رأي

المدونة النسوية والعروس الهندوسية

م. اسماعيل العلوي

من أجل مناهضة التمييز واللامساواة بين الرجال والنساء في المملكة المغربية، انطلقت حملة جديدة مدنية حقوقية، تتصدرها 8 فنانات و10 جمعيات نسائية، بدعم خارجي سخي ومساندة من المنظمة الأممية، فارتفعت أصوات عالية بضرورة اصلاح المدونة وتغيير القوانين المجحفة والظالمة للمرأة المغربية، ووضع تشريعات تضمن المساواة والعدالة الجندرية، ولا شك أنها معركة نبيلة هدفها فقط :النهوض بالمساواة وتوسيع هامش الحريات والديمقراطية..
إنها تسعى بكل إخلاص لاستكمال حقوق النساء، وتسهيل مسطرة التطليق للشقاق أمام القضاء، وكذا تجاوز رجعية الظلاميين وجمهور المحافظين من العامة والعلماء، فهي بحق مدونة للمرأة بغض النظر عن حقوق الزوج المستهدف، والأب والجد والأبناء، لم يعد التيار الحداثي على الهامش عندنا، بل أصبحت له مؤسسات دستورية وبرلمانيون ووزراء! لذلك فأصواتهم اليوم بلغت باستفزازها عنان السماء..
فرح النسوانيون وهللوا بما تسرب من مقترحات وتوصيات وتعديلات، ولم يكتفوا بذلك بل طالبوا بمزيد من التغييرات، ولكن عموم الشعب انتفض وأشعل مواقع التواصل في مختلف المنصات، ولم يقف الأمر عند مجرد الجدل وتوجيه الانتقادات، بل قامت عدة أصوات بدق ناقوس الخطر وانتشرت العديد من التحذيرات، وبادر بعض الرافضين إلى إطلاق عريضة لجمع التوقيعات..
لم تلتفت النسوانيات ومن وراءهن وضحاياهن إلى تلك الانتقادات العارمة الشعبية، وما رافقها من تهكم وتندر وسخرية، بل وصفوها بأنها مقاومة للتغيير وتعبير عن “ثقافة ذكورية”! وأن تلك التعديلات جاءت بعد مخاض عسير من المنظمات النسوية الحقوقية، التي تصطدم في كل مرة بموروث ثقافي راسخ وعادات اجتماعية..
ومن أجل الرقي بالمجتمع المغربي وتجنيبه مغبة الفتنة في هذه القضية، أمر أمير المؤمنين بتكوين لجنة متعددة استشارية، هدفها اقتراح مراجعة جوهرية لما كان يسمى “مدونة الأحوال الشخصية”، وزودها جلالته بتوجيهاته السامية، الداعية إلى الأخذ بمقاصد الإسلام السمحة الضامنة للكرامة الإنسانية، مع احترام المذهب المالكي والاجتهاد لوضع مدونة عصرية للأسرة المغربية..
وبدل أن ترتقي اللجنة ورئيسها “الحداثي” إلى مستوى التطلعات والثقة المولوية، جاءت كما وصفها البعض بـ”مقترحات كارثية”، إذ لم تأت التعديلات من أجل المساهمة في حل النزاعات الأسرية، بل لزرع ألغام خفية تعطي نتائج عكسية، حيث أصبح من حق المطلِّقة الحصول بسهولة على “بيت الزوجية”!
فقد فرحت الجمعيات النسائية وغيرها بتيسير طلب التطليق والطلاق، وأن الطلاق اصبح سهلا جدا أمام العدول بعد التفاهم والاتفاق، كما سعدت الكثيرات بمقترح الزواج بعد التطليق مع استمرار الإنفاق! في العقدين السابقين عرفت نسبة الطلاق ارتفاعا كبيرا بتطبيق تطليق الشقاق، وهاهم يسهلون “أبغض الحلال” أكثر باعتماد الاتفاق..!
فوجئ النسوانيون والحركات النسوية بالانتفاضة الشعبية على المنصات الالكترونية، وكادوا يغرقون في طوفان التهكم وأمواج السخرية، ولم يجدوا إلى قاموس “خطابات الكراهية” والخوف من فقدان الامتيازات و”الهيمنة الذكورية”، فهم لم يعترفوا بالمقدسات والثوابت المغربية، لذلك جاءت مقترحاتهم بجرعة “تقدمية” استفزازية، لم تحترم التوجيهات السامية، وخارجة عن الأعراف والتقاليد المغربية..
كيف يعقل أن يكون استطلاع رأي العروس في التعدد يوم فرحها بطريقة إجبارية؟! هل يعد إنفاق الرجل على أسرة زوج زوجته السابقة من حقوق المرأة الأساسية؟! كيف يمنح القانون المقترح للمطلقة “بيت الزوجية”؟! لماذا يُضَيّق القانون المقترح على العلاقات الزوجية الشرعية، ويطالبون بتجريم تزويج القاصر والتعدد المباح في الشريعة الإسلامية، ولكنهم يبشرون بالحريات الفردية وعدم تجريم العلاقات الرضائية؟! وحتى إذا نتج حمل عن تلك العلاقات غير الشرعية، فلن تقلق الضحية أبدا فإنهم سيضمنون لها إثبات النسب منه عبر الخبرة الجينية!
إنهم يسعون بتخريب الأسرة المغربية إلى تنفير الشباب من الإقدام على الحياة الزوجية، مما يهدد مجتمعنا ودفع بناتنا نحو مصير العروس الهندوسية!
لا حل إلا بالرجوع إلى التعليمات السامية، واعتماد مقاربة تشاركية واسعة حقيقية، وتطهير المشروع من كل المخالفات التي تضمنتها التعديلات الحداثية، والسعي لإنضاج الصيغة النهائية، بعيدا عن أي ظلم للزوج وحرمانه من القوامة وحقوقه الشرعية..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى