
سؤال الشهيد والشهادة في سبيل الله؛ من أهم ما أثير عبر وسائل التواصل الاجتماعي هذه الأيام. فمن هو الشهيد حقا ومن ذا الذي يستحق صفة الشهادة؟ وهل يجوز أن تطلق هذه الصفة على شخص ما بعينه أو لا يجوز؟ ذلك ما نقاربه بالتأصيل مفصلا فيها يلي:
فنقول: الشهيد والشهادة مصطلحان شرعيان، وردا في القرآن وصحيح السنن، وليس لأحد الحق في تحديد المراد بهما غير الله في كتابه العزيز. أو رسوله محمد عليه الصلاة والسلام فيما صح عنه.
وقل مثل ذلك عن جواز أو منع إطلاق صفة الشهادة على الشخص المعين، فالفصل فيه أيضا؛ ما قرره الشارع الحكيم لا غير. وفيما يلي جواب هذين السؤالين.
فأما السؤال الأول؛ فجوابه: إذا استقرئنا ما جاء في الكتاب والسنة؛ تبين لنا؛ أن الشهداء؛ هم المؤمنون الذين قتلوا في ساحة المعركة جهادا في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا. فهذا هو الأصل في الشهادة في سبيل الله بمعناها الشرعي.
وتطلق الشهادة في معهود الشرع أيضا على العالم المسلم الذي قام بواجبه في وجه سلطان ظالم؛ فأمره بمعروف، ونهاه عن منكر فقتله، فهو شهيد كلمة حق في سبيل الله.
وتطلق أيضا في حق من تعرض له غيره؛ ليقتله أو ليأخذ ماله ظلما، أو لينتهك عرضه؛ فدافع عن نفسه فقتل. فهو شهيد مظلمته. لأن ” مَنْ قُتِلَ دُونَ مَظْلَمَتِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ.” كما في مسند الإمام أحمد. 4 / 496.
وتطلق على من مات مَطْعُونا، أو مَبْطُونا، أو غَرِقا، أو بهَدْم. وغيرهم ممن قتل في أي حادث من الحوادث. تفضلا من الله عليهم لشدة ما أصابهم. فكل هؤلاء شهداء، ما داموا مسلمين.
ودليل الشهادة في سبيل الله؛ ما جاء في كتاب الله: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ.﴾ [آل عمران: 140] (ومن يطع الله والرسول؛ فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.) النساء: 69. (وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ.) الحديد: 19
وكذلك؛ ما ورد في صحيح السنة؛ كما في الأحاديث التالية:
1- عنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» صحيح البخاري. 3 / 136. بَابُ مَنْ قَاتَلَ دُونَ مَالِهِ.
2- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: الْمَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ، وَالْغَرِقُ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.” صحيح مسلم. 6 / 51. بَابُ بَيَانِ الشُّهَدَاءِ.
قال النووي:” فَأَمَّا الْمَطْعُونُ؛ فَهُوَ الَّذِي يَمُوتُ فِي الطَّاعُونِ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ.
وَأَمَّا الْمَبْطُونُ؛ فَهُوَ صَاحِبُ دَاءِ الْبَطْنِ وَهُوَ الْإِسْهَالُ. قَالَ الْقَاضِي وَقِيلَ هُوَ الَّذِي بِهِ الِاسْتِسْقَاءُ وَانْتِفَاخُ البطن. والمبطون هُوَ الَّذِي تَشْتَكِي بَطْنُهُ وَقِيلَ هُوَ الَّذِي يَمُوتُ بِدَاءِ بَطْنِهِ مُطْلَقًا.
وَأَمَّا الْغَرِقُ؛ فَهُوَ الَّذِي يَمُوتُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ.
وَصَاحِبُ الْهَدْمِ؛ من يموت تحت الأنقاض.
وصاحب ذَاتِ الْجَنْبِ مَعْرُوفٌ. وَهِيَ قُرْحَةٌ تَكُونُ فِي الْجَنْبِ بَاطِنًا.
وَالْحَرِيقُ؛ الَّذِي يَمُوتُ بِحَرِيقِ النَّارِ.
وَأَمَّا الْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ؛ فَهي التي تَمُوتُ حَامِلًا جَامِعَةً وَلَدَهَا فِي بَطْنِهَا.
وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ. فَمَعْنَاهُ: بِأَيِّ صِفَةٍ مَاتَ.
قَالَ النووي فيما حكاه عن الْعُلَمَاءُ:” وَإِنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ الْمَوْتَاتُ شَهَادَةً بِتَفَضُّلِ اللَّهِ تَعَالَى بِسَبَبِ شِدَّتِهَا وَكَثْرَةِ أَلَمِهَا …
والْمُرَادُ بِشَهَادَةِ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ غَيْرِ الْمَقْتُولِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ أَنَّهُمْ يَكُونُ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ ثَوَابُ الشُّهَدَاءِ، وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَيُغَسَّلُونَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ …
وَأَنَّ الشُّهَدَاءَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ شَهِيدٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَهُوَ الْمَقْتُولُ فِي حَرْبِ الْكُفَّارِ وَشَهِيدٌ فِي الْآخِرَةِ دُونَ أَحْكَامِ الدُّنْيَا وَهُمْ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورُونَ هُنَا وَشَهِيدٌ فِي الدُّنْيَا دُونَ الْآخِرَةِ وَهُوَ مَنْ غَلَّ فِي الْغَنِيمَةِ أَوْ قُتِلَ مُدْبِرًا. “صحيح مسلم: بشرح النووي. 13 / 63
3- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” مَا تَعُدُّونَ الشَّهِيدَ فِيكُمْ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، قَالَ: إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذًا لَقَلِيلٌ، قَالُوا: فَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي الطَّاعُونِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي الْبَطْنِ فَهُوَ شَهِيدٌ، قَالَ ابْنُ مِقْسَمٍ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِيكَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ: وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ.” صحيح مسلم. 6 / 51. بَابُ بَيَانِ الشُّهَدَاءِ.
4- وعن سعيد بن زيد قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “من قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون أهله فهو شهيد، ومن قُتل دون دينه فهو شهيد، ومن قُتل دون دمه فهو شهيد”. مسند أحمد. 2 / 289.
5- عن ابن عباس عن النبي – صلى الله عليه وسلم -: “من قتل دون مَظْلَمته فهو شهيد”. مسند أحمد. 3 / 235.
6- عَنْ عَمْرِو بْنِ حَفْصٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا تَعُدُّونَ الشَّهِيدَ فِيكُمْ؟» قَالُوا: مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ قَالَ: «إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذًا لَقَلِيلُ، مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَالْمَطْعُونُ شَهِيدٌ، وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ وَالْغَرِقُ شَهِيدٌ، وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدٌ» يعني الحامِل. المصنف لعبد الرزاق.5 / 271. بَابُ الشَّهِيدِ.
7- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “مَنْ قَاتَلَ دُونَ نَفْسِهِ حَتَّى يُقْتَلَ، فَهُوَ شَهِيدٌ. وَمَنْ قَاتَلَ دُونَ أَهْلِهِ. حَتَّى يُقْتَلَ. فَهُوَ شَهِيدٌ. وَمَنْ قُتِلَ فِي حُبِّ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ.” المصنف لعبد الرزاق. بَابُ الشَّهِيدِ. 10 / 116.
8- عن أَبي مَالِكٍ الأَشْعَرِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلى الله عَلَيهِ وَسَلمَ يَقُولُ: “مَنْ فَصَلَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَمَاتَ، أَوْ قُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ، أَوْ وَقَصَهُ فَرَسُهُ، أَوْ بَعِيرُهُ، أَوْ لَدَغَتْهُ هَامَّةٌ، أَوْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ، أَوْ بِأَيِّ حَتْفٍ شَاءَ اللَّهُ، فَإِنَّهُ شَهِيدٌ، وَإِنَّ لَهُ الْجَنَّةَ.” سنن أبي داوود. بَابٌ فِيمَنْ مَاتَ غَازِيًا. 3 / 211.
9- عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ” سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه
فقتله “.المستدرك على الصحيحين. للحاكم. 5 / 447. – سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها. لمحمد ناصر الدين الألباني. 1 / 716.
10- جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ:” الرَّجُلُ يُقَاتِلُ حَمِيَّةً، وَيُقَاتِلُ شَجَاعَةً، وَيُقَاتِلُ رِيَاءً، فَأَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ: مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ.” صحيح البخاري. بَابُ: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المُرْسَلِينَ}. 9 / 166.
وأما جواب السؤال الثاني؛ ففي صحيح البخاري؛ باب: لا يقول فلان شهيد، لقول النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ.” صحيح البخاري. 4 / 37.
قال الحافظ ابن حجر:” أي على سبيل القطع بذلك إلا إن كان بالوحي، وكأنه أشار إلى حديث عمر أنه خطب فقال: تقولون في مغازيكم: فلان شهيد، ومات فلان شهيداً. ولعله قد يكون قد أوقر راحلته. ألا لا تقولوا ذلكم. ولكن قولوا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مات في سبيل الله أو قتل فهو شهيد … وعلى هذا فالمراد النهي عن تعيين وصف واحد بعينه بأنه شهيد، بل يجوز أن يقال ذلك على طريق الإجمال…
وقَوْلُهُ:” وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ” أَيْ فَلَا يَعْلَمُ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ أَعْلَمَهُ اللَّهُ. فَلَا يَنْبَغِي إِطْلَاقُ كَوْنِ كُلِّ مَقْتُولٍ فِي الْجِهَادِ أَنَّهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.” فتح الباري، لابن حجر العسقلاني. 6 / 90.
ومعنى أوقر دابته؛ أي: جعَل في رَحْلِه ومَتاعِه الَّذي تَحمِلُه دابَّتُه، “ذَهبًا أو وَرِقًا”، أي: مالًا، “يَطلُبُ التِّجارةَ”، أي: إنَّه لَمَّا مات أو قُتل، لم يَكُنْ خارِجًا لطَلبِ الجهادِ في سبيلِ اللهِ عزَّ وجلَّ، فلا يَحِقُّ أن يُخبَرَ عنه بعَينِه بأنَّه شَهيدٌ.
والحديث فيه دليل على جواز إطلاق لفظ الشهادة لا على سبيل القطع، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمنع الصحابة من ذلك؛ إذ كانوا يقولون: فلان شهيد وفلان شهيد، كما في لفظ مسلم عن عُمَر بْن الْخَطَّابِ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ، أَقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ صَحَابَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ، فُلَانٌ شَهِيدٌ، حَتَّى مَرُّوا عَلَى رَجُلٍ، فَقَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “كَلَّا، إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ فِي بُرْدَةٍ غَلَّهَا – أَوْ عَبَاءَةٍ -” صحيح مسلم. 1 / 107. بَابُ غِلَظِ تَحْرِيمِ الْغُلُولِ، وَأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ. فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم إطلاق لفظ الشهادة على الغال لملابسة خاصة به.
فعنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ فَاقْتَتَلُوا فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عَسْكَرِهِ وَمَالَ الْآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ لَا يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً وَلَا فَاذَّةً إِلَّا اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ. فَقَالَ مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلَانٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: أَنَا صَاحِبُهُ. قَالَ: فَخَرَجَ مَعَهُ كُلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ. وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ. قَالَ: فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا؛ فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ؛ فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالْأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ. فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفًا؛ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؛ فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ. فَقُلْتُ: أَنَا لَكُمْ بِهِ. فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ، ثُمَّ جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ فِي الْأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ” وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.”
ولهذا قال ابن حجر:” فَلَا يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ مَقْتُولٍ فِي الْجِهَادِ أَنَّهُ شَهِيدٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ هَذَا. وَإِنْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ يُعْطَى حُكْمَ الشُّهَدَاءِ فِي الْأَحْكَامِ الظَّاهِرَةِ. وَلِذَلِكَ أَطْبَقَ السَّلَفُ عَلَى تَسْمِيَةِ الْمَقْتُولِينَ فِي بَدْرٍ وَأُحُدٍ وَغَيْرِهِمَا شُهَدَاءَ. وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ الْحُكْمُ الظَّاهِرُ الْمَبْنِيُّ عَلَى الظَّنِّ الْغَالِبِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.” فتح الباري. 6 / 90.
قال ابن المنير: ” الظاهرُ جواز إطلاق الشهادة، وقد أطلقها السلفُ والخلفُ بناءً على الظاهر، أما من استُشهد مع النبيِّ – صلى الله عليه وسلم -؛ كشهداء أُحدٍ وبَدْرٍ ونحوِهم، فلا خفاءَ به ظاهراً، والظاهر أن مَنْ بعدَهُم كذلك؛ إذ لم يمنع أحدٌ أن يقال فيمن قُتل في سبيل الله: استُشْهِد.
وقد أجمع الفقهاء أن شهيدَ المعترك لا يُغسل، [ويطلقونه عاماً وخاصاً، وللفقيه إذا سُئل عن مؤمنٍ قُتل كذلك أن يقول: هو شهيد، فلا يغسل. والذي منعه النبي – صلى الله عليه وسلم – أن يطلقه الإنسان جزماً على الغيب، وهذا ممنوع حتى في زمانه -عليه السلام- إلا بوحي خاص، وقد قال -عليه الصلاة السلام: “إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحاً أَخَاهُ وَلَا بُدَّ، فَلْيَقُلْ: أَحْسَبُ، أَوْ أَظُنُّ، لا أُزَكِّي عَلَى اللهِ أَحَدًا.” صحيح مسلم. 4 / 2296. بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْمَدْحِ، إِذَا كَانَ فِيهِ إِفْرَاطٌ وَخِيفَ مِنْهُ فِتْنَةٌ عَلَى الْمَمْدُوحِ.” مصابيح الجامع. لمحمد بن أبي بكر الدماميني، (ت: 827 هـ) تحقيق وضبط وتخريج: نور الدين طالب. دار النوادر، سوريا. ط1 1430هـ /2009م. 6 / 281.
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لأم العلاء الأنصارية رضي الله عنها عندما قالت لعثمان بن مظعون بعد وفاته:” رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ، شَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ أَكْرَمَهُ»، قَالَتْ: قُلْتُ: لاَ أَدْرِي، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَنْ؟ قَالَ: «أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ وَاللَّهِ اليَقِينُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الخَيْرَ، وَمَا أَدْرِي وَاللَّهِ وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِي»، قَالَتْ: فَوَاللَّهِ لاَ أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ.” صحيح البخاري. 5 / 67. بَابُ مَقْدَمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ المَدِينَةَ.
والحاصل: أنَّ “الشهداء ثلاثة أقسام: شهيد في الدنيا والآخرة، وهو المقتول في حرب الكفار، وشهيد الآخرة دون أحكام الدنيا؛ وهم هؤلاء المذكورون في الحديث، وشهيد الدنيا دون الآخرة، وهو من غل في الغنيمة أو قتل مدبراً “. صحيح مسلم: بشرح النووي. 13 / 63.
وعلى كل فالشهادة والإيمان من موجبات دخول الجنة، فإذا قيل فلان مؤمن أو فلان شهيد؛ فلا مانع من ذلك، وهو حكم بالظاهر وليس على سبيل القطع الجازم.
وبالجملة؛ فالشهيد والشهادة في الأصل؛ لا تكون إلا في جبهة القتال مع العدو المحارب، ولا مانع من إطلاقهما على من قتل من المجاهدين بحسب الظاهر، على سبيل الإجمال، وأما على سبيل القطع الجازم فلا يجوز لأحد أن يطلقهما على أحد إلا بوحي من الله.
وأما من حكم لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالشهادة دون المجاهدين، فشهادتهم من باب التكريم، لأن من مات منهم يغسل ويكفن؛ خلافا لمن قتل في ساحة المعركة؛ فلا يصلى عليه و لا يغسل ولا يكفن. بشرط أن يكون مسلماً، والمسلمون منهم الظالم لنفسه والمقتصد والسابق بالخيرات.
ولذلك لا يجوز إطلاق اسم الشهيد، أو صفة الشهادة على الملحد أو العالمني أو المعادي للإسلام المحارب لأهله. لأن الشهادة مصطلح شرعي له علاقة بالله واليوم الآخر. وكل من لا يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فأنى له ذلك. بل ما ينبغي له أن ينسب إلى ما لا يمت إليه بصلة قطعاً؛ عقلا وشرعا وواقعا. وبه تم البلاغ. والسلام.




