رأي

وقفات فقهية نقدية مع تعديلات المدونة الأسرية (4)

د. أنس القرباص

برهنا في المقال الثاني الذي خصصناه لمناقشة التعديل الثاني من تعديلات مدونة الأسرة المتعلق بـ”إيقاف بيت الزوجية عن دخوله في التركة”، على أنه تعديل يناقض الشريعة من أوجه أربعة، الأول: من حيث حقيقة التركة في اللغة والشريعة، والثاني: من حيث انحصار الحقوق المتعلقة بالتركة بالاستقراء، والثالث: من حيث بطلان تعليل تخصيص الزوجة ببيت الزوجية دون بقية الورثة، والرابع: من حيث إنه أنه لا يجوز للوارث أن يأخذ أكثر من حقه إلا بإذن الورثة، كما أننا خصصنا بالإضافة إلى هذه الأوجه الأربعة، مسألة أبطلنا فيها الدعوى القاضية بأن إخراج “بيت الزوجية” من التركة، هو من باب ما اصطلح عليه بـ”العمرى الواجبة”.

لكن ورد علينا إشكال مفاده: “أن المجلس العلمي الأعلى استبدل مصطلح “العمرى” بـ”الإيقاف” كما ورد في الوثيقة المنشورة، وأن هذا تدقيق مهم لعدم الخلط بينهما… وأيضا فإن حكم القاضي أو ولي الأمر بإيقاف توزيع التركة أو جزء مقدر منها لسبب من الأسباب المشروعة معمول به في حالات متعددة في الفقه الاسلامي “.

والجواب عن هذا الإشكال، متحقق فيما يلي:

1- من الجميل أن تحافظ اللجنة العلمية الممثلة للمجلس العلمي الأعلى على المصطلحات الشرعية…، لكن ما فائدة الحفاظ على هذه المصطلحات حينما يكون مقابل ذلك هو ضياع الحقائق والأحكام الشرعية نفسها، كما سيتضح لقارئ المقال.

2- تردد اللجنة العلمية المذكورة واضطرابها في التسمية والاصطلاح في هذه المسألة – إذ إن وزير الأوقاف في تصريحه سماها “العمرى الواجبة لسكنى الزوج”، بينما سُميت في هذا البيان الذي جاء في موقع وزارة الأوقاف ب “إيقاف السكنى، – دليل على أن الحكم في القضية كان سابقا على الاجتهاد، أو بعبارة ذات طابع منطقي: النتيجة وُضعت واستُخلصت قبل المقدمتين، ومن ثم وقع الاختلاف في المقدمات التي توصل إلى النتيجة المحددة سلفا، على أن استعمال مصطلح “إيقاف السكنى” بدل “العمرى الواجبة” خاصة مع فوات الحكم الشرعي هو أنسب وأفضل، لأنه ليست له حقيقة شرعية.

3- تقرر بنصوص القرآن والسنة والإجماع، أن الميراث – بعد استيفاء الحقوق الأربعة المعروفة – هو ملك للورثة، ينتقل إلى ملكيتهم بمجرد وفاة المورث، ومن الأدلة الصريحة على هذا – على سبيل التمثيل لا الحصر-: قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: “مَنْ فَرَّ مِنْ مِيرَاثِ وَارِثِهِ قَطَعَ اللَّهُ مِيرَاثَهُ مِنَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ” (رواه ابن ماجة، وغيره بنحوه).

وعلى هذا، إذا كان الورثة يملكون ميراث مورثهم بالاتفاق – والتملك يقتضي التصرف في الشيء المملوك والانتفاع به -، فكيف يمنعون من حقهم في التصرف والانتفاع فيما ملكهم إياه الشرع؟

4- استعمال مصطلح “الإيقاف” في هذا السياق، هو استعمال فيه نوع من التلبيس والتدليس؛ لأن حقيقة الإيقاف في نهاية الأمر، هي: حرمان الورثة من التصرف والانتفاع فيما يملكونه مدة زمنية غير معلومة، ولا حاجة هنا أن نورد الآيات والنصوص الدالة على تحريم حرمان الورثة من حقهم، إذ هي مستفيضة ومتواترة، وهي بالمناسبة مطلقة، وتفيد العموم (وهذا الدليل وحده يكفي في إثبات بطلان هذا القول ومخالفته للشريعة).

ولكي تتضح الفكرة، لا بأس في أن نعرض عليكم “صورة” تطبيقية في المسألة، نبين لكم فيها أمران مهمان:
الأول: الفرق بين الحكم الفقهي الشرعي، وبين هذا الحكم الوضعي المطابق لتعديلات مدونة الأسرة.
الثاني: وجه تحقق الحرمان والظلم الذي ألحق بالورثة وفق التعديل المنصوص عليه في مدونة الأسرة.
الصورة: توفي هالك (رجل) وترك زوجة وأما وأبا، وكان كل ما خلفه في الميراث هو “دار سكناه”، وبعد مرور 10 سنوات، توفي كل من أبيه وأمه، وبقيت زوجته حية بعدهما.

– الحكم حسب التصور الفقهي الشرعي: أن الدار التي تعد ميراث الزوج الوحيد، تقسم بين ورثته وفق ما هو منصوص عليه في الشريعة؛ حيث يكون للزوجة الربع 4/1 لعدم وجود الفرع، وللأم الثلث 3/1 لعدم وجود الفرع، والأب (ع) يرث ما بقي بالتعصيب.

– الحكم حسب التصور الوضعي الجديد: أن الدار تنتفع بها الزوجة، ولا شيء للأب والأم؛ لأنهما توفيا – حسب المسألة – بعد وفاة ابنهما ب 10 سنوات، ولأن الزوجة ظلت حية بعدهما.
فالنتيجة البدهية المستخلصة من هذه المقارنة: أن الأب والأم قد حرما معا في هذه المسألة من ميراث ابنهما الذي هو حقهما، فلا يقولن قائل بعد هذا: إن الأمر لا يتعلق بحرمان الورثة؛ لأنه إذا لم يكن هذا حرمانا من الميراث، فماذا سنسميه مثلا؟

5- وعلى هذا، يكون “الإيقاف” “حرمانا” في حقيقة الأمر (من باب تسمية الأشياء بمسمياتها)، وحرمان الورثة من ميراثهم أمر محرم تحريما قطعيا (سواء أكان الحرمان كليا كما في الصورة أعلاه، أو جزئيا كما هو حاصل في بقية الصور الأخرى)، ولا ينقله من “الحرمة” إلى “الحلية” قضاء القاضي، أو اجتهاد المجتهد.

(يتبع ……)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى