رأي

أخي وابن عمي والغريب

ذة. إيمان البياري دكتورة في القانون وباحثة في التواصل السياسي

تأتي زيارة الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون بعد ما يقارب ثلاث سنوات من توتر العلاقات بين الرباط وباريس، توتّر أججته المواقف الفرنسية غير الواضحة تجاه ملف الصحراء المغربية في فترة أعلن المغرب فيها بكل وضوح رفضه للمواقف الرمادية والتعامل بوجهين والعمل على إطالة أمد النزاع لأغراض وأهداف شخصية على حساب وحدة المغرب الترابية، وذلك وفقًا لما جاء في نص الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى الرابعة والأربعين للمسيرة الخضراء في 6 نوفمبر 2019.
وفي يوليوز 2024، عرفت العلاقات المغربية الفرنسية انفراجًا بعد رسالة الرئيس الفرنسي لجلالة الملك محمد السادس المعلنة لاعتراف فرنسا بسيادة المغرب على صحرائه، وهو ما أكده الرئيس الفرنسي خلال خطابه أمام البرلمان المغربي أمس الثلاثاء، مؤكّدًا على أنه يعول على الروابط التاريخية والثقافية التي تجمع البلدين لطي صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة من العلاقات المغربية الفرنسية تدعم خلالها فرنسا سيادة المغرب على صحرائه. غير أن هذه الروابط هي نفسها الروابط التي خولت لفرنسا تقسيم الحدود وتجزئة المنطقة بشكل يضمن حصولها على ورقة ضغط دائمة تحقق من خلالها التوازن بين مصالحها السياسية والاقتصادية.
لا شك أن دعم فرنسا للمغرب في ملف الصحراء المغربية باعتبارها عنصرًا فاعلًا في هذه القضية وعضوًا دائمًا في مجلس الأمن يعد تطورًا مهمًا لا يمكن إلا تثمينه، خاصة مع ما أعلن عنه الرئيس ماكرون من أن هذا الموقف سيتم تفعيله من خلال مرافقة المغرب في المؤسسات الدولية، فضلاً عن توجيه الاستثمارات الفرنسية إلى الأقاليم الصحراوية. غير أن هذا الموقف، على إيجابيته، لا يمكن أن يُنظر إليه بمعزل عن تعقيدات العلاقات الدولية وتعدد المتدخلين، فضلاً عن العلاقات الفرنسية الجزائرية والسباق نحو نفوذ إقليمي يضمن مكاسب اقتصادية أكبر.
وإذا كانت الجزائر هي الداعم الرئيسي لجبهة البوليساريو والمؤثر الأبرز في استمرار النزاع، فإنه لا يمكن بأي حال إغفال دور عددًا من المتدخلين والداعمين في السر والعلن. فهل كانت العلاقات بين المغرب والجزائر، بكل ما يجمع البلدين والشعبيين من روابط حقيقية أساسها وحدة الموروث الثقافي والاجتماعي والعقائدي، لتصل إلى هذا الحد من التوتر لولا الدعم الغربي لهذا الصراع المفتعل؟ وهل ما يجمعنا بفرنسا من روابط يراهن عليها الرئيس الفرنسي هو أكبر وأمتن مما يجمعنا بالجزائر؟
وعلى ذلك، فإن جهود المغرب الدبلوماسية يجب أن تتجه أيضًا نحو تغيير موقف الجزائر الذي لا يقوم على أي أسس، ولا يساهم إلا في كبح مسار التنمية الإقليمية وتعطيل الاستفادة من الإمكانيات الهائلة التي قد يتيحها التعاون بين البلدين على جميع الأصعدة الاقتصادية والسياسية والتنموية.
وإذا كان الرئيس الفرنسي في خطابه بالأمس قد حث على ضرورة التعاون من أجل تحقيق تنمية مستدامة في المنطقة، فإن هذا التعاون ليس مرتبطًا فقط بدعم علاقة المغرب مع دول الاتحاد الأوروبي، وعلى رأسها فرنسا، وإنما أيضًا بالتعاون بين دول المغرب العربي، وخاصة المغرب والجزائر. وهو تعاون يفرض نفسه بإلحاح في عدد من الإشكاليات الكبرى، كالهجرة غير النظامية ومكافحة جرائم الإرهاب والاتجار بالمخدرات.
إن فتح قناة حوار حقيقي وفاعل بين المغرب والجزائر من شأنه أن يمثل نقطة تحول شاملة في هذا الملف، وهو ليس بالأمر المستحيل كما يروج له بعض المستفيدين من استمرار الصراع بين الجارتين، خاصة في ظل تطور الكفاءات والقدرات الدبلوماسية المغربية تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة، بدل الانسياق وراء الأساليب الدنيئة التي كانت بعض الجهات الجزائرية سباقة لتبنيها كحشد لجان إلكترونية وإعلامية مشبوهة تستهدف المساس بصورة المملكة المغربية وتوسيع الصدع بين البلدين، وقد كان المغرب مترفعًا عنها، فما الذي استجد؟
وضعت فرنسا إذن حدًا لمواقفها غير الواضحة اتجاه قضية الصحراء المغربية، لكنها مستمرة في النهج نفسه مع قضايا دولية أخرى، فقد عبر الرئيس الفرنسي عن موقفه اتجاه أحداث 7 أكتوبر معتبراً إياها أفعالا همجية، ومع ذلك فهي لا تبرر ما يحدث، على حد تعبيره، غير أن ما فات السيد الرئيس هو أن هذا الذي يحدث لا يمكن وصفه إلا بحرب إبادة ضد شعب يدافع عن حقوق تتبجح فرنسا، دولة الحريات، بضمانها والدفاع عنها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى