رأي

فاستمسك بالذي أوحي إليك إنــــك عـلـــى صـــراط مـسـتـقـــيـم

مقـــالــة تـــربـــويـــة

بقلم الشيخ المقرئ: عبد اللطيف بوعلام
وردني سؤال من أحد الإخوة الـمنشغلين بالـهم الدعوي بالدارجة الـمغربية، فحبكت الجواب عنه بالفصحى لتحصل به الفائدة لعموم الأمة التي يعاني معظمها من هذه الحالة التيئيسية في الثبات على الديـن، والتـماس العون والـمدد من رب العالـمين.
سؤاله هو: فضيلة الشيخ الـمقرئ أحببت أن أشكو إليكم حالتي الـمزرية، والـمتمثلة في فتوري الدائـم واستثقال العبادة، وإني كلما أردت أن أتقرب إلى خالقي أجد نفسي منتكسا مرة أخـرى إلى الوراء رغم محبتي الشديدة لربي، ورغبتي الـملحة في محاولة القرب منه سبحانه، وأن هذه الوضعية تــتكرر عدة مرات حتى أصابتني بالإحباط، واعتبرت ما يعتريـنـي إرهاصات نِفاقية قد تؤدي بي مستقبلا إلى قطع الصلة بالذي أمرني بعبادته، فماذا عساي أن أفعل؟!
فأجبته مبددا مخاوفه قائلا: كلنا _ يا أخي الكريم _ نعاني الـمعاناة نفسـها في الفتور واستثقال العبادة وفقدان اللذة الإيمانية التي تـمتع بـها الصحابة والتابعون من بعدهم والذين جاؤوا من بعدهم بحكم قربـهم من السراج الـمنير والقمر الـمضيء، حيث لم تكن تشغلهم هذه المباهج الدنيوية.
وتوالت السنون، وبسطت الخيرات، وكثرت الفتن من كل حدب وصوب، وتزلزل القوم مـهرولين نحو إشباع الرغبات، وتحركت الأيادي الأخطبوطية بـمجساتـها المغناطيسية ووسائلها التكنولوجية لاحتضان الـهواتف الذكية في عبادة تبتلية، فلا يخلو أي منزل _ إلا ما رحم ربك_ من صغيره إلى كبيره من الدخول إلى هذا الـيـم الأزرق الـملـيء بالتفاهات لعبا ولهوا ونبشا في أعراض الناس وكشفا للعورات.. وهلـم جرا من الخواريات الـمقدمة من النّسويات والـمؤثـرين والـمؤثـرات في تقزيـم الديـن وفتنة الـمسلمين والـمسلمات بالدنيا الفانـيـــة..
ولقد قلبت الأمر تـقليبا في نفسي حتى عثرت على كلام نفيس للإمام الشافعي رحمه الله، حيث كان يقول لـمريديـه:
«سيروا إلى الله عرجى ومكاسير، ولا تنتظروا الصحة، فإن انتظار الصحة بطالــة»
وحاصل مضمون هذا الكلام:
إنه إذا شعرت وأحسست وأنت تـمشي في هذه الحياة بأن عبادتك مليئة بالعراقيل والـمطبات، وبعدم وجود حافز روحي في العبادة، وشوق ولذة في مـمارستـها، أو هناك انجرار وتقطع أو ملل في أداء مناسكها، أو ثقل على النفس في سـماع الـمؤذن تلبية لندائـها وطلبا لفلاحها، فعليك بالبقاء متمسكا بأستار الاستـمرار في طقوس حركاتـها حتى تـنال الرحـمة من الآمر بـها وأنت تجأر إليه بتقبلها على ما فيـها، وإياك أن يستزلك الشيطان ويستفزك، فتنصاع لوسوسته فتتركها، فيكون بذلك قد أغلق عليك الغطاء وأحكمه، وجعلك في زمرة الضالين الـمضلين، والعياذ بالله..
وبعبارة أخرى أشد وضوحا وتـثـبـيـتا من سابقتها أنه إذا سقطت في الطريق فقم وأكـمل الـمشوار دون الالتفات إلى شر الوسواس الخناس الـمحزن والـمحبط لعزائـم الناس، وتأكد بأن ما تـقوم به من مدافعة ضد هذا اللعين هو من سنام الجهاد الذي يقول فيه الله تبارك وتعالى: «والذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لًنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا»، فأكـمل طريقك إلى الله ولو زحفا وأنت غير مُقصر في صلاتك؟ صلـها رغم غياب الخشوع، لكن لا تقطعها، واجتـهد ما استطعت لتصل إلى حلاوة الإيمان والاستمساك بالعروة الوثقى التي تكاد أن تكون مفقودة في هذا الزمان، وهكذا تفعل وتفعلين بالنسبة للتكاليف الشرعية.
حجابك يا أختي ليس كاملا؟
استـمري عليه، وحاولي تحسينه إلى العفاف والستر الكامل، لكن لا تغرنك نظرات إبليس وجنوده بذلك النقص، فـيـيـئـسونك فتخلعينه..
تقرأ القرآن بشكل متقطع ودون تدبـر في منطوقه؟ استـمر على ما أنت عليه، وإياك أن تـهجره..
وهكذا في كل العبادات اجتـهد ثم اجتـهد.. ولا يكن تقصيرك سببا في التوقف عن الخير، فتقطع حبالك مع الله.. فتصبح من الـخاسريـن النادمين.
قال الـمعالج الروحي ابن القيـم رحمه الله في شأن هذه الـمجاهدة والثبات والاستمرارية: «لا يـزال الـمرء يعاني من الطاعة حتى يألفها ويحبـها، فيقيض الله له ملائكة تؤزه إليها أزّاً توقظه من نومه إليها، ومن مجلسه إليها».
فإياك وترك سُترة العبادة مـهما كانت مرقعة.. واعلـم بأن ربنا جل جلاله لن يتركك أبداً وحدك تصارع هذه الأمواج العاتـية، وسيعينك لا مين وشك في ذلك، إذا رأى منك صدق الإِقبال عليه، والإصرار على الطاعة رغم ضعفك وعدم قدرتك على مقاومة نفسك الأمارة بالـميل نحو الانـهزام والتقوقع على الذات.
وتذكر دائـما وأبدا قول الله تعالى في الحديث القدسي الـمشـهور والدارج على الألسن: «.. ومن تقَرَّب إليَّ شِبرا، تقَرَّبتُ منْه ذِراعا، ومَنْ تقَرَّب مني ذِراعا، تقَرَّبت مِنْه باعا، ومن أَتاني يَمْشِي أتَيتُهُ هَرْوَلَة». فاستـمسك بعبادة ربك ولو كنت مقصراً، واستعن به ولا تعجز، ولا تخلع عن نفسك سترة العبادة مـهما اعتقدت أنـها مرقعة.. وتذكر دائما وأبدا بأن معية العزيـز الجبار وعنايته وحفظه يـرعاك، ولن يخذلك ما دمت ترجو رحمته وتخاف عذابه.
نكتفي بـهذا القدر الذي أظنه وأحسبه كافيا وشافيا لصاحب السؤال الـمستثقل للعبادات والفاتـر في الطاعات بسبب تقطعها وغياب الخشوع. اللهم ثبـتـنا على ديـنـك، ولا تكـلنا إلى أنفسنا طرفة عين، آمــين آمــين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى