
نهجت المملكة العربية السعودية في السنوات الأخيرة مسارا جديدا لتنويع مصادر الثروة بعد استشراف مستقبل تراجع حاجة العالم للنفط المصدر الرئيسي للثروة..!
لكن أيضا تم اتخاذ المسار الجديد بهدف تحديث المجتمع السعودي الذي كان لعهد قريب رهن إيديولوجية دينية صارمة تم توجيه أصابع الاتهام إليها بعد أحداث الحادي عشر من شتنبر في قلب الولايات المتحدة الأمريكية..
*إجراءات صعبة غير مضمونة النتائج*
اختارت المملكة الانفتاح على ثقافات الشعوب الأخرى وإلغاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واعتقال علماء ومثقفين ونشطاء يمكن أن يشكلوا عقبة في المسار الجديد..
وبالمقابل أحدثت هيئة الترفيه ودعمتها ماديا ومعنويا بقصد صناعة ثقافة جيل جديد يساير التحولات التي ستعرفها المملكة..
وفي هذا السياق يأتي الاهتمام بموسم الرياض باعتباره وجهة عالمية لتلاقح الثقافات والتقائها..
الملاحظ أن الإعلام العربي والإسلامي يركز على إبراز التناقض الصارخ بين ما يقدمه موسم الرياض وما تمثله السعودية باعتبارها أرض الحرمين الشريفين وقبلة المسلمين..
فظهور الفنانة الأمريكية الشهيرة جنيفير لوبيز بلباس عار في افتتاح الموسم قبل أيام وفي ظل المآسي التي تعيشها فلسطين والمسجد الأقصى وتزامنا مع المؤتمر العربي الإسلامي في الرياض الذي يناقش القضية المركزية للأمة الإسلامية، يعتبر ذلك استفزازا للشعور العربي والإسلامي غير محسوب العواقب كما سنوضحه إن شاء الله.
لكن لابأس أن نلقي نظرة سريعة على حلقات هذا الموسم الذي تنظمه السعودية منذ بضع سنوات، فالعديد من هذه الحلقات ليس فيها استفزاز للشعور الإسلامي ويمكن أن تستغني بها المملكة عن حفلات الغناء وعروض الأزياء العارية التي تناقض كل المذاهب الإسلامية وخاصة المذهب الحنبلي الذي يرى المرأة عورة كلها لا تبدي إلا عينا واحدة..!
*موسم الرياض*
يتضمن موسم الرياض 2024 – 2025 مجموعة واسعة من الفعاليات مثل الحفلات الموسيقية، والمعارض الفنية، والعروض المسرحية، بالإضافة إلى تجارب ترفيهية مميزة ومتكاملة تشمل مناطق مخصصة للألعاب، والمغامرات، وفعاليات رياضية، وأسواق تجد بها الماركات العالمية..
موسم الرياض هو مهرجان ترفيهي عالمي يقام في مدينة الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية، ويهدف لتحويلها إلى وجهة ترفيهية سياحية عالمية، وفقا لأهداف برنامج جودة الحياة أحد برامج رؤية السعودية 2030.
انطلق موسم الرياض للمرة الأولى في عام 2019 واستقطب أكثر من 10 ملايين زائر، وانطلق موسمه الثاني في 20 أكتوبر 2021 بعد توقفه عام 2020 بسبب جائحة فيروس كورونا، وانطلق الموسم الثالث في 21 أكتوبر 2022 وحمل شعار «فوق الخيال»، ودخل حفل افتتاح موسم الرياض 2022 موسوعة غينيس للأرقام القياسية كأكثر حفل تُطلق فيه الألعاب النارية من طائرات بدون طيار..
في 12 أكتوبر 2024م أعلن رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه (GEA) المستشار تركي بن عبد المحسن آل الشيخ انطلاق النسخة الخامسة من موسم الرياض لعام 2024 من منطقة المملكة أرينا، وأقيم الموسم على مساحة أكثر من 7.2 ملايين متر مربع، تم فيها إبرام 4200 عقد مع 2100 شركة، 95 في المئة منها محلية، إلى جانب إقامة 11 بطولة عالمية و10 معارض ومهرجانات متنوعة..
*الملك الحسن الثاني ينتقد شاه إيران على تهوره تجاه الهوية الدينية*
في مقابلة مع القناة الفرنسية الثانية يوم 8 أبريل 1980، انتقد الحسن الثاني شاه إيران، بسبب ما اعتبره تخليا من جانبه عن الدين، الذي هو عقيدة غالبية الشعب الإيراني، وقال إن النظام الإيراني في عهد الشاه كان “يمثل إمبراطورية أرادت أن تكون علمانية، ولأول مرة في التاريخ تسمع إمبراطورية علمانية”. وقد لام الشاه على استبداله التقويم الهجري الإسلامي بالتقويم الفارسي الإمبراطوري، وأعلن بأنه أمام هذا التوجه العلماني لو كان مكان الإيرانيين لاختار الموقف نفسه الذي اختاره الثوار، حيث قال: “لقد كان ذلك في الحقيقة تهجما مجانيا من طرف النظام السابق ضد أربعة عشر قرنا من الديانة والفكر والفلسفة، وهذا كاف بأن يمثل تطلعا مشروعا، فأنا شخصيا لو كنت مكانهم لربما وقفت موقفهم”..
وفي كتاب “ذاكرة ملك”،تحدث الملك الحسن الثاني عن تلك المرحلة من نهاية السبعينيات، حين قال: “لقد كان الشاه صديقي، لكنني أحسست في وقت ما بأنه ارتكب خطيئة التكبر، وأنه بدأ ينحرف. وقد لاحظت ذلك لأول مرة سنة 1972 عندما أقام احتفالا ضخما بمدينة بيرسيبوليس التاريخية، حيث أراد أن يتباهى بألفي سنة من التاريخ، ناسيا بضعة قرون من الإسلام؛ ذلك أنه في ذلك العهد لم تكن إيران مجرد موطن للثقافة والديانة الإسلامية، بل غدت مركز إشعاع للفكر والحضارة الإسلاميين. إذن، فعندما رأيته يقيم جدارا من الصمت على الفترة الإسلامية ليظهر الأسطورة الآرية، أحجمت عن الاستجابة لدعوته”. وقاطع الحسن الثاني، إلى جانب ملك السعودية الملك خالد ذلك الحفل الذي اعتبرته الصحافة العالمية أضخم حفل تم استدعاء رؤساء وملوك العالم لحضوره واستضافة كبار الفنانيين والشخصيات ذات البعد العالمي..
لكن بعد بضعة سنوات سينتفض الشعب الإيراني في ثورة لإسقاط الشاه فنعتت الصحافة العالمية ذلك الحفل ب”العشاء الأخير”..!
ورغم اعتذار الشاه عن إقامته ذلك الحفل الباذخ فيما بعد فإن الأوان كان قد فات..!
*بين التحديث القسري والتحديث العلمي*
لا أدري هل هناك من يريد للملكة العربية السعودية زلزالا سياسيا من خلال تحريضها على هذا النموذج من التحديث القسري الذي يرى العلاج بالصدمات هو الحل؟!
لا ننسى أن المملكة العربية السعودية لم تخضع للاستعمار الغربي الأخير وبالتالي بقيت بعيدة عن مظاهر العري والاختلاط وأوكار الدعارة والخمور التي تركها الاستعمار في الدول التي وطئها، وبقيت محافظة على إيديولوجية سلفية منغلقة ترعاها المؤسسة العلمية التي كان لها حضور في مفاصل الدولة ومؤسسات المجتمع المدني..
وعليه فإن عملية التحديث لن تنجح في مجتمع هذه بعض سماته إلا من خلال تحديث المؤسسة العلمائية نفسها، ومن خلالها يمكن تحضير المجتمع للقبول بالتغيير الإيجابي..
وفي تقديرنا فإن السلفية المدخلية عاجزة عن المشاركة في هذا الورش التحديثي فضلا عن قيادة المشروع الذي تراهن عليه المملكة، وعجزها بنيوي لأنها تعاني من أعطاب تطرقنا لها في مقالات عدة..
المملكة ستبقى مصدر إلهام لأي باحث في الإسلام وقبلة المسلمين، وبالتالي لابد من مراعاة هذه الخصوصية في أي تحول ثقافي يتفادى الهزات التي عرفتها دول أخرى إبان الربيع العربي..
التحديث السياسي يمكن أن يكون فوقيا من خلال قرار سياسي يعطي مصداقية للمؤسسات بأن تصير منتخبة ديمقراطيا، أما التحديث الثقافي فإنه لا يكون فوقيا من خلال قرار سياسي، بل لابد فيه من اعتبار مداخل متعددة كالتعليم والإعلام و المؤسسة الدينية على وجه الخصوص..
*كلمة ختامية*
في تقديرنا المتواضع لم يوفق القائمون على هذا الموسم بالرياض لأنهم لم يراعوا السياق السياسي الذي تعرفه المنطقة العربية في ظل طوفان الأقصى ولم يراعوا الموقع الديني والسياسي للمملكة العربية السعودية وثقلها في مجريات الأحداث..
لو تم اتخاذ قرار إلغاء موسم الرياض هذه السنة لهذه الاعتبارات لكان صدى هكذا قرار بالغ الوقع في الواقع والوجدان العربي والإسلامي..





يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51)
هذا زمان لكع بن لكع، زمن الرويبضة، زمن كثر فيه عبدة الدرهم والدينار، فليكن كل واحد منا ذلك الرجل ذلك الغريب المصلح الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: الذي يصلح ما أفسد الناس من أمتي.