
بعد ثلاث سنوات من بداية الدعوة الاسلامية، أُمر الرسول عليه السلام بالصدع بدين الله ودعوة قومه لترك الشرك والخرافات والضلالات، فكان أول من عادى نبي الله عمه أبو لهب وزوجته أروى حمالة الحطب سليطة اللسان، وكان عداؤهما شديدا وكرست حياتها لإيذائه صلى الله عليه وسلم، بل اجتهدا في ذلك وبرزا فيه لولا أن الله تعالى أمَّن نبيه وعصمه منهما، لكن القول الفصل كان لما جمع الرسول عليه السلام قومه على جبل الصفا وخطب فيهم داعيا إياهم إلى الاهتداء بهدي الله والإعراض عن عبادة الأوثان والظلم، فخرج من بينهم عمه أبو لهب وخاطب الرسول عليه السلام قائلا: تَبَّا لك ألِهذا جمعتنا، فأنزل الله تعالى في الرد عليه ناصرا رسوله: (تَبَّتْ يدَا أبِي لَهَبٍ وَتَبَّ، ما أغنى عنه مالُهُ وما كسَب، سيصلى نارا ذات لهب، وامرأتُه حمَّالة الحطب في جيدِها حبل من مسد)، عاش أبو لهب بعد هذه الحادثة عشر سنوات، وكان الرسول عليه السلام قد دعا عليه، فمرض مرضا شديدا غريبا، فلم ينفعه ماله ولا مكانته بين قومه حيث مات ودفن بشكل مهين، أما زوجته حمالة الحطب التي كانت ترمي الشوك في طريق النبي لإدماء قدميه فقد ماتت ميتة سيئة أيضا. والمثير في قصة أبي لهب وامرأته حمالة الحطب أنه بعدما توعدهما الله تعالى أنهما من أهل النار بقيا أحياء سنين عديدة بعد ذلك ولم يُسلما، وفي ذلك معجزة كبيرة للنبي عليه السلام على صدقه وصدق دعوته، والحديث عن هذا الحدث التاريخي زاخر بالعديد من العبر..
بقي نموذج أبي لهب وامرأته حمالة الحطب مثالا للشر والإفساد في الأرض وهلاك الحرث والنسل منذ قرون، ومن عجيب القدر أن يدل اسم ” أبي لهب ” على أنه بالمعنى الحرفي صاحب النار التي تحرق الناس بلهيبها و شررها، لا يسلم أحد من شروره وأذاه وله سطوة على الجميع من حوله لِما يظن أنها قوة في المال وسلطة كبيرة بين قومه فلا أحد يقدرعلى الوقوف أمام جبروته، أما حمالة الحطب فكل رصيدها الخبث والنفاق ووضع الشوك في طريق الخير لا تذخر في سبيل ذلك جهدا ولا مالا لصد أهل الحق، أما حطبها فهو لإشعال الفتن.. لكن كِلا النموذجين معا سواء أبو لهب أو حمالة الحطب فقد كانا محاربان لله ولدينه ولرسوله وللخير ولعباده المومنين، ولا يمكن القول بحال أيهما أقلُّ شرا فالكفر ملة واحدة كما يقال.
لكن هذا النموذج من البشر الأشرار يتكرر عبر السنين والعقود والقرون، ومن الأقدار أننا ونحن نتابع الانتخابات الأمريكية والبعض منا بنوع من “التشويق”، وأيضا من ” التسويق لديمقراطية أمريكية ” والكلام يطول في طريقة تنظيمها اللاديمقراطي، موضوع التشويق هذا كان بسبب تنافس الرجل الفلاذي ترامب عن الحزب الجمهوري والمرأة الحديدية هاريس عن الحزب الديمقراطي. صحيح أن الناخبين هم الشعب الأمريكي، لكن على اعتبار أن أمريكا هي أقوى دولة في العالم، وهي دركية العالم بامتياز، تشعل الحروب في أي نقطة من الكرة الأرضية وتُوقفها متى شاءت، بالطبع حسب مصالحها “الحيوية” واستراتيجيتها، ورغبة مصانع السلاح في الأرباح، أساطيلها تجوب بحار العالم، كما أن عملتها هي السائدة في العالم تطبع منها ما شاءت من أوراق وتأخذ كل ما تريد من خيرات دول العالم تبعا لذلك بالمجان، ولا أحد يستطيع أن يقول لا للدولة العظمى، سواء بالحديد والنار أو بالفيتو داخل أروقة مجلس الأمن أو بالترغيب والترهيب، وحسب هذه الميكيافيلية فكل شيء مباح لتحقيق المصالح ولو على حساب الأرواح وحقوق الغير فالغاية تبرر الوسيلة..
تفرق الناس شيعا سواء داخل أمريكا أو خارجها، في الداخل هناك ناخبون جمهوريون خُلَّصٌ وديمقراطيون خُلَّصٌ، لكن هناك ناخبون من الجاليات العربية والإسلامية ومن أمريكا اللاتينية وغيرهم ممن يناصرون الحق والعدل والشعوب المستضعفة، كونهم لهم انتماء عرقي لهذه المناطق، وهؤلاء لهم مطالب العيش الكريم وتحسين الأوضاع مثل كل الأمريكيين، لكن لهم قضايا إنسانية يدافعون عنها أولها القضية الفلسطينية، و تزامنت هذه الانتخابات مع حرب الإبادة الوحشية التي تشنها دولة العدوان على شعب أعزل في غزة على الخصوص ثم في الضفة ولبنان، على مسمع من العالم الأصم الأبكم الذي أصيب بالشلل الكامل وهو يتفرج على عداد الشهداء الذين تجاوزوا الأربعين ألفا والجرحى والمعطوبين دون دواء الذين ناهزوا مائة ألف طالتهم حوالي 4000 مجزرة، فاحتار الناخبون من هذه الجاليات هل يصوتون لترامب أم لهاريس.
أما خارج أمريكا فالعرب والمسلمون وجميع الشعوب في أوربا وآسيا وقارة أمريكا الجنوبية ممن يناصرون المستضعفين أينما كانوا ويناصرون أساسا القضية الفلسطينية نظرا لعدالتها ومشروعية نضال شعبها ومقاومتها للتحرر من الاحتلال، خاصة في هذه الظرفية حيث عزم بنو صهيون على إنهاء القضية بأي ثمن وساعدهم على ذلك ذوي القربى بالحصار والتطبيع الشامل بل بدعم الاحتلال من البعض، أما الغرب فمساندته للكيان الغاصب مبدئية. وقد احتدم النقاش حول من نفضل الفوز في هذه الانتخابات، هل نفضل ترامب أم هاريس، وذهب البعض بتسمية المرشحين بأبي لهب وحمالة الحطب، في استحضار لما يجمعهما ويوحدهما من معاداة مصالح العرب والمسلمين وكل المستضعفين في العالم، لكن فئة ثالثة نأت بنفسها عن هذا النقاش على اعتبار أن أمريكا موقفها ثابت من الطرفين؛ إسرائيل أولا وأخيرا أما الآخرون فلا قيمة ولا وزن لهم.
ما أشبه الأمس باليوم، الظلم واحد، والعداوة واحدة، والاستعلاء والاستكبار عن الحق واحد، ولا يختلف ولا يتعدد إلا المتقمصون لهذه الأوصاف، لكن الحقد الشيطاني واحد لا يتعدد، بل يجد لنفسه وسائل متجددة للتنكيل بالخصوم و”الأعداء”.
في مقاربة موضوع التفضيل بين أبو لهب ترامب وحمالة الحطب هاريس، يكفي ما قدمه كل منهما لهذا النزاع الدامي الذي يؤدي كلفته الباهضة شعبنا الفلسطيني منذ سنين مضت، وليس من سمع كمن رأى وما يزال يرى ويعيش من يوميات القتل والتشريد في غزة العزة بشكل يتجاوز الخيال والتحمل، فما بالك بمن يكابد ويعيش هذا المشهد الرهيب، ويرى قتل أقرباءه وأبناءه بطريقة بشعة وصلت دفنهم في أكياس بدل الأكفان، لأن القنابل الأمريكية قطعت الشهداء الأبرياء إربا إربا..
حمالة الحطب هاريس الخاسرة في انتخابات الرئاسة كانت خلال هذه الحرب وستبقى نائبة للرئيس بايدن الذي يفتخر بصهيونيته إلى شهر يناير2025، موعد تسليم المهام للرئيس المنتخب أبو لهب، وهي مشاركة بشكل مباشر في حرب الإبادة على غزة عبر إرسال مليارات الدولارات إلى دولة الإرهاب الهمجي والمأخوذة من دافعي الضرائب الأمريكيين، إضافة إلى آلاف الأطنان من مختلف الذخائر والقنابل الحارقة والخارقة للتحصينات للنفاذ إلى أنفاق المقاومة في غزة ثم لبنان فيما بعد، ولا حديث لحمالة الحطب هذه إلا على قطيع “الرهائن”، دون كلام عما تقترفه عصابات الجيش الصهيوني من سفك لدماء نساء وأطفال وشيوخ وشعب غزة، وبعد كل مجزرة يقترفها نتن ياهو، تعلن صاحبة الابتسابة الصفراء أن إدارتها ” ستبحث ما إذا كانت إسرائيل استعملت الأسلحة الأمريكية” في ارتكابها لهذه الفظاعات، وكأن قطاع غزة دمر بشكل كامل بقنابل استوردها الاحتلال من كوكب آخر غير أمريكا، وهل تُنتَج مثل هذه القنابل المدمرة إلا في المصانع الأمريكية التي جعلت من غزة حقل تجارب لهذه القنابل المقيتة، بما سببته من قتل وفتك ودمار شامل في غزة هلك البنيان والنسل.. أما وزير خارجيتها بلينكن الذي أعلن مرارا أنه صهيوني، فرحلاته المكوكية الشهرية للمنطقة لم تكن لإيجاد حل للحرب وإنما لتعديل الخطط مع حكومة نتن ياهو، وفي كل مرة يشغل الوسطاء العرب بمفاوضات ماراطونية عبثية ويعطي مهلة جديدة للصهاينة للمزيد من القتل والدمار وصلت إلى اغتيال المفاوض زعيم حماس الشهيد إسماعيل هنية رحمه الله، في الوقت الذي نجد فيه مبعوث حمالة الحطب إلى لبنان الصهيوني هوكشتاين الذي يعطي التطمينات للسياسيين اللبنانيين من جهة ويعطي الأضواء الخضراء للكيان الغاصب للقيام بضربات جوية نوعية لا تبقي ولا تذر ، وكلما غادر مطار بيروت إلا وقام الصهاينة بضربات قاصمة للمقاومة اللبنانية حققت اغتيالات بالجملة في لبنان ، ومجمل القول أن العم سام يعطي مفهوما جديدا لمبدأ الدفاع عن النفس؛ إنه أخذ حقوق الغير بالقوة ثم القتل والدمار إن طالب بحقه المشروع، تلك هي الشرعية الدولية وحقوق الإنسان وغيرها من مواصفات عالم الخيال..هذا جزء من ” إنجازات حمالة الحطب في الشرق الأوسط ” وغيرها كثير مما هو مدون في كوكل..
أما أبو لهب ترامب المصارع ذو الطبيعة البلطجية، فماذا عساه أن يحقق من وعود انتخابية للجاليات العربية والمسلمة وغيرها ممن يساندون القضية الفلسطينية، لن نحكم على نواياه ولكن حكمنا ينطلق من وقائع ثابتة مشهودة، فلسنا ممن قيل فيهم: العرب لا يقرأون وإذا قرأوا لا يفهمون وإذا فهموا سرعان ما ينسون، فذاكرتنا حية نشطة لأننا عايشنا القضية الفلسطينية منذ ستينيات القرن الماضي، واكتوت قلوبنا بما قام به المحتل الغاصب من مجازر وحروب تركت بل حفرت ندوبا في ذاكرتنا وأنفسنا لا يمكن محوها أو نسيانها رغم مرور الزمن وبعدنا نحن المغاربة عن فلسطين آلاف الأميال، لا يمكن أن ننسى مذابح قطعان وعصابات الصهاينة قبل وأثناء النكبة سنة 1948 في دير ياسين ومذبحة صبرا وشاتيلا ضواحي بيروت سنة 1982 وقانا في لبنان سنة 1996 واغتيالات قادة منظمة التحرير عبر العالم انتهاءا بما يجري اليوم في غزة من إبادة جماعية ليس لها مثيل، قلنا أن تجربة العرب مع ترامب كانت جد مريرة، فإذا كانت سياسة حمالة الحطب تقوم على النفاق والخداع وإعطاء الوعود الكاذبة والتسويف وتسويق كل ذلك بابتسامة مخادعة، فإن أبا لهب يمارس سياسة العين الحمراء والبلطجة بكل “شفافية” ودون مجاملة ولا لين ولا هوادة، ودعمه للكيان الصهيوني دون حدود منذ وقت طويل وهو الحائز على جائزة “شجرة الصندوق القومي اليهودي للحياة” سنة 1983 بعد أن ساعد في تمويل بناء ملعبين وحديقة وخزان مياه في “إسرائيل” . وهاكم إنجازاته لما كان رئيسا لأمريكا في ولايته السابقة: أظهر جرأة وتحيزا صارخا للإسرائليين فنقل السفارة الأمريكية إلى القدس الشريف بما لذلك من دلالة كبرى وفي تحدي صارخ “للمجتمع الدولي” اعتبر إنجازا تاريخيا لتهويد القدس بالكامل وإذلالا للعرب والمسلمين الذين لم يحركوا ساكنا، بل أرغمهم أبو لهب صاغرين على الاعتراف بدولة بني صهيون وتبادل السفراء والبعثات الدبلوماسية معها وارتفعت موجة التطبيع لتصل إلى مستويات قياسية من التعاون حتى في القطاعات الحساسة مما يشكل تهديدا للأمن القومي لهذه الدول، أما علاقة أبو لهب مع الدول العربية فقد بناها على مبدأ الابتزاز ودفع مليارات الدولارات دفعا لشره وأذاه، وهو الذي يقول دائما يجب أن تدفعوا لنا أثمانا عالية نظير حمايتكم من خصومكم الإقليميين وليس الكيان الغاصب طبعا..
هذا هو إذن ترامب وهذه هاريس ، لننظر إذا من أشد علينا وعلى قضايانا هو أم هي، في كِلا الحالتين سواء أبو لهب أو حمالة حطب زماننا، لن يتنافسوا إلا في استضعافنا وإذلالنا ونهب ثرواتنا، ولا يكنون لنا إلا العداوة والبغضاء وما تخفي صدورهم أكبر، وكل مخططاتهم كما يسمونها هم أنفسهم إما فوضى خلاقة أو شرق أوسط جديد أو ديانة جديدة إبراهيمية تجمع المسلمين واليهود والمسيحيين وغيرها من المسميات والمخططات الهادفة إلى إضعاف وإعادة تشكيل دول المنطقة وإحداث دول جديدة ضعيفة ورسم حدود جديدة مع طمس قيمها الدينية وموروثها الحضاري والإنساني والثقافي واللغوي وإعادة تشكيل عقول أبنائها وصياغة فكرهم بما يلائم سياستهم، تكون فيها الأفعى الصهيونية هي القوة العظمى بالمنطقة. أما جرائم أمريكا فلا يمكن أن يطالها التقادم والنسيان سواء في هيروشيما ونكزاكي أو حرب الفيتنام وكمبوديا والحرب على العراق وتدميرها كدولة وغيرها وآخرها ما نعيش مأساته في غزة، وما من رئيس للقوة العظمى إلا وله بصمته على شعب من شعوب الأرض فالحصيلة غاية في الظلم والرعب يتجاوز أفلام الرعب التي أنجزها المخرج مزدوج الجنسية ألفريد هيتشكوك، ويكفي تذكر هذه المآسي والمجازر والعذابات لنصاب بالرعب والرُّهَاب والأرق، فكما كان أبو لهب وامرأته حمالة الحطب من السوء في زمانهم إذ الكفر ملة واحدة ، فإنه سواء فاز ابو لهب أوحمالة الحطب فالاستكبار واحد.
سنكون قمة السذاجة والبَلَه إن تصورنا حلولا لقضايانا الوطنية أو القومية من أمريكا والغرب المنافق، إن حل معضلاتنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية يكمن في إقرار ديمقراطية حقيقة في بلداننا العربية واختيار نخب ذات مصداقية وكفاءة للخروج من هذا النفق الذي طالت مسافته دون أن نرى بصيصا من النور يهدينا إلى المخرج الصحيح السليم، لما نحن فيه من تخلف ومهانة واستخفاف من الاستكبار العالمي، لابد من تعاون جدي وصادق بين الحكام والمحكومين للانتقال من هذا الوضع المأساوي الذي أهينت فيه كرامة العربي إلى الحضيض، إلى الوضع الذي يحقق العدالة الاجتماعية بشكل سلمي دون صراع عواقبه وخيمة على بلداننا، أما فوز ترامب أو هاريس فإنما يحقق مطالب وأماني شعبهما ليس إلا، وهم سند قوي لبني صهيون، أما التعلق بأهذاب الغرب الذي يقوده الاستكبار العالمي فلن يجلب إلا الخيبات وستبقى دار لقمان على حالها من السوء.




