تصوير المسألة:
في البلدان غير الإسلامية يكون يومُ الجمعة يومَ عمل وليس يومَ إجازة. ووقت العمل يمتد إلى دخول وقت العصر، أو ما هو قريب منه، حسب وقت العصر في مختلف فصول السنة..
وهذا ينجم عنه أن نسبة كبيرة من المسلمين في تلك البلدان؛ من التلاميذ والطلبة والمدرِّسين، وعموم الموظفين والعاملين في الشركات، وممن تكون لهم ارتباطات ومراجعات إدارية أو قضائية متكررة.. لا يستطيعون إدراك صلاة الجمعة في وقتها المعتاد، وهو الزوال على قول الجمهور.. وأشدُّ المتضررين من الانقطاع الطويل عن صلاة الجمعة وخطبتها، وعن المسجد وجمهوره وأجوائه، هم الأبناء، من الشباب والأطفال واليافعين.. وهو ما يشكل خطرا على دينهم وانتمائهم الإسلامي.
فهل يجوز في هذه الحالة ومثيلاتها تأخير إقامة الجمعة إلى آخر وقت الظهر، أو حتى إلى حين دخول وقت العصر، لتمكين كافة المسلمين من حضورها؟.
أولا: قول الجمهور
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن وقت صلاة الجمعة يبتدئ بالزوال، وينتهي بدخول وقت العصر. فمن فاتتهم الجمعة في هذا الوقت فلا جمعة لهم بعد ذلك، وإنما يصلون الظهر أربع ركعات، سواء كانوا أفرادا أو جماعة.
وأهم أدلتهم على ذلك هي:
1. حديث إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: كنا نصلي مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الجمعة، فنرجع وما نجد للحيطان فيئا نستظل به.
فدل الحديث، وأحاديث أخرى، على إقامة صلاة الجمعة، على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، في أول الزوال..
2. ما جرى به العمل عند عامة المسلمين، من زمن الصحابة إلى الآن، وهو إقامة الجمعات في وقت الظهر، دون تجاوزه.
3. كون صلاة الجمعة جعلت بدل صلاة الظهر؛ فيكون وقتهما واحدا، بداية ونهاية.
ثانيا: قول المالكية
يتفق المالكية مع الجمهور في أن وقت صلاة الجمعة يبتدئ من الزوال. وأما نهايته فلهم فيه أقوال متعددة، يمتد أوسعها إلى الغروب. قال أبو الحسن الرجراجي: “وأما آخر وقتها: فقد اختلف فيه المذهب على خمسة أقوال…”. وهي كلها تتراوح بين انتهاء وقت الظهر (أي: كقول الجمهور)، وغروب الشمس. وأوسعها مروي عن الإمام مالك نفسه، وعن تلميذه الأكبر ابن القاسم. قال الرجراجي: “والخامس: أنها تصلَّى ما بينهم وبين الغروب، وإن لم تصلّ العصر إلا بعد الغروب، وهي رواية مُطرِّف عن مالك رحمه الله، وهي قول ابن القاسم في رواية ابن عتاب”.
وفي (المدونة): “ما جاء في صلاة الجمعة في وقت العصر.
قلت لابن القاسم: أرأيت لو أن إماما لم يصل بالناس الجمعة حتى دخل وقت العصر؟ قال: يصلي بهم الجمعة ما لم تغب الشمس، وأن لا يدرك بعض العصر إلا بعد الغروب”.
نظرات في الأدلة ودلالاتها
أولا: الأحاديث والآثار
وهي تدل على مشروعية إقامة الجمعة زوالا، أو قبيل الزوال.. ولكنها لا تدل على منع إقامتها بعد ذلك. فشأنها شأن سائر الصلوات المفروضة، التي جرت السنة، وسار المسلمون، على إقامتها في أول وقتها. وذلك يؤكد أفضلية التعجيل بالواجبات في أوائل أوقاتها، ولكنه لا ينفي جواز إقامتها في آخر وقتها، في أحوال وظروف تستدعي ذلك.
وفي حديث الصحيحين، عن ابن عباس أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلى بالمدينة سبعا وثمانيا، الظهر والعصر، والمغرب والعشاء.
وفي صحيح مسلم: عن ابن عباس قال: “جمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة، في غير خوف ولا مطر. في حديث وكيع قال قلت لابن عباس: لـمَ فعل ذلك؟ قال كي لا يحرج أمته. وفى حديث أبي معاوية قيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته”.
ثانيا: الجمعة جعلت بدلا عن الظهر،
وعليه، فلا بد أن ينتهي وقتها بنهاية وقت الظهر؛ لآن البدل يقوم مقام المبدل منه.
قلت: البدل يقوم مقام المبدل منه من حيث المقصد والحكمة، وليس شرطا أن يكون مثلَه من جميع الوجوه. وبين صلاة الظهر وصلاة الجمعة اختلافات عديدة معلومة.
هذا مع العلم أن الجمع بين الظهر والعصر، تأخيرا للظهر، أو تقديما للعصر، ثابت في السفر والحضر، دفعا للحرج، كما تقدم في حديث ابن عباس.
ثالثا: الرخص أحكام استثنائية عابرة وليست للدوام
ومما يُعترض به على تأخير صلاة الجمعة إلى آخر وقت الظهر، أو إلى حين دخول وقت العصر، القول بأن الرخص تكون لأعذار وأحوال عابرة، ولا يجوز أن تصبح هي الأصل. بمعنى أن صلاة الجمعة يجب أن تقام في أول وقتها، كما جرى به العمل في جميع العصور، وتأخيرها يبقى عملا استثنائيا، لا يجوز تعميمه واستدامته.
وهذا الاعتراض يدخلنا في صلب نازلتنا وخصوصيتها المعاصرة..
بين الأمس واليوم
عاش المسلمون قرونا في بلدانهم ومجتمعاتهم، وفي ظل دولهم وشريعتهم. ولكنهم اليوم انتشروا واستقروا وتناسلوا – بالملايين – في كل أنحاء العالم غير الإسلامي. وأصبحوا يواجهون أوضاعا ونوازل وإشكالات غير مسبوقة، ولا لها نظير أو شبيه فيما مضى من الأحوال والنوازل التي عرفها الأسلاف، أو تكلم فيها الفقهاء..
فهل سنظل نواجه هذا الواقع الجديد بفقه الواقع القديم، أو – في أحسن الحالات – نواجهه بتخريج الفروع على الفروع، وما أبعد الفروع عن الفروع؟! يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا، اقدروا له قدره».
وفي مسألتنا، نجد ملايين المسلمين يعيشون في ظروف ساحقة ماحقة حالقة.. ومن ذلك أن يوم الجمعة هو يوم عمل ودراسة، وهو ما يجعلهم يفقدون زادهم الأسبوعي، لإيماني والثقافي والاجتماعي، بتعذر حضورهم صلاة الجمعة، فيفقدون إشعاعها وغذاءها وشحنتها..
ثم يأتيهم من يقول لهم: إذا فاتتكم الجمعة في أول وقتها، فصلُّوا الظهر أربعا..!
والواجب هو أن نقول للمسلمين في الغرب، وفي كل البلاد غير الإسلامية: إذا تعذر عليكم إقامة الجمعة في أول وقت الظهر، فأقيموها في آخر وقت الظهر، قبل دخول وقت العصر. وإذا امتدت إقامتها – في بعض الأوقات من السنة – حتى دخول وقت العصر فلا بأس بذلك، وجمعتكم صحيحة.
المهم: لا بد من الحرص التام على تمكين كافة المسلمين من شعيرة الجمعة، وأن يتجمعوا في جمعة واحدة في كل مسجد أو مكان مخصص لإقامتها، في الوقت الذي يناسبهم، أو يناسب أكبر عدد منهم، على التفصيل المذكور آنفا.
وهذه ليست رخصة، بل هي العزيمة التي تحفظ على المسلمين دينهم وشعائرهم وأخوتهم.
وأما إقامة الجمعة ثلاث مرات في المسجد الواحد، في أول الوقت، وفي وسطه، وفي آخره، فتتنافى مع مقصود الجمعة، الذي يدل عليه اسمها، وهو التجميع والاجتماع. فإقامة جمعة واحدة، ولو في آخر وقتها، أفضل من إقامتها مرتين أو ثلاث مرات، وجمعتان عند الضرورة أفضل من ثلاث.
12 جمادى الآخرة 1446ه/ 13ديسمبر2024م




