رأي

الثورة السورية والحاجة للاستفادة من رواد مدرسة النقد الذاتي (جودت السعيد ،خالص جلبي ، فهد النفيسي )

ذ - محمد يتيم

كنت قد شاركت في ندوة مع مجموعة من الفاعلين والنشطاء السياسين و الكتاب والإعلاميين السوريين والمثقفين العرب حول القضية السورية .
وقد عثرت -وأنا أقلب في أرشيفي الرقمي – على الورقة التي انطلقت منها في الندوة المذكورة ،
وحيث أن ما ورد فيها من أفكار لا تزال له راهنية خاصة في ضوء التطورات الجارية على الساحة السورية ، فقد ارتأيت أعيد أنشر العناصر التي تناولتها في الندوة المذكورة مع بعض التدقيقات والإضافات التي تستحضر التطورات الجارية والرهانات المعلقة على الثورة السورية ، منطلقا في تقديري من رؤية حزب العدالة والتنمية ، في معالجة مثل هذه القضايا ،
هدا المقال يستند الى مضمون الورقة المشار إليها مع عدد من الإضافات التي تستحضر التحولات الجارية في سوريا في الآونة الأخيرة
أولا : رؤية حزب العدالة والتنيمة للتطورات العربية والإقليمية
في هدا المحور كنت قد تناول العناصر التالية :
– إن رؤية الحزب في مقاربة الملفات الإقليمية والدولية تنطلق من رؤية الدولة المغربية بمختلف مكوناتها ورغبتها في تمكين المبادرات السياسية لحل كافة قضايا والمشاكل .
– الحياد الإيجابي والمبادرة الفاعلة إلى حلحلة الملفات الإقليمية والدولية والدفع بها قدما نحو الأمام.
-الانحياز للقرار المتبلور من رحم المجتمعات وفعالياتها وحساسياتها المختلفة، إدراكا منه إلى أن الحل الحقيقي هو الحل المنبعث من الذات، وليس الحل المملى من الجهات الخارجية مهما صدقت نوايا بعضها.
-الانحياز لمصلحة الشعوب وحقها المشروع في بناء دولة الحق والقانون حيث تسود الحرية والكرامة في ظل الديمقراطية كنظام يضمن للجميع حقوقهم دون تمييز أو إقصاء طائفي أو عرقي أو اجتماعي أو غيره
-الإسهام في بلورة الحلول الممكنة للمشكلات والتوافق على خطط بديلة غير المواجهات العنيفة التي تزيد في إراقة دماء الشعوت وتشريدها
-رفض استخدام القوة العسكرية لقمع الشعوب ومواجهة مطلبها واحتجاجاتها السلمية للمطالة بالديمقراطية وبحقوقها المشروعة
– منهج الحزب الذي يميل إلى ترجيج التوافق لحل كل الإشكالات ما أمكن ، التوافق الذي تجد فيه كل الأطراف ذاتها ومصالحها.
-السعي إلى بناء تعاون مع شركاء المجتمع السياسي والمدني ممن يملكون رصيدا من المصداقية والالتزام بالحل السلمي للقضايا والإشكالات.

فيما يتعلق بالمنطقة العربية
-رفض التدخل الأجنبي وتدخل المشاريع الإقليمية والطائفية او المشاريع الدولية ذات البعد الجيواستراتيجي والمنخرطة في الصراع الدولي
-رفض رهن القرار العربي بدوائر خارجية تقتات على إذكاء الصراعات الطائفية والقومية في هذه البلدان العربية والتعاون مع من يعمل في هدا الاتجاه
-دعم القرار الوطني للدول العربية وخاصة تلك التي تعاني أوضاعا غير مستقرة ( سوريا ، اليمن ، ليبيا في تقديري
-الدفاع عن قضايا الأمة وتبني كل ما يساهم في تعزيز قوتها ووحدتها وتقدمها وتعزيز اللحمة بين مكوناتها
-الحفاظ على ما يمكن المحافظة عليه من مصالح الشعوب العربية في ظل هذا الانهيار بعد هذه السنوات العشر من بداية” الربيع العربي ” ، والحفاظ أيضا على ما تبقى من المنظومة العربية التي تم تخريبها شرقا وغربا وأصبحت بفعل الواقع في وضع لا تحسد عليه ( حوالي 12 دولة عربية تعيش جزئيا أو كليا اضطارابا في أوضاعها

فيما يتعلق بالوضع السوري حاليا
-الحاجة للانطلاق من أرضة مشتركة للمصالحة الداخلية والتوافق حول مشروع للتغيير هو الضمانة الأساسية لنجاح ولاستعادة الثورة لوهجها بما يمكن لأي طرف متعاطف مع الشعب السوري أن يقدم الدعم السياسي للمطالب المشروعة للشعوب العربية
-البحث فيما يتعلق بالقضية السورية عن توافق واسع بين مختلف الفصائل ، فالخلاف بين الفصائل الوطنية هو الذي أدى إلى تراجع المكاسب التي حققتها الثورة في بداية انطلاقتها وانقلاب المعادلة لمصلجة النظام بعد أن استغل هو وحلفاؤه الإقليميون والدوليون الصراعات بينها .
– مكسب جنيف في بداية الثورة : الذي أقر بضرورة مرحلة انتقالية بما يعنيه إزالة النظام القائم من خلال تأسيس هيئة حكم انتقالي بصلاحيات تنفيذية كاملة تتضمن أعضاء من الحكومة السورية ، ولكن تتضمن المعارضة ويتم تشكيله على أساس القبول المتبادل من الطرفين وصيغته مؤيدة للثورة ( اعتراف الرئيس الأمريكي أوباما بالإئتلاف الوطني السوري المعارض ممثلا شرعيا ،
– مخرجات مؤتمرات أصدقاء الشعب السوري ومنها مؤتمر مراكش الرابع والذي كان خطوة إضافية في دعم الثورة السورية ودعم المجتمع الدولي
-الخلافات بين الفصائل عصفت بمكتسبات المؤتمر ألمدكور ، وأدخلت مفاوضاته في متاهات تقنية وقانونية خاصة ما يتعلق بالأمور الدستورية والقانونية في جولاتها الثمانية ، ومكنت الدب الروسي من كسب الوقت واستغلال خلافات المعارضة لربح مواقع في الميدان وتقوية وجوده العسكري ، وتزايد القصف العشوائي بالصواريخ ، والأسلحة المحرمة مما أدى إلى تغيير المعادلة و الهحوم على حلب التي كانت في أيدي المعارضة ،

أي حل ينبغي أن ينطلق من الداخل ووحدة المعارضة

وفي جنيف 7 طالب ديميستورا بوحدة المعارضة مما يعني أن الخلل أصبح كبيرا , فالمشكل داخلي ونجاح أي مشروع ينبع من الداخل ، مشروع موحد ، وغيابه هدا هو سر التراجع في الميدان
وكنت قد أشرت لأمثلة سابقة ولتجارب للمعارضة ومنها :
-ميثاق شرف للعمل السياسي في سوريا سنة 2002 في لندن بين فصائل المعارضة السورية
-إعلان دمشق للتغيير سنة 2005 الذي ضم عددا من قوى المعارضة ،
– جبهة الخلاص الوطني المعارضة في المنفى مع عبد الحليم خدام وتجارب عديدة ، كان من الممكن استثمارها في بناء مشروع وطني تجتمع حوله القوى الوطنية وهو ما لم يحدث ، مما بدد عددا من المكاسب التي حققتها الثورة السورية في السنوات الأولى لبدايتها (كان قد الثوار وصلوا إلى مشارف دمشق ) بينما أدت الخلافات لفتح المجال للتدخل الروسي والإيراني ، مما دفع ثمنه غليا الشعب السوري ، من خلال الاف الضحايا وملايين المهجرين خارج وداخل سوريا ، مما يتطلب العودة إلى مشروع وطني جامغ

التوجهات الأساسية لحزبالعدالة والتنمية في مواجهة التحديات
أما المحور الثالث من الورقة ( المحاضرة ) فتناول التوجهات الأساسية لحزبالعدالة والتنمية في مواجهة التحديات ، حيث تم التأكيد على المعطيات التالية
– الخصوصية المغربية وانغراس الحزب في تلك الخصوصية الوطنية المغربية
– طبيعة الدولة المغربية حيث قطع الحزب مع باراديغم ” إقامة الدولة الإسلامية : أو الخلافة الإسلامية على اعتبار أن المغرب كان على الدوام دولة إسلامية فائمة الذات ولم يكن سياسيا خاضعا أو تابعا للدولة الإسلامية في المشرق (دولة الخلافة )
– انطلاق الحزب في توجهاته وأدبياته الفكرية والسياسية من نهج الشراكة والمشاركة ونهج الإصلاح في نطاق الاستقرار .

أدبيات حركة التوحيد والإصلاح والاستفادة من تجربة النقد الذاتي في الأدبيات السورية
وقيما يتعلق بحركة التوحيد والإصلاح وبالتتبع حزب العدالة والتنمية ، ققد استفادا من عدد من الأدبيات التي أنتجها بعض المفكرين السوريين من قبيل الدكتور رمضان البوطي الدي حاضر أمام الملك الحسن الثاني رحمه الله في الدروس الحسنية ، كما كان كتابه في “فقه السيرة ” معتمدا داخل الحركة،
كما كانت بعض الكتابات السورية النوعية ذات تاثير خاص ومرجعا في تعزيز التوجه السلمي في العمل الإسلامي ونبد العنف ، من قبيل كتاب ” مذهب ابن آدم الأول: مشكلة العنف في العمل الإسلامي ” للمفكر السوري جودت السعيد، ” في النقد الذاتي للحركة الإسلامية ” وهو عنوان من عناوين كتب المفكر السوري خالص جلبي ، ، وفي الانتقال من براديغم ” إقامة الدولة الإسلامية ” إلى براديغم إقامة الدين ، دون إغفال كتابي : ” المنطلق ” ” والعوائق ” للمفكر العراقي الدكتور محمد أحمد الراشد اللذين هما في نظري كتابان يندرج في باب أخلاق العمل الجماعي
وتشهد عدد من أدبيات الحركة من قبيل الفقه الدعوي للدكتور سعد الدين العثماني ، وكتابنا العمل الإسلامي والتغيير الحضاري ، والعمل الإسلامي بين الدعوي والسياسي ، على ذلك التحول ، وأيضا المحاضرات واللقاءات التأطيرية التي كان يقوم بها الأستاذ عبد الإله بن كيران وعبد الله بها ، وغيرها من إسهامات قيادات الحركة وأطرها منذ وقت مبكر قبل الانتقال للعمل السياسي في شكله الحزبي

خالص جلبي والنقد الذاتي للحركة الإسلامية
ولا أجد من نص أكثر عمقا في هدا السياق مما كتبه الدكتور خالص جلبي -الذي سبق له أن حاضر في المغرب ، وكانت كتاباته ملهمة لنا في المغرب حين قال :
“والحضارات تسقط ليس بالهجوم الخارجي بل بالانتحار الداخلي ، والمرض الطويل الذي يسلمها إلى الموت في النهاية ،
وعندما تموت الأبقار فتصبح جيفاً ، وتسقط على الأرض تأتي الغربان فتقعد عليها ، فنعرف الموت من تسلط الغربان أكثر من الجثة المستلقية ؟! .
ويستدل خالص جلبي بقوله تعالى : “وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوماً آخرين ” على أن سقوط الحضارات والدول يرجع في الأساس إلى عونل داخلية مستشهدا بما أورده المؤرخ البريطاني توينبي حين يقول :
“أن الحضارة تبدأ بأقلية مبدعة تسوق الناس على أنغام المزمار بآلية المحاكاة ، وتتوقف لتنهار بعد ذلك ، عندما تتحول تلك الأقلية المبدعة إلى أقلية مسيطرة تسوق الناس بالسوط ، وينشق المجتمع عند ذلك إلى طبقات ، ويصاب بالمرض الفرعوني . الذي لعنه الله في القرآن
وحتى يمكن فهم هذه الظاهرة المروعة لا يوجد هناك شاهد أكير من تاريخنا ؛ حين هوت الدولة والمجتمع الإسلاميان تحت السيف المغولي ،
إن التاريخ ينقل لنا قصصاً لاتكاد تصدق ، سواء من مستوى القيادة ، أو مستوى الأمة ، من قبيل اتصالات مريبة من السلطان العباسي ( الناصر لدين الله ) الذي راسل جنكيزخان يدعوه لغزو بلاد خوارزم ، لتخليصه من منافسه هناك ( جلال الدين ) ، والذي كان يخشى من زحفه باتجاه بغداد ، فجاءه طوفان يأجوج ومأجوج بعد ذلك ليعدم ولده المستعصم وأحفاده وحفيداته . أو في حكايات ( جلال الدين ) الذي كان مغرماً بطواشي له ( خادم خصي )
فعندما مات فقد عقله وامتنع عن الطعام والشراب ، وأنكر موته ، وحمل تابوته على رقاب قواد الجيش ( كذا ) ، أو في استعدادات الخليفة العباسي لمجابهة الحصار المغولي وهو مضطجع لجارية تلعب بين يديه وتضحكه ، والنبال المغولية تتساقط على دار الخلافة كزخ المطر ،
لم يصح الخليفة إلا حينما تقتل هذه المحظية بين يديه بسهم جاءها من بعض الشبابيك ؟!! ،
ويعقب ابن كثير على هذه الواقعة التي هي أقرب الأسطورة فيقول :
” إن السهم كان مكتوباً عليه : إذا أراد الله إنفاذ قضائه أذهب من ذوي العقول عقولهم ؟””
أو في قصة التتري الذي أمسك مسلماً ليذبحه ، فلما أضجعه للذبح ، استدرك أن سيفه قد سقط منه ، فأمره بالبقاء حيث هو ، ثم غاب الجندي التتري سويعة وعاد وهو لايكاد يصدق ،
فالمسلم مازال ينتظر الذبح لأن غريزة التمسك بالحياة قد تلاشت ، ”
ويعقب خالص جلبي قائلا :
” فأمة من هذا النوع لا يحتفظ بها التاريخ ، ولايوقرها الجنس البشري بل يمشي عليها القانون الإلهي : ” وإن تتولوا يستبدل قوما ًغيركم ثم لايكونوا أمثالكم “مستشهدا بما أورده ” ويل ديورانت ” على الاجتياح المغولي في أسبابه الدفينة البعيدة حين قال :
” واجتمع الانغماس البيقوري في الملذات ، والهزال الجسمي والعقلي ، وخور العزيمة والعجز الحربي ، والانقسام الديني ، والالتجاء إلى المراسم الغامضة الخفية ، والفساد السياسي والفوضى الشاملة ،
اجتمعت هذه العوامل كلها وائتلفت لتحطيم كل شيء في الدولة قبل الغزو الخارجي “.
واليوم تبدو الثورة السورة اكثر حاجة إلى استعادة ما أفرزته تلك المدرسة الفكرية التي اعتمدت مقاربة النقد الداني ونقلها من الفكر الحركي إلى تجربة بناء الدولة ، وهو الرهان والتحدي الأكبر الدي يواجهها .
ويتعين هنا أن نشير أيضا إلى ما كتبه الدكتور عبد الله فهد النفيسي مادة النقد الفكري في نقد العقل السياسي الإسلامي، وسعيه لتأصيل فكرة أن مصدر شرعية الحاكم هو الأمة، وأن لهاولها حق مراقبته بل عزله، وقضية إلزامية الشورى ، وقضايا الحقوق والحريات، وقضية الرقابة الشعبية ، وأهمية فهم السياق السياسي الذي يتحرك فيه الإسلاميون، ونسق العلاقات القائمة ضمنه، وموازين القوى السائدة، وغيرها من المفاهيم التي تدخل ضمن سياق تنهيج العقل السياسي للحركة الإسلامية ، مما يمكن الرجوع له في مقال لاحق إن شاء الله .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى