رأي

لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب : هكذا فعل كليم الله سيدنا موسى

بقلم الشيخ المقرئ عبد اللطيف بوعلام الصفريوي

بعث الله الأنبياء والرسل للبشر لضبط المسار الدعوي، وتقويم المسير الإيماني، وعرض علينا أهم محطات قصصهم ومواقفهم البطولية في أعلى درجات الرقي البشري لنتخذها عبرة وقبسا نهتدي به وسلوكا أخلاقيا نتحلى به، وذلك يتجلى في قوله عز وجل بسورة سيدنا يوسف عليه السلام المسماة باسمه: ( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ، مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (112). وقد كافأه العلي القدير بفضل صبره وثباته على دينه رغم المحن والإحن الكبرى التي مرت به، وكلها معلومة عند الناس وأهل الذكر.. وقد مررتها بعض القنوات الفضائية فيلما تحت مسمى يوزارسيف رغم بعض المزايدات والمغالطات النسبية للتشويق السينمائي.
واخترت لكم قرائي الأعزاء لقطة وموقفا من المواقف النبيلة التي طبعت مسيرة الشاب الورع سيدنا موسى وهو يتضور جوعا من طول المسافة التي قطعها هروبا من بطش فرعون الذي قرر استباحة دمه لما وكز أحد الأقباط، فقتله دون قصد استنصارا للذي استغاث به من الظلم الذي لحق بذلك المستضعف من بني إسرائيل أي: من شيعته.
وقصدنا من هذه المحطة تجلية ذلك الموقف البطولي الذي سجله القرآن مجسدا في ذلك العمل التطوعي الذي قام به لرفع الحرج عن المرأتين اللتين كانتا تمنعان أغنامهما عن إيراد الماء في قوله تعالى: (فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى ٱلظِّلِّ..)، والمعنى يصب في أنه إذا أحسنت لأي شخص ما فابتعد عنه، ولا تحرجه أمام ضعفه والخدمة التي أسديتها له، ولا تلزمه شكرك وتنتظر مكافأته، واصرف عنه وجهك لئلا ترى حياءه عارياً أمام عينيك، فتزدريه، فينتقص من حالة الضعف الذي ألمَّ به في تلك الحالة.
تأمل معي ضميمة قوله عز وجل: (فسقى لهما ثم (تولَّى)، حيث لم يقل الحق سبحانه ثم (ذهب)، بل تولَّى بكامل وكلية ما فيه.. ومنه نستشف فائدة ومعاملة إنسانية دينية أنه إذا أسديت لأحد معروفا أو مساعدة يحتاج إليها في ظرفية معينة تولَّ بكل حواسك عنه حتى ذلك الفؤاد الذي ينبض بداخلك ﻻ تجعله يتمنَّى مكافأة مادية أو معنوية بل ارجو الجزاء من رب العباد لأن عطاءه غير محدود ولا معدود. (.. فَقَالَ رَبِّ إِنِّی لِمَا أَنزَلتَ إِلَیَّ مِن خَیرࣲ فَقِیرࣱ ). وهذا كلام راق بالغ في أدب من يُعدُّهم العلي القدير لتبليغ الرسالة؛ والمعنى إنّي يا رب مفتقرٌ للخير الذي تسوقه إليَّ وتُيسّره لي، فما أعذبه من دعاء! حيث عرَّض بالفقر واعتبره خيرا كأنه يقول لخالقه: إني محتاج إلى الطعام أسُد به جوعي.
وهذا ديدن الأنبياء والأولياء الأخيار كلهم التأدب مع الله حيث لا يطلبونه إلا بالتعريض ( وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين). ( واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب)، فها هو ذا سيدنا أيوب عليه السلام يشكو مرضه فينسبه للضر تارة، وللشيطان تارة أخرى رغم علمه بأن ذلك الابتلاء في صحته وماله وولده من الله، وهذا سيدنا الخضر ينسب كل شر لنفسه، فيقول: ” أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها ” رغم أنه مأمور بخرقها من قِبل ربه (وما فعلته عن أمري)، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ” الخير والشر بيديك، والشر ليس إليك”. أما نحن… دون تعليق.
فجاءه الجواب والمدد الإلهي من إحدى الفتاتين تمشي على استحياء وتدعوه باسم أبيها ليجزيه أجر ما سقاه لهما. لأنه لو دعته باسمها لارتاب في أمرها ولم يلب دعوتها. وتمعن في قوله تعالى: “تمشي على استحياء”، وليس في حياء، لأنها فاقت الحياء فركبته حتى لو فكر في الغدر بها – حاشاه – فلن تمكنه من نفسها حتى يقتلها، ومن فرط حيائه لم ينظر إليها، بل تقدم أمامها طالبا منها نعت الطريق بأي وسيلة ممكنة، وقيل كانت تقذف بالحجارة لتوجهه لقلب الاتجاه والمسار حتى وصل إلى بيت الضيافة عند سيدنا شعيب مُرحَّبا به، ومستئنسا بحديثه بعدما بدد مخاوفه من ملاحقته من قبل فرعون وهامان وجنودهما، وعرض عليه الزواج بعد شهادة فراسة ابنته في أخلاق هذا الشاب الرفيعة من أنه قوي وأمين تجلت قوته في رفع الصخرة التي لا يطيق حملها العصبة من أولي القوة بعدما عمد الرعاء إلى جعلها فوق البئر لما رأوا موسى قادما نحوهم ليحرجوه أمام المرأتين ويظهروا خوَرَه وضعفه، وأمانته في تقدمه عليها تدله على الطريق ولم يشخص بصره فيها، فرغب شعيب في مصاهرة هذه العملة النادرة.
ونقف عند شهادتها: * يا أبت استأجره، إن خير من استأجرت القوي الأمين * هاتان الخصلتان لو توفرتا في شبابنا اليوم لحصلوا على أعلى العمل والخير العميم: قوة أي قدرة على العمل. أمين: وفيٌّ غير خائن للأمانة بأي شكل من الأشكال، فقد يكون قادرا على العمل ولكنه لص متحايل من درجة فارس، وقد يكون أمينا لكنه غير قادر على حمل ثِقل إبرة في يده، فلا هو خاط بها ولا رفعها إلى مكانها.
نكتفي بهذا القدر ومعذرة على الإطالة التي أملاها ظرف هذه الحيثية المتعلقة بسيدنا موسى وأحواله مع المرأتين اللتين كانتا تذودان ( للإشارة، فإن العديد يخطئ في قراءتها، فإما يجعلهما دالين، فينسبان إلى الدود، وإما ينقطون الدال الثانية، وهذا بخلاف المراد لأن الصواب هو الذود عن حياض الوطن بمعنى المنع والدفع ومقاومة المعتدي الغاشم ) أغنامهما عن إيراد الماء مع استخلاص العبر في التوكل على الله والسعي للعمل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى