رأي

الإسلام المعتدل مدخل للعلمانية !!!

ذة.إيمان البياري دكتورة في القانون الخاص وباحثة في تواصل السياسي

قامت الدنيا ولم تقعد بعد تصريح السيد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد توفيق بعلمانية المغرب تحت قبة البرلمان، وسال مداد الكثير من المتخصصين والباحثين والمهتمين بين منكر وموضح ومحلل. والحق أن تصريح السيد الوزير لم يعدو كونه كشفًا عن ما نلمسه في واقعنا اليومي ونتعمد تجاهله من باب العجز وقصر ذات اليد، حتى أصبح الأمر بقوة الأمر الواقع جزءًا من ثقافة جديدة يسوق لها على أنها نموذج متفرد يختص به المغرب. وعلى اختلاف المواقف التي نُشرت وعُرضت، إلا أن الجميع اتفق على أن الاستشهاد في غير محله وأنه يفتح بابًا للاختلاف والخلاف لا يسد.
غير أن المستمع المتمعن في سؤال السيد النائب وجواب السيد الوزير يلاحظ الاستخدام المتكرر لمفهوم تطبع معه عامة الناس وخاصتهم حتى ما عاد أحد ينكره، وهو مفهوم “الإسلام المعتدل”، الذي يعتبر أصل الداء والمدخل الأساسي لتبني مبادئ العلمانية عن طريق تغليفها بفكر الاعتدال والتسامح وغيرها من المصطلحات الفضفاضة التي تستخدم في غير محلها. والأصل أن الإسلام واحد غير متعدد، وهو كما جاء به الوحي المنزل على خاتم الأنبياء والمرسلين قائم في جوهره على الوسطية لأنه منهج رباني قويم. أما مفهوم “الإسلام المعتدل” فقد انتشر بشكل كبير بعد أحداث 11 سبتمبر في إطار نموذج صاغه الغرب للإسلام الذي يريده ويقبله، إسلام يتعامل مع الأحكام الشرعية بوصفها نظامًا قيميًا ينحصر في تأطير الجوانب الروحية وتنظيم الممارسات التعبدية، ولا صلة له بالأنظمة القانونية والسياسية وتدبير الشأن العام. نموذج تمت صياغته ليتماشى مع قيم الغرب ويخدم أهدافه ومصالحه.
وفي سبيل دعم نموذج “الإسلام المعتدل”، تم استحضار التصوف بوصفه مادة خصبة يسهل الاشتغال عليها عن طريق التأويل والتحريف، وتسليط الضوء على جانب وإهمال جوانب أخرى. بذلك، وجدنا أنفسنا بين عشية وضحاها أمام سيل عرم من الأعمال الأدبية والفنية والأبحاث العلمية التي تناقش التصوف، فتحصد الجوائز والتكريمات وتحظى بالتغطية الإعلامية الدولية قبل المحلية، لا لقيمة في ذاتها بل لأنها تقدم صورة جديدة للتصوف، فالدين عند الصوفي تجربة شخصية وعلاقة قلبية لا تتقيد بالأوامر والنواهي، بل ترتقي بالروح لتتجاوز الأحكام الضابطة للجسد المادي. والصوفي بطبيعة الحال حسب هذه الصورة لا ينشغل بأمور السياسة وتدبير شؤون الناس ومعاملاتهم، بل ينظر إلى هذه الأمور بتَرفع وازدراء. وحسب المرء أن يصدق في محبته لربه حتى تسقط عنه أعباء الدنيا وتكاليف الآخرة. وعامة الناس يميلون للتخفف من كل ما يضبطهم، وبذلك فقد وافق هذا الطرح هوى الكثيرين وصار له الملايين من المؤيدين والداعمين.
وعلى ذلك، تم تشويه المفاهيم وتحريفها عن مساراتها، فصار التصوف القائم على الإيمان دون حاجة إلى عمل في مقابل السلفية المتشددة المتخلفة، لتنسلخ المعاني من جوهرها وتفقد بذلك قوتها ونفاذها عند خاصة الناس قبل عامتهم.
ولن تجد عملاً من الأعمال التي ناقشت التصوف خلال هذه الفترة تحديدًا إلا في ما ندر، يشير إلى انشغال أهل التصوف بأمور السياسة وأحوال الناس ومعاملاتهم، كسيرة الشيخ عبد القادر الجيلاني في وعظ الحكام ومناهضة الفساد والظلم، أو الإمام جنيد البغدادي الذي كان يحث مريديه على ضرورة الالتزام بالأحكام الشرعية ونهج السلف الصالح في العبادات والمعاملات، تحقيقًا لمنهج النبوية المتوازن بين الظاهر والباطن، وهو المنهج الذي دعا له أغلب أهل التصوف كعبد السلام بن مشيش والمهدي السنوسي وغيرهما.
وباستعراض هذا المشهد المقتضب من مسلسل حرب المفاهيم، نعود إلى التساؤل حول ما إذا كان السبب في ما آل إليه حالنا في هذا الشأن مرتبطًا بما أحال إليه السيد أحمد توفيق في رسالته للسيد عبد الإله بنكيران من اقتباس نظامنا لمبادئ نظام غربي علماني، فصرنا نرعى حول الحمى بل ونواقعها، فلا نجد في ذلك غضاضة بدعوى التقدم والحداثة؟ هذا النظام الغربي العلماني الذي كان يحكمنا في فترة الحماية وصدرت في عهده نصوص هي من أصل أحكام الشريعة وجوهرها، وتم تعطيلها فيما بعد أو المطالبة بتغييرها، كتجريم الإفطار العلني في رمضان بالنسبة للمسلمين ومنع التعامل بالربا بينهم وغيرها من الأحكام والمقتضيات التشريعية.
فهل ألزمنا أنفسنا في استقلالنا بما عجزت حماية النظام العلماني عن إلزامنا ؟؟؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى