إذا كرهنا شخصا تجاهلناه ، وطمسنا سيرته ، واستشكلنا منهجه و مذهبه ، ونعتناه بقصور في النظر ، وربما ألصقنا به وصفا يميزه عنا ، وعن غيرنا ، فهذا السلوك قد يقع فيه بحسن نية، أو بغير قصد العلماء و الوعاظ وأساتذة الجامعة المعنيون بالدرس و البحث العلمي ، وهذا ما وقع لي شخصيا مع ‘ابن حزم” وأذكره بهذا الاسم القصير كما تعلمناه ، فبالنسبة لي هو رجل أحسن ما يفعل معه هو الابتعاد من ساحته ، لا تقرأ له ، لا تبحث في سيرته ، و لا تطلع على مؤلفاته ، لأنه وبشكل بسيط “ظاهري” خالف المذاهب الكبرى المجمع عليها ، ويستشهد له ببعض الفتاوى ، في بعض المسائل .
إلى هنا لا أستطيع ان أضيف شيئا لأنني لا أعرف غير الذي تعلمته في دروس الجامعة ، وعلى مدرجات شعبة الدراسات الإسلامية ، و الذي يحزنني أكثر هو الهمز و اللمز في شخص الرجل و في مناولاته الفقهية ، التي إن توفق فيها فله أجران ، وإن اجتهد و شذ فيها فله أجر واحد ، لا أخفيكم منذ زمن بعيد وأنا أحمل هذه الفكرة ، وأكتفي بهذا الرصيد العلمي عنه حتى التقيته ، نعم وجدته وأنا اطالع في هذه الأيام كتاب “الفكر السياسي بين ابن حزم و ابي حامد الغزالي ” للدكتور عبد الحليم عويس ، فسعدت بمعرفته ، فقرأت قول الشاعر :
بالعلم والمال يبني الناس ملكهم
ولن يبنى ملك بجهل و اقلال.
وأنا الآن أسعد بتقديمه إليكم ، لتعرفوا كم أننا كبار في الأدب ، قمم في العلم ، وأساتذة في علم السياسة و الفلسفة و المنطق وأبدأ لأقول :
هو أبو محمد علي بن سعيد بن حزم المشهور ب”ابن حزم” ولد في قرطبة ليلة الأربعاء آخر يوم في شهر رمضان من أربع وثمانين وثلاثمائة مواقف للسابع من نونبر عام ثلاثة وتسعين وتسعمائة للميلاد ،عاصمة الأندلس العظمى في العصر الأموي، لاسيما في عصر عبد الرحمن الناصر الذي حكم الأندلس ، لكن ابن حزم
ولد بقرطبة في عصر ملوك الطوائف 399-478 ، حفظ القران الكريم و جالس كبار العلماء في بيت أبيه الذي كان أحد الوزراء الأعلام غي العصر الطائفي ، وكانت داره ملتقى للمثقفين و القضاة و العلماء ، وكان وهو صغير يجلس معهم ويأخذ عنهم ، ويستمع إليهم ، وفي شبابه درس العلوم اللسانية و الشرعية و الإنسانية ، وكان له شيوخا في الحديث و الفقه المالكي و الأصول و غيرها .
وبدأت شخصيته تتألق عالما ناشئا يبشر بموسوعيته ، وبمستقبل زاهر ، وفي هذه المرحلة عايش في قصر أبيه الوزاري المترف ، فشاهد السياسة عن قرب .
من مؤلفاته : “الإحكام في اصول الأحكام” “الفصل في الملل و النحل” “المحلى في الفقه” وبهذا يكون من الرواد المؤسسين لنظرية المعرفة ومقارنة الأديان، كما له رأي في كروية الأرض عقلا ونقلا.
وله في السياسة كتاب” جمل من فتوح الاسلام” “الدولة الأموية” “نقط العروس ” لكن إجمالا يمكن استنباط من النظرية الحزمية في شتى العلوم المواقف التالية :
1. الكتاب و السنة و السيرة النبوية مصادر كل المصادر.
2. العصر الراشدي عام الجماعة و الاجماع.
3. العصر الاموي ليس عصر احتجاج ، وان عاش فيه بعض الصحابة و التابعين.
ولقد كان ابن حزم مؤيدا للدولة الأموية إلا انه أخد عليها مأخذين :
1) التوريث لأكثر من شخص.
2) اعتماد العصبية القبلية في تدبير الشأن العام السياسي الاجتماعي .
4. اعتزازه بالتجربة الأندلسية من الفتح وحتى وفاته رحمه الله
ومن خلال رؤيته الشمولية ودراسة الواقع العربي و المغربي و الأندلسي بنيت نظريته على مايلي :
أ – العدل والشورى .
ب – امكان الاجتهاد في اطارات العدل و الشورى.
ج – جواز التوريث لمن تتوفر فيه الشروط.
ح – لا عصمة للائمة .
د – لا لتوريث الأطفال .
ص – سبق ابن حزم ابن خلدون في نقد التاريخ .
واخيرا هل رايتهم أحبتي معي أن الرجل كان عالي الكعب ، واسع الإطلاع ، رفيع المنطق ،رشيق العبارة ، تكلم في الفقه و التفسير و التاريخ و الأصول و الأديان ، فلم يغمط الرجل في حقه ؟ أم هي عقدة الشرق ؟ أم هو خوف من رجال من مثله ؟ صدقوني هذا غيض من فيض ، وقليل من كثير ، ونقطة ماء من نهر غزير ، لم نتحدث عن “ظاهريته” التي ينعت بها ، فالرجل أكبر من كل هذا ، فهذه دعوة لتصحيح المسار ، بالبحث في الكبار ، و الاطلاع على الأخيار من رجالات الفقه و الحديث و التاريخ. الأطهار …………؟؟؟؟؟؟.




