
“هل قال ابن حزم بحضانة المطلقة المتزوجة مطلقا دون قيد أو شرط؟”
تحدثنا في مقالنا السابق عن التعديل القاضي ببقاء حق الحضانة للمطلقة التي تزوجت، وبينا أن هذا القول مخالف للسنة، والإجماع، وأقوال الصحابة وأقضيتهم.
واليوم، نقف بحول الله وقوته مع قول ابن حزم في المسألة، موضحين أولا مذهبه – لا كما نُسب إليه -، ومناقشين ثانيا حججه وأدلته.
أولا: مذهب ابن حزم في حضانة المرأة المطلقة المتزوجة.
خصص الإمام ابن حزم في كتابه المحلى فصلا خاصا بأحكام الحضانة، وأول مسألة تناولها في هذا الفصل، مسألة: “الأم أحق بحضانة الولد الصغير والابنة الصغيرة”، فقال في مستهلها: “الأم أحق بحضانة الولد الصغير والابنة الصغيرة حتى يبلغا المحيض، أو الاحتلام، أو الإنبات مع التمييز، وصحة الجسم – سواء كانت أمة أو حرة، تزوجت أو لم تتزوج، رحل الأب عن ذلك البلد أو لم يرحل”. (انظر: المحلى بالآثار، 10/133).
فهذا النص الذي نقلناه عن ابن حزم يوضح أنه يرى بقاء حضانة المطلقة لأولادها حتى وإن تزوجت، لكن هذا الحكم عند ابن حزم ليس على إطلاقه، إذ إنه مقيد عنده بقيد آخر، وهو: أن تكون الأم متصفة بالأمانة في الدين والدنيا، قال في ذلك: “فإن لم تكن الأم مأمونة في دينها ودنياها نظر للصغير أو الصغيرة بالأحوط في دينهما ثم دنياهما، فحيثما كانت الحياطة لهما في كلا الوجهين وجبت هنالك عند الأب، أو الأخ، أو الأخت، أو العمة، أو الخالة، أو العم، أو الخال – وذو الرحم أولى من غيرهم بكل حال، والدين مغلب على الدنيا”. (المصدر نفسه).
فالحضانة عند ابن حزم منوطة بصلاح الحاضن (وهذا باتفاق أصحاب المذاهب كما سنذكره لاحقا)، فإن كانت الأم صالحة استحقت الحضانة، وإن لم تكن صالحة، انتقل حق الحضانة إلى الأب وغيره، وإذا ما نظرنا نحن إلى التعديل المذكور، فإننا نجده قد أعطى المطلقة المتزوجة الحق في بقاء حضانتها مطلقا، سواء كانت صالحة أو غير صالحة، وهذا التعديل بهذا الإطلاق لم يقل به حتى ابن حزم، كما رأينا.
ثانيا: حجج ابن حزم في المسألة ونقدها.
احتج ابن حزم لنصرة قوله في بقاء الحضانة للمطلقة المتزوجة، بمجموعة من الحجج، أهمها:
1- انعدام وجود نص صحيح يقضي بأن الأم إن تزوجت يسقط حقها في الحضانة.
وهذا منقوض بالحديثين السابقين، أعني: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وحديث أبي سلمة. (وقد حاول ابن حزم تضعيف الحديثين، بحجة أن الأول طريق تحمله الوجادة (الصحيفة)، وأن الثاني معل بالإرسال، وقد دفع ابن القيم العلتين معا، انظر: زاد المعاد، 6/36).
2- حديث أنس بن مالك قال: «قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ليس له خادم، فأخذ أبو طلحة بيدي، فانطلق بي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله إن أنسا غلام كيس فليخدمك، قال: فخدمته في السفر والحضر». (رواه البخاري).
ووجه استدلال ابن حزم بهذا الحديث، أن أنسا رضي الله عنه كان في حضانة أمه، وهي متزوجة بأبي طلحة. وهو استدلال بعيد، ويمكن رده بالقول إن أقارب أنس رضي الله عنه، لم ينازعوا أمهم في حضانته، ولو أنهم نازعوها فيه، لما كان لها أن تحضنه.
وليس غرضنا هنا تفنيد قول ابن حزم في المسألة، وإنما قصدنا أن نوضح أن الإمام ابن حزم لم يقل ببقاء حق المطلقة التي تزوجت في الحضانة بهذا الإطلاق كما جاء في التعديل الجديد، حيث قيد ذلك بصلاح المرأة، وبكونها “مأمونة في دينها ودنياها”، وهو مما اتفق عليه الفقهاء في شروط استحقاق الحضانة (انظر: الفقه الإسلامي وأدلته، 10/7304)، أما إعطاء المطلقة المتزوجة حق الحضانة مطلقا دون قيد أو شرط، فلا شك أن فيه تحيزا واضحا للزوجة وظلما للزوج، ولاسيما إذا استحضرنا “الامتيازات” الأخرى التي أعطتها التعديلات الجديدة للزوجة كتثمين العمل المنزلي، وبيت الزوجية، الخ …
(يتبع ……)




