وحديثا، طينة العهر والخنز والفسق..الذين لا يرجى منهم خير البتة( والله أعلم بأعدائكم، وكفى بالله وليا، وكفى بالله نصيرا. من الذين هادوا) (و يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس) لأنهم لا يطعمون ولا يستقون ولا يغتذون إلا من وفي مستنقعات العفن والحقد والكراهية والعنصرية والانتقام والغدر والمكر والكذب والخداع..
فمن عادوه وقتلوه كان له ذلك العداء والقتل شهادة شرف للاصطفاف والالتحاق بزمرة الأنبياء إذ صفتهم وبصمتهم قتل الأنبياء والصالحين على مر التاريخ..
فقد ختمت السيرة الذاتية للس_نوار أن قاتله بالمباشرة هم قتلة الأنبياء والصالحين..
فقد عاش رحمه الله طيلة حياته عاملا مجاهدا في صمت بعيدا عن الأضواء..حتى أدركته الأضواء وكشفته لنا، متقدما مقداما مجاهدا..
السنوار رحمه الله جاهد بما أوتي، قد أفهم وأستوعب قتاله في الميدان وفي ميادين الحرية، ولكن أن تحمل روح هذا القتال في أقبية السجون وزنازينه حيث يرجو المسجون كل ما يمكن ان يعيد إليه حريته..أن تحمل رسالتك وتنسى سبل حريتك، فتقاوم من داخل السجن، بطرق أخرى توهم العدو وتمكر به وتناور وتتعلم لغته، حتى تلبس عليه فيظن أنك قد صرت في صفه، وبمجرد أن تخرج في صفقة تبادل الأسرى، تذيقه سوء العذاب والشنار والدمار.. وتتحداه وتشحد همة المجاهدين بمواقف الثبات والإباء..هذا لا يتقنه إلا السنوار وأمثاله من الصديقين..
السنوار رحمه الله استشهد في الميدان مواجها مجابها أبيا ثابتا، وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة المقاومة، استشهد بين جنوده، بين تلاميذه، بين أفراد شعبه، ناله ما نالهم وينالهم، عاش القصف والحصار والسجن والفقد والدمار والإرهاب، وختم له بالشهادة التي كان يرجو السنوار بها ختام المشوار..ففي هذا صفعة وأي صفعة لقاتله أستذكر بها قصة الغلام، ( بسم الله رب الغلام )..
السنوار رحمه الله سيظل حيا، والحياة الواردة في الآية، هي أوسع من الحياة الآخرة، فالذي قتل في سبيل الله يظل حيا في الدنيا، تستمر حياته الحقيقية النيرة الطاهرة التي تتروح بتلك الدماء الزكية الصادقة، فيبقى الشهيد حيا لأنه صدق ما عاهد الله عليه، تبقى سيرته حية لأنه سار على ما أراد الله وختم بما أراد الله، يبقى اسمه حيا لأنه سطر بمداد الصدق وحبر اليقين، تبقى أنفاسه حية يتنفس بها من كان معه على الدرب، فيزيد تقدما وثقة في صدق تلك الطريق، وتلك الأنفاس التي بذلت في سبيلها..
فهذه الحياة هي حياة دنيوية قبل الحياة الأخروية لذلك جاء في الآية الأخرى (ولكن لا تشعرون) أي لا تشعرون بحياتهم، فهي حياة فوق مجسات الشعور والإحساس، هي حياة الروح والذكر والفكر والدفع إلى استمرار المشوار بعد بلاء السنوار..
لذلك جاءت هذه الحياة الخاصة بعد إضراب عن الموت ( بل أحياء ) فهي حياة مستمرة سرمدية لا موت فيها ولا بعدها..
ثم جاءت (عند ربهم) فهم أحياء عند ربهم أي بالمنطق الرباني هم أحياء، لأنهم قدموا أرواحهم رخيصة في سبيل الله، فخصهم الله تعالى بحياة قد لا تفهمها العقول البشرية، وقد لا تشعر بها النفوس، ولكنها حياة عند ربها، وعند ربهم يرزقون، رزقا خاصا تتويجا لذلك الجهد والجهاد والاجتهاد الذي قضوا فيه وبه حياتهم الدنيوية..
فهنيئا لهؤلاء تلك الحياة وتلك الخاتمة، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء..
وتبا المتخاذلين… وسحقا للمطبعين المتآمرين…
لقد فاز السنوار وخسرتم وخسئتم..
سفيان أبوزيد




