مدونة الأسرة من وحدة المفهوم إلى حرب المفاهيم
د. رضوان السنوسي دكتوراه في أصول الفقه ومقاصد الشريعة

لقد عرفت ثنائية الشرق والغرب جملة من الحروب والصدامات لعل أكبرها وأهمها تلك التي سماها صموئيل هنتنغتون بصدام الحضارات وسماها قبله الدكتور المنجرة رحمه الله بحرب الحضارات وتتفرع عنها جملة بشكل متداخل معقد منها تلك التي رام بعض أعضاء صياغة مسودة مدونة الأسرة إشعالها وهي حرب المفاهيم، ويقصد بذلك استقطاب مفاهيم تنتمي لمجالات تداولية مغايرة، وتبييئها في المجتمع المغربي بل في التشريع الوضعي المغربي، صحيح أن هذه الحرب الباردة لا يذهب ضحيتها الأرواح والنفوس، لكنها تضرم في المنظومة القيمية للمجتمع وهو أخطر وآلم.
لقد نجح عبيد الغرب – إلى حد ما – في بعض مراحل هذه الحرب على مستوى التداول اللساني والأكاديمي في أوساط أتباعهم على الأقل، فاستبدلوا اللواط والسحاق بالمثلية والخمر بالمشروبات الروحية والمجون بالنجومية والصلاح بالتشدد والربا بالفائدة والزنا بالعلاقات الرضائية وهلم جرا، لكنهم لم يوفقوا في ذلك على مستوى صياغة المفاهيم القانونية والتشريعية بسبب المعارضة الشعبية والالتحام المجتمعي حول الخصوصية القيمية الجامعة. وهاهي الأصوات تتعالى اليوم من أجل تجاوز الرغبة المجتمعية واتخاذ المواثيق الدولية البوصلة والمنظار في آن واحد، مما قد يدفع عموم الأمة إلى طرح مجموعة من الأسئلة المشروعة والاعتراضات المقبولة من قبيل: أليس المجتمع يتغير فيستلزم ذلك تغيير المفاهيم لمواكبة العصر؟ أليس التجديد مقبول عقلا ومشروع شرعا ؟ هل لتغيير المفاهيم أثر على المجتمع وتاريخه وحضارته ؟ ألم يبتكر العقل المعاصر أشياء عديدة تفرض نحت مفاهيم دالة عليها ؟ .
إذا طرحت بحسن نية فهي مشروعة والجواب عنها كالآتي :
السؤال الأول : نعم إن المجتمعات تتغير، وهذا التغير يفرض الحفاظ على ترسانة المفاهيم وحمايتها لأن في ذلك حماية لحضارة البلد وربط لحاضره بماضيه ومستقبله وتحقيق الدينامية التراكمية لا الدينامية التراجعية .
السؤال الثاني : نعم إن التجديد مقبول وينسجم مع طبيعة الحياة وفطرة البشر، لكن يجب أن يكون تجديدا يعود عليها بالنفع وليس تبديدا تبدد فيه كل معاني الانتماء للحضارة والانسلاخ من الهوية، فتغيير المفاهيم هو تغيير لمعالم الحضارة واستبدال للخصوصية، ولم نشهد هذا التغيير المفاهيمي في الحضارات السابقة إلا إذا كانت اللغة لا تتسع لنحت ما يجود به العقل البشري من مبتكرات، والحق أن اللغة العربية ليست من هذا النوع، بدليل أن دول الغرب تعتمد عليها في أرشفة ثقافتها وأحداثها وقضاياها، فاللغة العربية مخزون لا ينتهي وخزان لا يتكدر، وهي بصيغها المختلفة وأساليب الاشتقاق فيها تستوعب كل ما يظهر ويستجد، واسأل إن شئت مدينة فاس بالمملكة المغربية الدراسات المصطلحية ورائدها ومنظرها وإمامها في العالم الشاهد البوشيخي حفظه الله .
السؤال الثالث : إن مما ينبغي أن يستوعب أن المعجم اللغوي يحمل معه حضارته، فأنت إذا نطقت كلمة الجمل –مثلا- عادت بك دلالته إلى الصحراء والشعر الجاهلي والبيئة الجاهلية القديمة بمختلف مكوناتها وتجلياتها، فإذا استبدلت لفظ الجمل بالسيارة وأطلقت كلمة السيارة على هذا المخلوق الوديع فقد قطعت مع تاريخ قديم بما يحوية من حضارة وقس على ذلك أمثلة أخرى .
الجواب الرابع : إن الإشكال ليس في إحداث معجم لغوي جديد يتسع لتلك الأشياء التي ظهرت حديثا، فهذا من اختصاص الدراسات المصطلحية التي تتبنى المنهجية العلمية، وتحافظ على الخصوصية الثقافية والقيمية في نحت تلك الأسماء.
وإنما المشكل الكبير في استبدال تلك المفاهيم الضاربة في التاريخ والحضارة والقيم الإسلامية بمفاهيم تنتح من الحضارة الغربية الممسوخة سواء بجهل أو بعلم سواء بحسن نية أو بتآمر، فمدونة الأسرة المغربية مثلا مليئة بهذه المصطلحات القرآنية من قبيل : الأسرة، والزواج، والطلاق، والمتعة، والخطبة، والإشهاد، والولاية وهلم جرا ، فالقطيعة مع هذه الترسانة المفاهيمية هو قطيعة مع تاريخ المغرب الأمة وقطيعة مع المسار الانتمائي والإئتماني، ويا ليت شعري لو كان لهذه الدعاوى حظ من الصواب، لكنها –ويا للأسف- كما قال الجاحظ : ذهب الغراب يتعلم مشية العصفور، فلم يتعلّمها، ونسي مشيته، فلذلك صار يحجل ولا يقفز قفزان العصفور.
ويا ليت شعري لو كان لهذه الدعاوى حظ من العدالة المفاهيمية ورد المظالم لأهلها، لكنها –ويا للأسف- ليست سوى تمسح بالغرب وترافع شائه باسم عصرنة بالمرأة .
ويا ليت شعري لو كان ما يقترح أفضل مما هو كائن، لكنه –ويا للأسف- كما قال الحق سبحانه : أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير .
فمصطلح المتعة مثلا الذي أثاره أحد الوزراء لا يقصد به في دلالته اللغوية إعطاء مبلغ من المال مقابل استمتاعه بالمرأة لو كان الأمر كذلك لكان تسليعا للمرأة ولو كان الأمر كذلك لااستحق الرجل ذلك المبلغ لكونه هو الآخر استمتع بتلك العلاقة الحميمية خلال سنوات، فالمتعة مصلح قرآني سرف قال سبحانه : وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ [البقرة:236]، وقد كانت النساء أكثر فهما لدلالة هذا المفرد من وزير اليوم ففي حديث سلمة بن الأكوع: قالوا: يا رسول الله لولا متعتنا به أي تركتنا ننتفع به، فالمتعة هو مبلغ من المال للاستمتاع به في بيت الأبوين وليس مبلغا للتعويض عن الاستمتاع .
ولو فتح الباب على مصراعيه لاستبدل لفظ الزواج بالعلاقة والزنا بالعلاقة الرضائية، والطلاق بالانفصال، والصداق بالمقابل المادي، والخطبة لفترة التعارف، والإشهاد بالحضور وهلم جرا .
بل لو فتح الباب لتجرأ هؤلاء على المفاهيم الشرعية التي تربط الأمة بمؤسسة إمارة المؤمنين بمصطلحات مستحدثة ليست لها من القوة ما لهذه الروابط المعجمية القرآنية .




