
يشهد العالم اليوم أحداثا عظيمة زلزلت فكر وشعور الإنسان المعاصر، وحركت كيانه، حتى أصبح يتساءل عن مصير البشرية وضمير الإنسان إيزاء ما يجري، ومن هذه الأحداث حرب غزة التي دعت وبقوة إلى إعادة النظر في فكر ووجدان الإنسان المعاصر، فلا ينبغي أن يمر هذا الحدث دون أن يحدث في المجتمعات الإنسانية العالمية تغييرا استراتيجيا يعيد إليها قيمها وعمرانها، فحال غزة وأهلها يقرر ويصدّق على سقوط الإنسانية وانهيار قيمها، ولذلك فقد أعادت حرب غزة للبشرية سؤال القيم، بعد أن عجزت كل التيارات والاتجاهات الفكرية والفلسفة عن الكشف عنها واعتبارها وتثبيتها في النفوس والمجتمعات.
– سؤال القيم في الفكر الغربي:
أبانت الفلسفة الغربية باعتبارها المرجعية الأساس في إصدار مقررات ومدونات القانون الدولي وحقوق الإنسان في العالم عن عجز وفشل في الإجابة عن سؤال القيم، بل أثبتت أنها إحدى أسباب سقوط القيم في المجتمعات الإنسانية، حيث أصبحت البشرية متخبطة في ظلمات الجهل بالقيم الكونية المتعارف عليها بين جميع الناس باختلاف أجناسهم وألوانهم ولغاتهم قبل إنهيارها مع سيادة الحضارة الغربية المعاصرة وشيوع ثقافتها الاستهلاكية التي أدت إلى الرفع من المبادئ الاقتصادية على القيم الأخلاقية، حيث أن الفلسفة الغربية بجميع تلويناتها ومشاربها وتخصصاتها عملت على تنمية هذا الجانب وأهملت الجانب الآخر بل حاربته لأنه يعمل ضد مقاصدها الاستهلاكية، وغاياتها الترفيهية، وعارضت كل الفلسفات الأخلاقية والمرجعيات الدينية التي لا تتماشى مع اقتصاد السوق ومبادئ الاستهلاك الغربي، وحاربت كل من يهدد وجودها وانتشارها في المجتمعات الإنسانية في العالم، ولا اهتمام للفاعلين السياسيين والاقتصاديين والاجتماعيين الغربيين إلا ما كان له علاقة بمبادئ رأس المال وطرق الإنتاج وقواعد الاستهلاك لتحصيل وسائل الراحة والترف وتحقيق الرفاهية للمجتمعات الغربية، ولو على حساب ثروات ومقدرات الشعوب الأخرى، فالأهم هو تفعيل نظرية التطور الاجتماعي بعد استنساخه من المجال الطبيعي وتنزيله على المجتمعات الإنسانية، بحيث يكون لها مشروعية في اعتبار البقاء للأصلح والأقوى، البقاء للإنسان الغربي المتحضر على حساب إنسان الجنوب والشرق المتخلف والأقل تطورا، وبذلك يزداد المترفون في الشمال ترفا، ويزداد الفقير في الجنوب فقرا، وينعم الغربي بالسلم ويفتتن الشرقي بالحروب والصراعات، فهذا أقصى ما أنتجته الفلسفات الغربية.
تنظر الأنظمة الغربية إلى المجتمعات الشرقية والإفريقية على أنها مجتمعات متوحشة، ولا تنظر إلى الإنسان الشرقي والإفريقي باعتباره إنسانا له كرامته وحقه في الحياة، بل باعتباره كائنا متوحشا، وأن الدول الغربية وحدها من تتميز بالحضارة، والنموذج الغربي هو من يجب أن يعمم ويسود باقي المجتمعات، ومن رفض هذا النموذج فإنه يصنف إرهابيا ومتوحشا، وأنه ضد الحضارة، ويجب محاربته لأجل ذلك، ولهذا فإنها تساند كل دولة احتلالية تتبنى النموذج السياسي والاقتصادي الغربي وتدعمها بالمال والسلاح للقضاء على كل من يخالف هذا النموذج الحضاري، حتى وإن عملت على إبادة شعب ينتمي لتلك المجتمعات المتوحشة، بل تعد عملها ذلك تغييرا وتطويرا (=نظرية التطور الاجتماعي)، ولذلك نرى زعيم أكبر عصابة إجرامية (حكومة إسرائيل) تتصف بهذا النموذج الحضاري كيف يتم استقباله في الكونغريس الأمريكي بالتصفيق رغم تخريبه لبلد وقيامه بإبادة شعبه، لأنه يمثل قيم الغرب وحضارتهم، فالمعايير الغربية والقيم التابعة لها لا تنظر إلى القضايا الإنسانية في المجتمعات الشرقية والإفريقية وتزنها بمعيار الحق والباطل والخير والشر، وإنما بمعيار التوحش والتحضر إزاء النموذج الغربي، رغم أن هذا النموذج في حقيقته إذا ما قمنا بعرضه على القيم الكونية فإننا سنخلص إلى أنه شر مطلق، ومؤذن بخراب العمران البشري ومهلك للحرث والنسل في العالم.
تظهر هذه السياسة الإقصائية الداعية إلى الاستئصال الحضاري والثقافي والعرقي للشعوب الأخرى في التصريحات الإرجافية التي تصدر عن سياسيين وعسكريين غربيين ومن يشايعهم من الدول التابعة للنفوذ الغربي، ففي كلمة رئيس وزراء الكيان الصهيوني أمام المستشار الألماني، قال: “هذه ليست معركة إسرائيل فقط بل معركة الحضارة ضد الوحشية” (قناة الجزيرة). وقال:”العالم المتحضر يجب أن يتحد خلف إسرائيل في القتال ضد حماس والقضاء عليها”(المصدر نفسه). وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يواف غالانت: “نحن نحارب حيوانات بشرية”(المصدر نفسه). فمثل هذا الكلام يبين فلسفة الحرب ضد أهل غزة، وإرادة إبادتهم واحتلال أرضهم، باعتبارهم لا يمثلون الحضارة على النمط الغربي، ولا يرتقون إلى مستوى الإنسان المحدد وفق المعايير الغربية، وبذلك يحاولون أن يهونوا من خطر الحرب، وينقصوا من قيمة الشعب الذي يباد، فالحرب بمفهومهم هي بين الإنسان المتحضر والإنسان المتوحش الذي لا يجوز له البقاء في هذا العالم أو أن يحيى بين هذه الحضارة الغربية المتطورة، ووصف الرئيس الأمريكي جو بايدن هجوم الفلسطينيين على الإسرائيليين في القدس بالهجوم على العالم المتحضر، حيث يفهم من كلامه أن الصراع الدائر في فلسطين وفي العالم هو صراع بين العالم المتحضر والعالم المتخلف، العالم المتمدن والعالم المتوحش، فالغرب في فلسفته السياسية والحضارية نقل نظرية التطور ومبدأها القائم على البقاء للأصلح والأقوى من الطبيعة إلى المجتمع لتأخذ الإبادة الجماعية مشروعيتها منه باعتبار ذلك أمرا طبيعيا وحتميا، فالبقاء للأصلح والأقوى، والقوة في يد الإنسان الغربي بها يتم السيطرة على الدول والمجتمعات، فمن أراد البقاء فعليه أن يتبنى فلسفة وثقافة وحضارة الإنسان الغربي في الحياة، ويعيش وفق نمطه الاجتماعي والسياسي، ويقلده في فكره ولباسه وعوائده دائما وأبدا.
الغرب يرى الشعوب المختلفة معه فكريا وثقافيا وحضاريا شعوبا متخلفة ومتوحشة، يجب إنهاء وجودها أو تغييرها حتى تكون مطابقة للنموذج الغربي الذي لا يقبل الاختلاف ولا يريد إلا نوعا واحدا، هو الكائن الاستهلاكي. يريدون تذويب كل الثقافات في العالم وصهرها في ثقافة واحدة على النمط الغربي حتى تصبح ثقافة استهلاكية تخدم الرأسمالية الغربية، وتضخم أرباح الشركات الكبرى، وتتحايل بالإعلانات والإعلام والفن والرياضة لاحتكار الأسواق العالمية وترويج منتوجاتها المختلفة، حتى أصبح كل شئ سلعة، الدين، الفكر، الثقافة، الآداب، الفن، حتى العلاقات بين الشعوب أصبحت محكومة بمبادئ السوق والأغراض التجارية، وليس على التعارف وتبادل المنافع والمصالح بين هذه الشعوب لتنمية بلدانها، ونشر السلم فيما بينها، لينتظم العالم ويصلح العيش فيه، لذلك فإن الفلسفة الغربية والنظر الغربي للدول والمجتمعات ضد تعدد الثقافات والمرجعيات الدينية والمنظومات القانونية التي تمثل مختلف الشعوب العالمية، ولذلك تجدهم يتحدثون عن رغبتهم في إزالة الانقسام الثقافي بين الشعوب، وإرادة توحيد ثقافتها بما تقتضيه الحضارة الغربية، ومصطلح “الانقسام الثقافي” الذي يروج له كثير من الغربيين ويظهر أكثر في الملتقيات الأممية؛ يجب أن يُجَرَّم دوليا لأنه عدوان على الشعوب الأخرى وحقها الطبيعي في الاختلاف الثقافي، ويجب نبذ كل مظاهر الامبريالية الثقافية التي يمارسها الغرب على باقي شعوب العالم وخاصة الشعوب الشرقية والجنوبية التي تملك ثقافة مختلفة وحضارة خاصة بها.
– النظام الرأسمالي والقيم الأخلاقية:
الرأسمالية نظام اقتصادي يقوم على الملكية الخاصة وتوفير الإنتاج وتحصيل الأرباح لتحقيق الرفاهية، وهو النظام المسيطر في العالم، وتعمل الدول الرأسمالية المسيطرة على السياسة والاقتصاد العالميين على فرضه بالقوة والترهيب على جميع الدول، وأرباب هذا النظام يستطيعون قتل وإبادة ثلثي سكان العالم من أجل تحصيل الرفاهية وتحقيق المتعة للثلث الباقي، يسخرون كل وسائل القوة والصناعة والتجارة لأجل هذا الغرض، فأكثر الفساد الفكري والسلوكي في العالم بسبب هذا النظام الذي دفع بالإنسان إلى التفكير العلموي المادي الذي يهدف إلى جعل الإنسان كائنا استهلاكيا يبحث عن اللذة والاستمتاع بالحياة والبحث عنها قدر الإمكان، وتوجيه العمل والوسائل إلى ما يحصل وفرة الإنتاج، واستدراج المستهلكين إلى ما يحقق أرباح الشركات الدولية الكبرى، والمؤسسات البنكية العالمية، والعائلات الثرية، المسيطرة على الاقتصاد العالمي وعلى حكومات الدول في القارات المختلفة، وأي دولة لا ترضخ لسياسة هذا النظام الغربي ومبادئه الاقتصادية، وإلى المؤسسات والمنظمات الدولية التي تعمل تحت رعايته، ونزوات العائلات الثرية التي تحكمه والعالمَ كلَّه؛ فإنه يقوم بمحاربتها وزرع الفتن في داخلها ومحاولة القضاء عليها سواء بالحرب أو الحصار أو الفتن الداخلية، فالمال وثروات العالم يجب أن تذهب إلى مجتمعات هذا النظام الرأسمالي العالمي لا إلى مجتمعات أنظمة أخرى لها مبادئ سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية مختلفة، قد تقوض لمواطنيه أسباب الرفاهية والترف، هذا مما يفسر لنا سبب توجه النظام الرأسمالي العالمي إلى دول الشرق وآسيا وإفريقيا ومنعها من استقلاليتها وتقدمها، لأنها تشكل على مجتمعاته خطرا وجوديا، وتقاسمهم ثروات العالم الذي كما قلنا يجب أن يتوجه إليهم دون غيرهم، حيث كثرة الاستهلاك، وكلما قلت عندهم الثروة الاستهلاكية أو زاد ثمنها فإنهم يخرجون إلى الشوارع يخربون كل شئ حتى يستجاب لرغباتهم الجسمانية، فهم يعتبرون ذلك حقوقا ضائعة سلبتها منهم حكوماتهم التي أعطوها أصواتهم وأخذت منهم ضرائبهم فواجبها تجاههم توفير الرفاهية لهم على المستوى الأعلى والأكمل، حتى تلك الضرائيب التي تؤخذ من المواطنين تصرف في أغراض غير أخلاقية، ومنها دعم إسرائيل في حربها على غزة، وهذا ما جعل ألكسندر سميث المستشار الكبير بالوكالة الأمريكية للتنمية الدولية يستقيل من منصبه، وقال في أحد تصريحاته: “الضرائب التي ندفعها تنفق على أشياء غير أخلاقية”(برنامج: المنشقون، قناة الجزيرة). فالنظام الغربي يتعامل مع مواطنيه باعتبارهم مستهلكين ومصوتين ودافعي ضرائب وليسو مجرد مواطنين، حتى الحقوق والعدالة يتم مقاربتها من خلال هذه المبادئ، حيث ينشرون في مجتمعاتهم عدالة اللصوص التي لا تصدر عن القيم التي تمثل العدالة الإنسانية بل عن المهادنة وتسوية النزاع، حتى تحصل المنفعة ويتحقق الترف والاستمتاع باللذة والشهوة على أعلى مستوى في ظل السلم الاجتماعي الذي يتيح للفرد ممارسة غرائزه الجسمانية وشهواته النفسانية التي يعتبرونها حقوقا فردية واجب حفظها، وحرية شخصية ضروري صيانتها، دون اعتبار الأخلاق الاجتماعية والقيم الكونية، لذلك فإن أكبر من يلتزمون بالحقوق الفردية ويطبقون العدالة والمساواة في جماعتهم هم اللصوص؛ لأن التزامهم بتلك الممارسات الحقوقية وتطبيقهم لها يمكنهم من الاستمرار في تحقيق الرفاهية، و يجنبهم النزاع على المكاسب والصراع عليها، حتى يتمكنوا من الاغتناء، والاستمتاع بالحياة أكثر، فحصول النزاع فيما بينهم إتلاف لمكاسبهم وقضاء على رفاهيتهم، ومثل ذلك الدول الغربية في تعاملها مع ثروات العالم، فتطبيق بعض الفضائل داخل مجتمع وجعلها ضمانة لاستمرار الرفاهية مع فعل الشرور في حق مجتمعات أخرى ونهب خيراتها وثرواتها؛ لا يعني أن ذلك المجتمع مجتمع فاضل، بل يعني أن تلك الفضائل فضائل نفعية قائمة على تحقيق المصلحة والمنفعة الآنية لأفراده، فهي هدنة وسياسة داخلية يقوم بها الأفراد في جماعة اللصوص ليتحقق لهم الاستمتاع بالحياة على الوجه الأكمل.
وهذه عدالة نسبية يمارسونها في مجتمعاتهم لعلمهم أن شعوبهم سريعة الانفعال والثورة والتمرد على الواقع السياسي والاقتصادي الذي يحقق طموحاتهم في الحياة، فوجود بعض القيم المرتبطة بالحقوق والعدالة في المجتمع الغربي لا يعني أنها صادرة عن الفضائل النفسانية، ولا أنها تعبر عن الإنسان الصالح بالمفهوم الديني أو في مفهوم الفلسفة المشرقية، فالإنسان الصالح عندهم هو الذي يعطي صوته في اختيار الحكومة ويدفع الضرائب للدولة وينهج ثقافة الاستهلاك وفق التوجه الرأسمالي والحضارة الغربية، ولا يهم ماذا يفعل بعد ذلك، فهو حر في نفسه وذاته، لذلك تلجأ الحكومات المترفة إلى الاستزادة من كل ما يحصل لشعوبها الرفاهية واللذات الظاهرة والباطنة، بوسائل مشروعة وغير مشروعة ولو على حساب ثروات الآخرين، فالمجتمعات المترفة كلما انغمست في الملذات والشهوات المختلفة إلا وكثرت حاجاتهم لما يحصل لهم ذلك من الاستمتاع بالحياة، وكلما كثرت الاحتياجات طلبوا من حكوماتهم توفير ما يحصل لهم ذلك؛ فتلجأ حكوماتهم إلى توفير ذلك بالقصد إلى ثروات المجتمعات الأخرى الضعيفة فينتزعون منهم حقوقهم وينهبون خيراتهم وثرواتهم، ويسطون على أرزاقهم لأجل توفير ما يحقق رفاهية شعوبهم وترفهم، وقد وضعوا لذلك هذا النظام الرأسمالي المبني على القوة والصناعة والاقتصاد دون أن تكون للأخلاق والحكمة والرحمة فيه مدخل، ومن خلاله احتلوا العالم وسيطروا على ثرواته وأفقروا المجتمعات الإنسانية الأخرى، وأسهموا في تخريب العالم وتدمير الطبيعة وتلويث البيئة وتوبئة الناس وإمراضهم، حتى بدأت تظهر في العالم بوادر الخراب والهلاك.
– العلم…بين (الصناعة والقوة) و(الرحمة والحكمة):
العلم والصناعة والقوة في غياب التوجيه الأخلاقي والرحمة والحكمة دمار للبشرية وللعالم. الجهة التي تمتلك العلم والصناعة والقوة اليوم جهة غير عاقلة وغير حكيمة، وبالتالي غير رحيمة، لو تأطر العلم والصناعة والقوة بالمبادئ الائتمانية التي نادى بها القرآن والتي جعلت الإنسان مسؤولا على العالم باعتباره حاملا الأمانة لكان العالم اليوم أفضل مما هو عليه من دمار للبيئة وفساد للمجتمعات وتخريب للبلدان بسبب الحروب والثورات التي سببتها الجهة الصناعية القوية وهي بلاد الغرب.
لقد بدأ دمار العالم والبشرية مع الثورة الصناعية الغربية التي لم تكن مؤطَّرة أخلاقيا وعقليا وإنما كان غرضها جلب المنفعة الآنية وتحقيق الرفاهية للبلدان الغربية حتى يستمتع الإنسان الغربي بحياة الرفاهية المتمثلة عنده في الأكل والشرب والجنس واللهو والشهوات الحسية، وسخر الطبيعة لخدمة هذه الأغراض مما سبب في كوارث بيئية واجتماعية وصحية.
الحضارة الغربية ما هي إلى سرعة تعجيل دمار العالم، وإهلاك الحرث والنسل، فمخزون الثروات الطبيعية التي يمكن للأجيال القادمة الانتفاع منها استنزفها الغرب في عقود قليلة من الزمن مما جعل مستقبل البشرية مظلما، فالأجيال القادمة أجيال ستمارس الحروب بسبب حقها في الحياة والعيش، هذه الحروب ستكون على الماء والهواء والتربة والغذاء.
مبدأ الاستخلاف في الأرض يفيد أن الناس يخلف بعضهم بعضا فيجب أن يصلح الأجيال الحاضرة للأجيال القادمة وأن هذا مسؤولية ملقاة على عاتقهم فيحافظ الحاضرون على الثروة المادية والثروة العلمية والأخلاقية للأجيال القادمة حتى تستمر الحياة ويستمر معها العمران وتتحقق عبادة الله في الأرض، فهذا هو المنطق القرآني القائم على حمل الأمانة.
الفلسفة الغربية فلسفة مادية لا تنظر إلا فيما هو مادي، وتوجه العلم والصناعة والقوة والأخلاق وجهة مادية لجلب المنفعة ولو على حساب الشعوب الأخرى والأجيال القادمة، واعتبار الطبيعة بليدة ومتوحشة ووجوب تسخيرها لمنفعة الإنسان الغربي بشتى الوسائل والطرق الأخلاقية وغير الأخلاقية ما دامت المنفعة المادية هي الأساس.
فلاسفة الغرب وعلماؤها احتقروا الطبيعة وسخروها لخدمة أغراضهم في غياب الفلسفة الأخلاقية والنصوص الدينية التي تأمر الناس بأن يقوموا بالقسط، وأن يتعاملوا مع الكون الذي وضع الله فيه الميزان بحكمة، وألا يخسروا هذا الميزان بإفسادهم فيه، ويفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، والبيئة التي يحيى فيها الإنسان، وتسميم التربة والماء بالمواد الصناعية، وتلويث الهواء مما تسبب في ثقب الأوزون، وأحدث ظاهرة الاحتباس الحراري، والاضطراب المناخي الذي نتج عنه فيضانات في جهة وجفاف في جهة أخرى، كل هذا صراع من أجل امتلاك العلم والصناعة والقوة لتحصيل الترف وتحقيق الرفاهية، وهذا مما انعكس على المجتمع بالتخلي عن العقل والحكمة والرحمة، وإبعاد الدين عن القيام بدوره في تأطير المجتمع أخلاقيا وزجره عن المفاسد، مما قضى على دور الأسرة والعائلة وأصبح الحياة الفردية هي المسيطرة على المجتمع، وغاية الفرد أن يلبي رغباته، مما أتاح للشركات ورجال المال فرصة السيطرة على عقول الناس وتوجيههم إلى اقتناء المنتجات من الأكل والشرب والجنس وأدوات اللهو والترفيه والآلات التكنولوجية الحديثة المختلفة حتى أصبح الإنسان مغيبا عن الواقع، وعن غاياته الحقيقية في هذه لحياة، وقد عملت الحداثة على إبعاد كل ما يدعو إلى الأخلاق والفضيلة عن المجتمع وتثبيت كل ما يحقق غاياتها الاستهلاكية، حتى أصبحت المجتمعات تحكمها الشركات الكبرى.
– تداعيات حرب غزة على النظام العالمي:
من تداعيات حرب غزة على النظام العالمي والدول الغربية، أن هذه الحرب أظهرت الوجه الحقيقي لهذا النظام وقبحه على جميع الأصعدة: السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وأنه لا يصلح أن يكون مرجعا تنظيميا للمجتمعات والشعوب والأمم المختلفة، وأن هذا النظام العالمي نظام إرهابي مرجف، ودليل إرجافه تواطؤه مع جرائم الاحتلال الصهيوني ومشاركته له في إبادة الشعب الفلسطيني بغزة والضفة الغربية، فإسرائيل تقتل النساء والأطفال، وتجهز على الجرحى في المستشفيات، وتقصف كل متحرك، وتعمل على إبادة الشعب الفلسطيني تحت غطاء هذا النظام، مما يدعو العقلاء والأحرار في العالم إلى وصف النظام العالمي بالإرهاب الرسمي، وأي مثقف أو تنويري أو عقلاني أو سياسي أو جمعوي أو تحرري بعد اليوم يدافع عن هذا النظام ويدعو إلى تبني مرجعيته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية فهو مرجف وعضو في منظمة الإرهاب العالمي الرسمي، “والذي يقع في غزة، جريمة إبادة الكل مسؤول عنها، بل هو خطر مَحْق شعب من الوجود، في أفق مشاريع أخذت تَرْشح فيما يسمى مخطط الجنرالات؛ لدفع الفلسطينيين إلى الرحيل عن غزة عبر التجويع، وفي الضفة عبر التضييق”(حسن أوريد، (هذا هو الثمن الغالي الذي ستدفعه إسرائيل وأميركا) الجزيرة نت، 23 أكتوبر 2024). وقد لخص الخبير العسكري والاستراتيجي فايز الدويري كل شئ في كلمات، قال فيها: “ما يجري في غزة تدمير ممنهج وإبادة جماعية”(قناة الجزيرة الإخبارية). ويقول الكاتب اليهودي المناهض للصهيونية يوآف ليتفين:”ما يحدث في قطاع غزة إبادة جماعية كاملة”(الجزيرة نت).
وكذلك نجد مواطنين في الدول الغربية يعارضون سياسة حكوماتهم الداعمة لإسرائيل، ويمارسون لأجل ذلك شتى أنواع الاحتجاج، منها ما يؤدي إلى إضرام النار في البدن، مثل حادث احراق الجندي الأمريكي لنفسه أمام السفارة الإسرائيلية في واشنطن احتجاجا على الحرب في غزة، وهذا يعبر عن مدى تأثر وعي وعاطفة من في الأصل أداة من أدوات القتل الغربي باعتباره جنديا مسخرا لأمريكا، تأثر إلى درجة إحراق نفسه ليوصل رسالة إلى حكومة بلده حول ما يحدث لأهل غزة، وكذلك القمع والتنكيل الذي يتعرض له كثير من الأشخاص في المظاهرات والحركات الاحتجاجية التي تقوم بها شعوب العالم، حتى أضحى فعل الاحتجاج على الممارسات الإسرائيلية في حق أهل غزة معاداة للسامية.
ورأينا كذلك موقف بعض الدول التي عارضت الحرب على غزة، ومنها من رفع ضدها دعوى قضائية في محكمة العدل الدولية كجنوب إفريقيا وإيرلندا ونيكاراغوا وكولومبيا والتشيلي وكوبا والمكسيك…ورأينا المواقف المشرفة لإسبانيا وبلجيكا وإيرلندا والنرويج وغيرها من حرب إسرائيل على غزة، وهي أشرف من مواقف كثير من الدول العربية رغم قدسية القضية الفلسطينية عند العرب والمسلمين وغيابها عند هؤلاء، مما يجعلنا نشك في انتماء الأنظمة العربية للأمة ودفاعها عن قضاياها المقدسة، وأنها مجرد أدوات لخدمة النظام العالمي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، والقيام بالتطبيع مع إسرائيل لتسهيل الهيمنة الإمبريالية الغربية في المنطقة العربية ودول الشرق وإفريقيا وآسيا.
حرب غزة أرجعت سؤال القيم لشعوب العالم، وأحيت الضمير في سياسة بعض دول العالم، لكن نحن أمام عالم أهوج، كما قال حسن أوريد: “جميل أن يكون للعالم ضمير، تعبر عنه قوى حية، وطلبة في الجامعات، ومثقفون، وموقّعو عرائض، ومحاكم دولية، لكننا في عالم لم يعد يأبه لصرخات الضمير، مهما تعالت، ولا بأحكام القضاء، مهما تواترت..هل أوقفت مظاهرات الطلبة ماكينة الحرب الإسرائيلية؟ وهل ارتدع نتنياهو في حربه الهمجية أمام العرائض، أو المحكمة الجنائية الدولية؟
نعيش حقاً، ما أسماه المغني يوسف إسلام، عالماً متوحشاً، أو – بتعبير أقل فجاجة – عالماً أهوج. القوة تسمو على الحق، والغطرسة على العدل، والبهتان على الحقيقة، والتحايل على النزاهة.
هل العالم مستعد أن يدفع الفاتورة غدًا أمام هذا الانزياح الأخلاقي الذي أعاد البشرية إلى وضع هوبزي، أو شريعة الغاب؛ لأن الوضع الساري، لن يبقى بلا تبعات…
لو قُدّر أن تعرف البشرية فصلًا جديدًا من صدام الحضارات –وكل شيء يدفع في هذا الاتجاه– فليس مؤكدًا أن يخرج العالم منه معافى، وألا تتأثر سكينة المجتمعات وأمنها، في أي مكان في العالم”(حسن أوريد، (هذا هو الثمن الغالي الذي ستدفعه إسرائيل وأميركا) الجزيرة نت، 23 أكتوبر 2024).
وبذلك يمكن القول إن حرب غزة تشهد سقوط النظام العالمي قيميا وأخلاقيا، ويحتاج إلى هزة فكرية وسياسية تعيد للبشرية عقلها وقيمها الأخلاقية وفضائلها الاجتماعية التي فقدتها منذ سيطرت الفلسفة النفعية على تفكيرها وحرفت سلوكها.
– سؤال القيم عند شعوب العالم:
شاهد العالم جرائم إنسانية في حق أهل غزة، ومحاولة إبادة شعبها وتهجيره لتمكين الصهاينة من الاستيطان، وتواطؤ الدول الغربية وتعاونها معها في ذلك، وقد جعل هذا كثيرا من الشعوب العالمية تعي القضية الفلسطينية، وترجع إلى بعض إنسانيتها وتطرح على نفسها وعلى المسؤولين الغربيين وعلى العالم أجمع سؤال القيم الذي من شأنه أن يوقف الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية بعد أن بانت وظهرت وتجلت حقيقة المرجعية الغربية وأثرها على المجتمعات الإنسانية شرقا وجنوبا، وقد رأينا تظاهرات كبيرة في الشوارع العالمية، واعتصامات داخل الجامعات في دول مختلفة، وما تبع ذلك من مواقف سياسية لدول عالمية بعضها غربية، وهذا ما يزيد النظام العالمي والسياسة الدولية إحراجا وخذلانا على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والثقافية، ويعمق سؤال وبحث الإنسان في الغرب وفي العالم كله عن علاقة السياسة الدولية بالقيم، ومحاولة إيجاد مرجعية أخلاقية تستجيب لتساؤلاته، لإنقاذ المجتمعات الإنسانية من المخاطر المحدقة بها، فقد حان وقت البحث عن مرجعيات بديلة خارج السياق الغربي تجيب عن سؤال القيم في العلاقات والأحداث والصراعات التي يعرفها العالم.
الأمر الآن متروك للفلسفات والمدونات الفكرانية الأخرى وخاصة الشرقية، فهل المسلمون في الموعد للإجابة عن سؤال القيم باعتبار المرجعية الدينية لها، وأنها أكبر مرجعية دينية ومنظومة تشريعية وقانونية تناولت الحديث عن القيم في أبعادها الكونية والاجتماعية وربطتها بالمحاسبة والجزاء، أم أن المسلمين لم يتحرروا بعد من إملاءات السلط السياسية ومرجعيات أولياء الأمور وعلاقتها بمباحث القيم وطريقة تناولها واستنباطها واستثمارها في أبعادها الفكرية والتعليمية والتربوية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، وطرحها في المجال التداولي الإنساني العالمي بدون حرج، والدفاع عنها أمام باقي المنظومات الفكرانية الأخرى التي أثبتت فشلها في الإجابة عن كثير من القضايا الإنسانية التي طفت وطغت ومهدت لسقوط العمران البشري وهلاك المجتمعات الإنسانية.
الأمر المؤكد أن الذين سيتولون الإجابة عن سؤال القيم لن يصدروا عن المنظومة الفكرانية المذهبية الطائفية التي تهتم بقيم القبيلة والجماعة والحزب، ولا تنظر إلى القيم في حقيقتها الكونية والإنسانية باعتبار أن هذا هو دور الرسالة الإسلامية ومقصد بعثة الرسل، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾(الحديد:25). هذا إذا كانت رسالة الإسلام عالمية كما وصفها الله تعالى:﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾(سبأ:28). وأن محمدا بعث رحمة للعالمين كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾(الأنبياء:107). وأنه بعث ليتمم الأخلاق كما قال رسول الله ﷺ: (إنَّما بُعثتُ لأتمِّمَ صالِحَ الأخلاقِ)(أخرجه البخاري في الأدب المفرد:273). كل هذا يجب أن يجعل المتكلم عن الإسلام والمصدر عنه والمبلغ له واعيا بدوره الرسالي العالمي، ومتحديا كل العقبات والقضايا الكبرى المأثرة في العالم، وذلك مما تقتضيه طبيعة المشاركة الفكرانية، وإلا سيظل منعزلا في قمقم تاريخاني وصندوق مظلم مليئ بالوثائق التاريخية والشكايات المهترئة التي لا تؤثر في الواقع المعاصر وقضاياه الإشكالية في منأى عن الإجابة عن كثير من التساؤلات، بما فيها سؤال القيم، وهو أكبر سؤال يؤرق فكر الإنسان المعاصر في سياق حضاري شديد التعقيدات وكثير الصراعات وقوي الأزمات.
نحن في عالم يؤمن بقيم الاستهلاك التي تخدم الاقتصاد وتنمي رؤوس أموال الشركات العالمية الكبرى، تتقصد البحث عن الرفاهية وتحصيل المتعة وتحقيق الترف لفائدة مجموعة قليلة من البشر، مع جعل الأغلبية مسخرة لصالح الطبقة المترفة، تعمل على تحصيل رفاهيتها وتحقيق سعادتها المحصورة في اللذات الجسمانية، وكثير من هؤلاء العمال يشتغلون في ثرواتهم التي يقدمونها للطبقة المترفة بأزهد الأثمان بعد أن يتعبوا في تحصيلها، في أبشع مظاهر الاستغلال الاقتصادي لثروات الشعوب، وهذا هو سبب خراب العمران في كل حضارة إنسانية، لذلك تكثر الحروب والصراعات في العالم، ونحن أمام بداية سقوط الحضارية الغربية التي قامت على استغلال ثروات شعوب العالم لإمتاع الطبقة المترفة في دولها، في غياب الفضائل العلمية والعملية والقيم الأخلاقية.
تستغل الشركات العالمية ثروات البلدان وتسلب حقوق الشعوب، وتستعبد العمال، وكثير منها لها فروع في دول العالم الثالث، تشتغل بطرق غير قانونية، وتستفيد من امتيازات تقدمها لها الحكومات الفاسدة في تلك الدول، مع عدم مراقبة المنتجات التي تصنعها وتصدرها، غير آبهة بسلامة المستهلكين، وقد اتضح ذلك جليا في أحداث تفجيرات أجهزة البيجر في لبنان، حيث لم تراع تلك الشركات القيم الإنسانية بقدر ما اهتمت بتقديم المنفعة العسكرية لإسرائيل، وذلك بالتلاعب في الصناعة التكنولوجية استخباراتيا وتفجيريا، وقد اعترفت إسرائيل بمسؤوليتها في هذا العمل الإجرامي الذي ذهب ضحيته مدنيون في لبنان، وهكذا مع شركات الأدوية والسلاح والأكل والنسيج والترفيه واللعب، وكل ما من شأنه خدمة السياسة والاقتصاد الغربي، فكثير من الأمراض والأوبئة المعاصرة قد نشك في أسبابها، لكن بعض مظاهرها قد يشير إلى مختبرات بيولوجية دولية، حكومية وغير حكومية، وما وباء كورونا وطرق معالجته عنا ببعيد، فالفاعل السياسي والاقتصادي غير المتخلق بالقيم الإنسانية الكونية قد يبحث عن كل سبب يوفر له الإنتاج ويوجد السوق ويدر عليه الأرباح، ولا يهمه سلامة وحياة المستهلك إلا من جهة طرق أخذ الأموال المشروعة وغير المشروعة، فلكي تبيع الدواء فعليك بإيجاد المرض والوباء، ولكي تبيع السلاح فعليك بإشعال الحروب، ولكي تبيع وسائل الترفيه فعليك بجعل المجتمعات تفكر في اللهو واللعب، وهكذا الحال في علاقة الاستهلاك بالثورة الصناعية والاقتصادية الغربية، المراهنة على الربح والمكاسب المادية ولو على حساب حياة الإنسان، وهذه قمة الخسة والنذالة والسقوط الأخلاقي للرأسمالية الغربية ومبادئ الفلسفة البراغماتية التي توجهها.
في ظل هذا الفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأخلاقي الذي يشهده العالم، وهذا الدمار الناتج عن الحروب والصراعات اليوم، ونهب ثروات الشعوب واستعباد الدول الغنية للدول الفقيرة؛ بسبب ظلمة العقول وضلالاتها، وتحكم أهواء النفوس وشهوات الأجساد فيها؛ فهل يمكن أن يقدم المسلمون -بعد يقظتهم- للعالم اليوم بديلا حضاريا معرفيا تشريعيا يمكن أن يعيد الإنسانية إلى جادة الصواب بإنارة عقولها وتغيير أفكارها؛ إذا ما علمنا أن المسلمين عندهم وفي أيديهم مصدر معرفي إلهي يمكن من خلاله إعادة تنوير العقول، وتقويم السلوك الإنساني، وإعادة تشكيل البنية الفكرية والنفسانية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمجتمع الدولي؛ ليقوم على الأمن والسلام والرخاء والازدهار واحترام حقوق الإنسان، فهل يمكن أن يبدع المسلمون في هذا المجال، أم أن إبداعهم لا يتجاوز تبديع بعضهم البعض، وتكفير بعضهم بعضا، وقطع رؤوس من يختلف معهم في الفكر والدين؟
– الدين والقيم الأخلاقية:
المسلمون اليوم تكثر فيهم ممارسة الشعائر، وتقل عندهم القيم الأخلاقية، والواقع يشهد لذلك؛ فالمجتمعات الأكثر بناء للمساجد، وصياما للفرائض والنوافل، وتنظيما لرحلات الحج والعمرة، وتركيزا على الطقوس الدينية؛ هي الأكثر ابتعادا عن القيم الأخلاقية وانتهاكا لحقوق الإنسان، وابتعادا عن الحضارة وإقامة العمران، والأكثر تخلفا في العالم، وذلك لأنهم حصروا الدين في الشعائر والمناسك، وأغفلوا القيم الأخلاقية، واعتقدوا أن غاية الدين ممارسة تلك الشعائر والقيام بتلك المناسك، ولا يضر بعدها القيم الأخلاقية حسنة كانت أم قبيحة، فالمظالم والجرائم والمعاصي يغسلها الوضوء ويمحوها الحج والعمرة، ويطهرها الصوم، ويكفي المسلم النطق بالشهادتين لدخول الجنة، حتى وإن لم يكن يمارس الشعائر الدينية، فهناك الشفاعة الكبرى، والبطاقة التي توضع في الميزان يوم القيامة فتترجح كفتها على كفة السيئات، ولهم فيما يبرر ذلك نصوص وآراء دينية، يدرسونها ويتذاكرونها في مجالس الوعظ والإرشاد، فلا تسأل بعد ذلك عن القيم الأخلاقية في المجتمعات الإسلامية التي يؤطر فكرها العقدي منهج الجبر والإرجاء.
هناك توافق بين العلمانية الغربية ذات المرجعية الفلسفية البراغماتية والفكر الديني المذهبي الطقوسي، حيث أن كليهما يسهم في تدمير الإنسان والمجتمع بفصل الدين عن الأخلاق، حيث ركزت العلمانية على الجانب المادي، وركز الفكر الديني الطقوسي على الجانب الشعائري، وجعلوا الأخلاق غير مؤثرة في تدين المسلم ما دام الدين قد قام بالشعائر والمناسك والطقوس، وأن هذه مبادئ الدين وغاياته لا القيم الأخلاقية وفضائل الأعمال، وتجد كثيرا من رجال الدين يرعدون ويزبدون من أجل إقامة الشعائر والطقوس، ولا تسمع لهم كلمة أو نصيحة إذا تعلق الأمر بمطالبة الحكام والسياسيين بإقامة العدل والقسط بين الناس، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وهذا هو مقصد بعثة الرسل؛ قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾(الحديد:25).
تجد أغلبهم لا ينكر على الحاكم الذي يسلب من شعبه الحرية ويمنع عنه إقامة العدالة ويحرمه حقه في العيش الكريم، حتى وإن جلد ظهره وأخذ ماله، وإن شرب الخمر في الحج وزنى على الشاشة، فواجبه السمع والطاعة وعدم الإنكار عليه مادام يظهر الشعائر الدينية، لقد جعلوا الدين فقط شعائر ومناسك وطقوس وقشور، ولم يعتبروا القيم الأخلاقية، ولم يعلموا
أن الشعائر الدينية من فرائض وسنن هي عبادات جعلت لربط علاقة الإنسان بالله، وربط الدين بالأخلاق، لكنها ليست غايات الدين، بل هي بمنزلة الوسائل والشروط التي يتوسل إليها لتحقيق الفضائل النفسانية والقيم الأخلاقية المتمثلة في العدل والصدق والأمانة ومساعدة المحتاجين والحض على طعام المسكين وتوفير حاجات المحرومين ونصرة المظلومين وحماية المستضعفين…وغير ذلك من القيم الأخلاقية الكونية المتعارف عليها بين الناس جميعا، ويعملون على تحصيلها لانتظام مجتمعاتهم وتحقيق سعادتهم في هذه الحياة.
الإسلام نظام أخلاقي أكثر مما هو ممارسات شعائرية؛ لأن الشعائر وسائل والأخلاق غايات، والقصد من القيام بالوسيلة تحقيق الغايات، والمسلم الحق هو الأكثر أخلاقا وليس الأكثر ممارسة للشعائر، يقول الرسول ﷺ: (إنَّ مِن أحبِّكم إليَّ وأقربِكُم منِّي مجلسًا يومَ القيامةِ أحاسنَكُم أخلاقًا)(صحيح الترمذي). وقال رسول الله ﷺ: (بُعِثتُ لأُتَمِّمَ صالِحَ الأخْلاقِ)(رواه البخاري في الأدب المفرد). وفي رواية (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)(رواه البيهقي في شعب الإيمان).
وعندما ندرس القرآن الكريم نجده كتابا ذا مرجعية أخلاقية بالدرجة الأولى، حتى الحقائق الاعتقادية والممارسات الشعائرية والمنظومة التشريعية التي جاء بها تتقصد في جملتها القيم الأخلاقية لإصلاح النفس والمجتمع، وقول إن البشرية ليست في حاجة إلى مناهج مستفادة من الدين قول بعيد كل البعد عن حقيقة الوجود ومسيرة الإنسان في هذه الأرض، ففلسفة الحياة والرؤية الكونية القرآنية لها امتداد من أعلى درجة إلى أسفل درجة، من معرفة الله إلى النظافة، قال الله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾(المدثر:3-4)، وهذا غير موجود في أي فلسفة أخرى.
وقد أقيمت الحكمة القرآنية العلمية والعملية على الإيمان بالله واليوم الآخر، فالأول يهتم بالوجود من حيث وجود الله وعبادته وشكره على نعمه، والثاني من حيث العمل الصالح المرتبط بالقيم الأخلاقية، فالحكمة القرآنية تهتم بالعلم الحق والعمل الحق، والإنسان مسؤول عن علمه وعمله في حياته كلها، مسؤول عن حمل أمانة الاستخلاف في الأرض، والعيش فيها، وطرق تدبيرها، ومنهج السير فيها فرادى وجماعات، كما جاء في قوله الله تعالى : ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾(الأحزاب:72). والمنهج القرآني هو المنهج الأسمى والأرقى والأكمل في تقرير المبادئ والمعارف والأحكام والقيم وتكاملها في حياة الإنسان.
الإسلام بالمعنى القرآني قيم وأخلاق أكثر مما هو شعائر ومناسك، أو أركان إسلامية كما في الاصطلاح الشرعي التعليمي، وكما يفهمه كثير من المسلمين الذي يأخذون المعرفة الدينية من شيوخ الفضائيات والوعاظ وقصاص مجالس الأفراح والمآتم، فيغيب عندهم غايات الدين ومقاصده التي تحفظ للإنسان قيمه وأخلاقه، فمصطلح (أركان الإسلام) لم يأت به نص من قرآن ولا سنة، وإنما هو وضع اصطلاحي، وضعه الفقهاء للدلالة على الشعائر الدينية التعبدية المستفادة من حديث عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، قال : (سمعت رسول الله ﷺ يقول: بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وحج البيت ، وصوم رمضان)(رواه البخاري ومسلم). ولا مشكلة في تسميتها أركانا، ويمكن تسميتها شروطا قيمية أيضا باعتبار مقاصد الإسلام، ويمكن تسميتها غير ذلك، وفي تحديد هذه الأركان، وبيان أنواعها خلاف، فمنهم من جعل للإسلام ركنا واحدا، ومنهم من جعل له ركنين، ومنهم من جعل له ثمانية أركان حسب اختلاف الأحاديث والآثار الواردة في ذلك، فقد اختلفوا في تحديد عدد أركان الإسلام وبيان أنواعها ولم يتفق السلف في ذلك، بل منهم من عد الاغتسال من الجنابة من أركان الإسلام، فعن عبد الله ابن عمر (رضي الله عنهما)، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: (…الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج وتعتمر، وتغتسل من الجنابة، وأن تتم الوضوء، وتصوم رمضان)(صحيح ابن حبان). فلو كانت هذه الأركان هي الإسلام لما اختلفوا فيها، وأنهم جميعا علموا أن الإسلام يقوم على جملة من المبادئ التعبدية والقيم الأخلاقية، وأن هذه الأخيرة هي المطلوبة،وأن الأولى بمنزلة الشروط لتثبيت القيم الأخلاقية في النفس الإنسانية، مثل شعيرة الصلاة فإنها تذكر المسلم بالله، قال تعالى:﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾(طه:14)، وهي أيضا تنهى عن الفحشاء والمنكر، قال سبحانه:﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾(العنكبوت:45). وأما الزكاة فغاياتها مساعدة الفقراء والمساكين والمحتاجين والمدينين وصرفها في أعمال الخير، وإشاعة روح التضامن بين المسلمين والعمل على تنمية المجتمع، وتطهير النفس من الشح وتزكية الروح، كل ذلك مقاصد دينية، والصوم غاياته التقوى وكف العدوان، واجتناب الآثام، واستشعار أحوال الجياع والمحرومين، والوقاية من الأمراض الناتجة عن الشراهة والإسراف في الأكل والشراب، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾(البقرة:183). والحج استحضار وتذكير بموقف يوم البعث والنشور والوقوف بين يدي الله للحساب، وهو كذلك مناسبة للتعارف بين الشعوب، وإحلال للسلام بين الناس، فهو اجتماع إسلامي في بيت الله الحرام في كل عام، قال عز وجل: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾(البقرة:197). فهذه الشعائر الدينية التعبدية الغاية منها إقامة مقاصد الدين الإسلامي، وتحصيل القيم الأخلاقية، لتحقيق السعادة في الدنيا والآخرة، وهي نفسها القيم والأخلاق التي دعا إليها الأنبياء والتزموا بها من آدم عليه السلام، إلى محمد صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾(سورة الحديد:25). وليس في القرآن مايفيد أن غاية بعثة الرسل وغاية الدين إقامة الصلاة والزكاة والصوم والحج، فهذه ليست مقاصد وإنما هي فرائض وشرائع غير مطلوبة لذاتها وإنما وسائل مجعولة لغيرها، وهي تحقيق العبودية لله تعالى وتحصيل التقوى للحفاظ على القيم الأخلاقية، وتفعيل مقصد الاستخلاف وعمارة الأرض، وهذا هو الإسلام الذي ارتضاه الله للناس، من آدم عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وهو مستمر بين الناس حتى قيام الساعة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾(سورة آل عمران:19)، فالإسلام هو ما يعبر عن معاني الاستسلام والسلم والسلامة، وليس هو الشعائر الدينية، فهذه شروط ووسائل لتحقيق الإسلام، ويمكن تسميتها أركان الإسلام باعتبار أنها تثبت الإسلام الذي هو الاستسلام لله والعمل الصالح المستفاد من القيم الأخلاقية، وهذه الشعائر تختلف من شريعة لأخرى من الشرائع التي جاء بها الرسل والأنبياء، فصلاة كل شريعة مختلفة عن صلاتنا، وكذلك الصوم، والحج الذي عندنا لا يوجد في شرائع أخرى غير شريعة إبراهيم، لكن الإسلام واحد.
إن الإسلام في حقيقته هو جملة من القيم الأخلاقية والمبادئ الكونية السامية، وهي لا تختلف ولا تتبدل من نبي إلى آخر ولا من أمة إلى أخرى، ولا من زمان إلى آخر، ولا من مكان إلى آخر، فالصدق والأمانة والعدل هي أخلاق مأمور بها عند كل الأنبياء وعند مختلف الأمم، وفي كل زمان ومكان، وأضدادها منهي عنه عندهم جميعا. فالإسلام في حقيقته هو القيم الأخلاقية والمبادئ الكونية الواردة في القرآن الكريم، الذي يشتمل على أوامر الله تعالى ونواهيه، أنزله على محمد صلى عليه وسلم وأرسله إلى الناس جميعا ليقيموا القسط به فيما بينهم، ويحققوا الإصلاح في الأرض وعمارتها، وقد ذكر في القرآن الكريم جملة من القيم الأخلاقية الكبرى التي من خلالها يصلح الفرد وينتظم المجتمع ويسهل العيش، قال الله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۖ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)﴾(سورة الأنعام:151-153) وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾(سورة النحل:90)، فهذه القيم التي ذكرها الله تعالى، هي التي يجب على الإنسان أن يسلكها في حياته، فهي مقاصد الدين المجتمعة في الكليات الخمس الضرورية لحياة الإنسان، وهي حفظ الدين والنفس والعقل والمال والعرض، ويمكن إضافة حفظ الجماعة وحفظ الحرية، وغيرها من الضروريات التي جاء الإسلام لحفظها للناس، فلا تستقيم الحياة إلا بها، ولذلك يجب تذكير الناس بالبعد المقاصدي للدين حتى ينصرف ذهنهم إلى إصلاح النفس وتنظيم المجتمع وعمارة الأرض، ليحققوا مراد الله تعالى من الخلق ويحصلوا سعادتهم في الدنيا والآخرة.
– القيم الأخلاقية بين المرجعية الإسلامية والمرجعية الغربية:
يمكننا المقارنة بين نُظم ومرجعيات القيم المختلفة المنزلة من السماء والموضوعة من قبل البشر، الموجودة في العالم المطبق منها وغير المطبق، لنرى أيها أنفع لحياة الإنسان فردا وجماعة، وباعتبار أن النظام العالمي ومؤسساته السياسية ومنظماته الدولية قد فرض على المجتمعات العالمية قانونه ومرجعيته الأخلاقية التي أراد أن يسير عليها جميع شعوب العالم، ويحتكموا إليها، فهي تمثل عنده العدالة الإنسانية البديلة لكل المنظومات القانونية الأخرى بما فيها الأديان، لكننا نرى نتيجة هذا القانون الدولي في حرب غزة كيف بدا لا روح فيه ولا وازع أخلاقي له، فهو قانون يتفاعل اقتصاديا بمبادئ نفعية ذرائعية، قانون تمييزي عنصري، وضعه القوي ليستبد به على الضعفاء ويسيطر عليهم ويسلب حقوقهم الكاملة، لا يحمل روح القيم الكونية التي من المفروض أن تسود العالم كله، هذه القيم لا نجدها في القانون الدولي والمنظمات المطبقة له، التي بموجبه تتحكم في المجتمعات العالمية، وتوجه فكرها، وتغير ثقافتها، وتبدل مناهج تربيتها وتعليمها ونمط سلوك أفرادها وعلاقاتهم الاجتماعية وممارساتهم السياسة والاقتصادية، فإذا ما قارنا بين النظام الإسلامي والنظام الغربي سنجد اختلافا في طرق توجيه الفكر إلى القيم لصالح الإنسان وبناء مجتمعه وتنظيم حياته ومعاشه.
عند المقارنة بين النظام الإسلامي وفلسفة النظام الغربي فيما يخص حياة الإنسان ومسيرته على الأرض، فإننا نجد نظرة الإنسان الغربي إلى الحياة نظرة غايتها الترفيه والاستمتاع بالحياة قدر الإمكان، كالاستمتاع بالأكل والشراب والجنس واللهو فقط، وتسخير العلم والطبيعية وكل الوسائل المتاحة لتحقيق هذا الغرض، في غياب إدراك غايات الإنسان الحقيقية المتعلقة بمعرفة سبب وجوده ومبدئه ومنتهاه؛ مما يسبب في هلاك الحرث والنسل والبيئة، وخراب البلدان ونهب ثروات الشعوب وإبادتهم عن طريق الحروب أو المجاعات المترتبة عنها، وكل ذلك من أجل أن يحقق الإنسان الغربي هذا الترفيه، ويعيش حياة الترف.
وفي شأن بعض القيم الظاهرة التي يلتزم بها المجتمع الغربي مثل العدالة الاجتماعية والمساواة والنظام واحترام القانون؛ كما ذكرت من قبل وقلت إنها تطبيقات منحصرة داخل جماعاتهم، وقد أملتها عليهم ضرورة العيش لتحصيل الرفاهية والمتع الحسية؛ ولو على حساب مقدرات الشعوب الأخرى وحقهم في الحياة، فتطبيق بعض الفضائل داخل مجتمع وجعلها ضمانة لاستمرار الرفاهية والازدهار مع فعل الشرور في حق مجتمعات أخرى ونهب خيراتها؛ لا يعني أن ذلك المجتمع مجتمع فاضل، بل يعني أن تلك الفضائل نفعية ذرائعية قائمة على تحقيق المصلحة والمنفعة الآنية لأفراد المجتمع، فهي هدنة وسياسة داخلية يقوم بها الأفراد في المجتمعات الغربية ليتحقق لهم الاستمتاع بالحياة على الوجه الأكمل، حتى إذا خرجوا من حدود بلدانهم أنكروا ما تعارفوا عليه داخل بلدانهم من عدل ومساواة ونظام واحترام القانون؛ فيستعبدون الشعوب الأخرى استعبادا وينهبون خيراتهم، فنظرتهم الفلسفية للحياة نظرة برغماتية قائمة على المنافع والمصالح الفردية وتحصيل الرفاهية والعيش المترف، وهي فضائل سياسة لا عقلية ولا دينية.
أما نظرة الإسلام إلى الحياة فهي نظرة ائتمانية، نابعة من مبدأ حمل الأمانة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾(الأحزاب:72)، والاستخلاف في الأرض، وتسخير الطبيعة إلى ما يحقق منفعة الناس جميعا باعتبارهم جماعة بشرية مشتركين في كل مقدرات هذه الأرض من ماء وغذاء وثروات طبيعية لا فرق بينهم إلا بالتقوى، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾(الإسراء:70)، فتكون الأهمية للقيم الأخلاقية على المصالح والمبادئ النفعية، والفضائل النفسانية على المتع الحسية، مما يسهم في إصلاح الحرث والنسل والبيئة وسلامة المجتمعات والشعوب من الحروب ونهب الثروات، وتفعيل دور العدل والقسط في الأرض، وما ينتجه آثار التعارف بين الشعوب والتعاون فيما بينهم على البر والتقوى وكف العدوان من مكاسب تخدم الإنسانية جمعاء، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾(الحجرات13). فنظرة الإسلام إلى الحياة تدعو إلى الإصلاح في الأرض والنفس والمجتمعات، وتحقيق الأمن والسلام والتعاون بين الناس بمقتضى حمل الأمانة.
والنظرة الفلسفية الغربية إلى الحياة لا تؤمن بالتعارف والتعاون، وإنما تؤمن بالمنافع المادية للأفراد والمصالح السياسية للدول، وخير مثال على ذلك السياسة الخارجية للبلدان الغربية والممارسات الاقتصادية والعسكرية في حق الشعوب والدول الأخرى في الجنوب والشرق، وإصدار قوانين أممية تخدم السياسة الغربية وتضر بمصالح الشعوب الأخرى؛ وخاصة الدول الضعيفة عسكريا، وكذلك إنشاء منظمات ظاهرها إنساني وباطنها القيام بتفعيل دور القوانين الغربية وفرضها على العالم، وتسهيل الطريق للسيطرة على حكومات الدول ونهب ثروات الشعوب، لقد سخروا كل شئ لخدمة مصالحهم، بالعلم والصناعة والقوة، ولذلك فإن العلم والصناعة والقوة في غياب التوجيه الأخلاقي ومنطق العقل والحكمة دمار للبشرية وللعالم.
– الإنسان بين الفلسفة الغربية والإسلام:
تتميز فلسفة الإنسان الغربي بالقوة، حيث تسيطر عليه فكرة الإنسان الأعلى (السوبرمان)، بينما يمتاز الإنسان المسلم المتخلق بالقرآن بالقيم، هنا يتجلى الفرق بين (السوبرمان) ورجل القرآن، إذ نجد شخصية الإنسان الغربي مبناها على القوة، أما شخصية الإنسان المسلم القرآني الائتماني فمبناها على الرحمة والحكمة، فثقافة الغربيين يحكمها منطق القوة والشهرة والصفات الجسمية والتعابير الحركية، حتى أنهم يجسدون ذلك في أفلامهم التي تحاكي هذه الطبائع مثلما يشاهد في أفلام هوليود، وهي موجودة في الإنسان الأمريكي بدرجة أكبر، بينما القيم القرآنية تدعو إلى تفعيل الوجدان واستعمال العقل وإظهار الفضائل النفسانية بالدرجة الأولى.
وقد قامت الحياة الغربية المعاصرة على فلسفة نيتشه الذي أبدع شخصية (السوبرمان)، ونادى بتطبيقها في الحياة، ونظَّر لها حتى أصبحت نمط تفكير الإنسان الغربي وتطبيقاته السلوكية، بخلاف ما جاء به القرآن الذي دعا إلى النظر للحياة من منطلق العقل والحكمة.
فلننظر في نصوص الفلسفة النيتشية التي تؤطر تفكير وسلوك الإنسان الغربي، ونقارن بينها وبين النصوص القرآنية التي تؤطر تفكير وسلوك الإنسان المسلم القرآني الائتماني.
أ- نصوص من فلسفة نيتشه:
يقول نيتشه:”لقد ماتت الآلهة جميعًا، ونريد الآن أن يعيش السوبرمان أو الإنسان الأعلى..إنني أبشركم بالإنسان الأعلى، يجب أن يأتي من الإنسان من يفوق الإنسان”[هكذا تكلم زرادشت، فريدريك نيتشه]، استغل الفكر الأوروبي فلسفة نيتشه لفصل الدين عن الدولة ثم فصل الدين عن الإنسان وبعدها فصل الدين عن الأخلاق، واعتبار القوة هي ما يجب أن يتصف به الإنسان الأعلى، يقول وهو يجسد قيم (السوبرمان): “ما هو الخير..؟ كل ما يعلو في الإنسان، بشعور القوة وإرادة القوة والقوة نفسها.
ما الشر..؟ كل ما يصدر عن الضعف.
ما السعادة..؟ الشعور بأن القوة تنمو وتزيد..
لا رضى، بل قوة أكثر وأكثر، لا سلام مطلقًا، بل حربًا، لا فضيلة بل مهارة..
الضعفاء العجزى يجب أن يفنوا: هذا أول مبدأ من مبادئ حبنا للإنسانية..
أي الرذائل أشد ضررًا..؟ الشفقة على الضعفاء العجائزيين”[المصدر نفسه].
ومن الشعارات التي نادى بها نيتشه: “إن الحرب والشجاعة قد أثمرتا أشياء أعظم مما أثمر الإحسان.. فلتحيا حياة الطاعة والحرب”[المصدر نفسه]..
ويقول: “كل ما نبع من القوة فهو خير، وكل ما ينبع من الضعف فهو شر”.
فهذه نماذج من نصوص فلسفة نتشه كلها مبنية على القوة، مع احتقار القيم الأخلاقية واعتبارها أخلاق العبيد والضعفاء حسب نتشه، وهي ضد مبادئ القرآن الذي يدعو إلى الرحمة والحكمة.
ب- نصوص من القرآن الكريم:
أما قيم القرآن فهي ضد فلسفة نيتشه تماما، فالله سبحانه وتعالى يدعو إلى الرحمة والحكمة في حياة الناس، وقد أرسل رسوله محمدا (صلى الله عليه وسلم) رحمة للخلق جميعا، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾(الأنبياء:107)، ويدعو الإنسان إلى السير في الأرض بتواضع وإلى الرحمة بالخلق والتعامل بالحكمة في كل شؤون الحياة، وليس إلى القوة كما يدعو إليه نيتشه في فلسفته، يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا، كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا، ذَٰلِكَ مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾(الإسراء:37-39)، ويقول تعالى:﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾(الفرقان:63)، حتى في دعوة الناس إلى دين الله تعالى يأمر بأن تكون الدعوة بالرفق واللين، واستعمال الحجة والبرهان والموعظة، يقول سبحانه:﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾(النحل:125)، وليس بالقوة والشدة والفظاظة، فذلك مما ينفر الناس من قبول الدعوة ويفضهم عن الإسلام، كما قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾(آل عمران:159)، ويدعو سبحانه إلى السلم والتآلف وعدم العنف، وترك العداوة والبغضاء، قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾(فصلت:34)، ويأمر بأن تكون حياة الإنسان مبنية على الحكمة، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾(لقمان:12)، فالحكمة موهبة إلهية موجبة للشكر، إذ بها يستقيم الفرد والمجتمع فهي خير كثير للإنسان، قال سبحانه: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ، وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾(البقرة:269)، فالخير الكثير في الحكمة وليس في القوة كما في فلسفة نيتشه.
وفي الحديث عن ابن عباس رضي الله عنه قال: “ضمّني النبي ﷺ إلى صدره، وقال: (اللَّهُمَّ عَلِّمْه الحِكْمَةَ وَتَأْوِيلَ الْكِتَابِ).(صحيح البخاري:3756)”. وفي بيان أهمية القيم الأخلاقية على القوة الجسمانية، يقول النبي ﷺ: (ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب).(صحيح البخاري:6114).
هنا نجد الفرق بين نصوص تدعو إلى القوة والبطش والغلظة، ونصوص تدعو إلى الرحمة والحكمة والإحسان، فنظرية (الإنسان الأعلى) أو (السوبرمان) التي تسيطر على نمط تفكير الإنسان الغربي والفلسفة الغربية القائمة، هي من بين مؤثرات قوى الغرب والصراع العالمي وإرادة السيطرة على الدول والشعوب، وأشعلت كثيرا من الحروب في العالم، ففلسفة إلغاء دور الإله وتغييره بإنسان أعلى يقوم بدور الإله هي فكرة قامت عليها الفلسفة الغربية وأثرت في عدة مجالات: سياسية وعسكرية واقتصادية واجتماعية وفنية، فهم ينشئون أبناءهم عليها حتى إذا كبروا وأصبحوا بالغين جعلوها سياسة في الحياة على مستوى الفرد والمجتمع والدولة، وهذه القوة غرضها جلب المنفعة للإنسان الغربي حتى يعيش في قمة الرفاهية والترف ولو أدى ذلك إلى دمار العالم، بينما الأصل الذي يجب أن يكون عليه الإنسان هو إقامة الحياة على أساس الرحمة والحكمة بمقتضى مبدأ الائتمان باعتباره مسؤولا عن حمل الأمانة التي كلفه الله بها، ليتم عمارة الأرض والإصلاح فيها، وهذا من مقاصد خلق الله للإنسان.
– نموذج تطبيقي للقيم الأخلاقية في تاريخ المسلمين:
للاستشهاد بنموذج نظري معرفي أو أخلاقي عملي لابد من إظهار بعض تطبيقاته التي قامت في حياة المسلمين حاضرا أو ماضيا، فقد يقول قائل: هل استطاع النظام الإسلامي ومرجعيته القيمية الأخلاقية التأثير اليوم أو قبل في مجتمع إنساني، وهل من نموذج نظري وتطبيقي في الماضي والحاضر قابل للدراسة والبحث والتقييم لكي نرى واقعيته وصلاحيته لأن يكون منهجا أخلاقيا وحضاريا للمجتمعات المعاصرة؟
نعم هناك عدة نماذج في التاريخ الإسلامي يمكن الاستفادة منها وتنزيلها على واقع الإنسان المعاصر، منها صاحب الرسالة نفسه محمد ﷺ، فقد طبق هذه القيم أخلاقيا وحضاريا أفضل تطبيق، وأثر في الأمة بعد ذلك حتى سار الخلفاء الراشدون من بعده على النهج نفسه، وكذلك شهدت مراحل من حكم بعض الشخصيات في دول إسلامية مختلفة تطبيق هذا المنهج حتى تم إلغاؤه وإبعاده من سياسة المجتمع الإسلامي من طرف الدول الإمبريالية والنظام العالمي الجديد، وإن كان هناك وجود أصوات وحركات معتدلة ومتشددة تطالب بتطبيق هذا النموذج كل حسب فهمه للدين، وحسب قواعد استنباط مبادئه وأحكامه وقيمه.
إذا عدنا إلى شبه الجزيرة العربية في زمن ما قبل الإسلام، ورأينا كيف كان يعيش الإنسان في ذلك العصر، وكيف كان اعتقادهم وسلوكهم ومجتمعهم ونظامهم القبلي ونظرتهم إلى الحياة وشروط ومعايير الحضارات المجاورة والسائدة في ذلك الوقت مقارنة بالجزيرة العربية والبيئة التي كان يعيش فيها النبي محمد ﷺ، فسنخلص إلى نتيجة أن ما حصل من تغيير في الفكر والسلوك والنظام كان معجزة بحق، يصعب على أعتى الفلاسفة والحكماء والمصلحين أن يحصلوا على مثل نتائجها، لم يستطع أحد عبر تاريخ البشرية أن يقيم مدنية أخلاقية حضارية في الصحراء؛ غير محمد ﷺ، ولم يستفد ذلك من الأمم الأخرى ولا أعانته على ذلك، هذا إذا علمنا ما هي شروط إقامة المدنية في مجتمع من المجتمعات الإنسانية، وما هي شروطها السياسية والحضارية والاقتصادية، وهذه الشروط لم تكن متوفرة في هذه الأرض الصحراوية من جزيرة العرب، بيئيا واجتماعيا وأمنيا واقتصاديا…فقد أقام مدنية كاملة على المستوى التنظيمي والتشريعي والأمني والاقتصادي والعسكري، حتى إنه استبدل اسم يثرب بلد هجرته إلى اسم المدينة؛ دليلا على الوجهة المدنية لسياسته، وقد أنشأ لذلك جميع المقومات التي تحتاجها هذه المدنية ، وركز على الأبعاد القيمية الأخلاقية في إنشائها وإقامتها لأنها هي المعول عليه في دوام الحضارة وثباتها وتماسك مجتمعها وإلا فالسقوط والانهيار.
لقد أخرج المدنية من رحم البداوة، وأخرج التشريع من رحم الفوضى، وأخرج الأمن من رحم الخوف والصراع القبَلي، وأخرج النظام الاقتصادي من رحم الاحتياج، وأخرج القوة من رحم الضعف، وأخرج التمكن في الأرض من رحم الذل، لا شئ معه غير العزيمة، والرشد، والتأييد الإلهي، وجماعة من الصادقين، بنى مدينته على القيم التي جاء بها القرآن وهي تهم الحياة كلها، من معرفة الله والإيمان به إلى طهارة الثياب، ففلسفة الحياة والرؤية الكونية القرآنية لها امتداد من أعلى درجة إلى أسفل درجة، من معرفة الله إلى النظافة، ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾(المدثر:3-4)، وهذا غير موجود في أي فلسفة أخرى.
وهذه المعرفة القرآنية الإيمانية والأخلاقية والحضارية يجب أن تكون المرجعية الأعلى لحياة الإنسان من مبدأه إلى نهايته، فهي تفعل أثرها في الإنسان والمجتمع ما لا تفعله فلسفات أخرى غربية وشرقية، ويمكن معرفة الفرق بين المعرفة الإسلامية وباقي الفلسفات، ولنجعل مثالا الفلسفة اليونانية، باعتبار أن الغرب يستمد مرجعيته النظرية والعملية منها، ولننظر إلى الآثار المتحصلة في حياة وبعد وفاة المؤسس الأول لكل من المعرفة الإسلامية والمدارس المختلفة للفلسفة اليونانية، فلينظر إلى آثار المعرفة الإسلامية -في حياة النبي وبعد وفاته- على الواقع الإسلامي الاجتماعي والاقتصادي والعلمي والحضاري، وإلى الفلسفة اليونانية بما فيها الفيثاغورية والعقلية (سقراط، أفلاطون، أرسطو)، والرواقية والإبيقورية -في حياة أصحابها وبعد وفاتهم- كيف أنها لم تكن إلا نظريات للفلاسفة مجردة عن الواقع، يعتقدها بعض تلاميذهم ويتدارسونها بينهم، حيث لم تؤثر في واقع الناس الاجتماعي والاقتصادي والعلمي والحضاري، فالفيثاغورية كان أكبر اهتمامها أسرار الأعداد وعلاقتها بالوجود، والقوانين الموسيقية، والفلسفة العقلية ورموزها (سقراط، أفلاطون، أرسطو) لم تؤثر شيئا في واقع الناس وحياتهم في اليونان، فسقراط حكم عليه الشعب اليوناني الديمقراطي بالإعدام بعد أن أنكر عليه فلسفته، وأفلاطون لم يجد لنظرية المثل عقلا يقبلها، ولا وجد من يقبل مشروعه السياسي المتعلق بمدينته الفاضلة التي يستحيل العيش فيها وفق ما قرره من نظام سياسي وعسكري واجتماعي واقتصادي وأخلاقي شيوعي متشدد، فلم يستطع تنزيلها على الواقع رغم علاقته برجال السلطة، وأما فلسفة أرسطو فلم تنتشر في المجتمع اليوناني وبقيت تدرس نظريا في المدارس الخاصة اليونانية كمدرسة اللوقيون التي أنشأها، ولم يستطع أن يؤثر في المجتمع اليوناني ولا أثر حتى في تلميذه الإمبراطور الإسكندر المقدوني الذي لازمه طويلا، وكان من المفترض أن يكون ناشرا للعدالة والفضيلة لعلاقته بأرسطو، إلا أنه كان سفاحا سفاكا للدماء ومستعبدا للشعوب، لا يعير للأخلاق أي اهتمام رغم فلسفة أرسطو في الأخلاق، وقد بقيت فلسفة أرسطو نظرية فقط دون أن تدخل حيز التطبيق والعمل، بالرغم من أنه قسم الفلسفة إلى قسمين: نظرية وعملية، وأما الفلسفة الرواقية فأكثر اهتمامها الأخلاق الفردية المتكلفة مع صناعة المنطق الإسمي الذي عرفت به، والفلسفة الإبيقورية اهتمت باللذة والسعادة وتوسعت في ذلك. فكل هذه النماذج من المعارف والفلسفات اليونانية لم تطبق على أرض الواقع، بل بقيت نظريات عند أصحابها وتلاميذهم المقربين، لأنها تفتقر إلى مقومات تطبيقية في المجتمع.
في حين استطاع محمد ﷺ أن ينزل المنهج القرآني إلى حيز التطبيق العملي، فأثر في المجتمع الإسلامي الواسع تأثيرا بالغا، ونقل العرب من عبادة الأحجار والأشجار إلى النظر والتفكر في خلق السماوات والأرض، ومن الفوضى الاجتماعية إلى الالتزام بالتشريع والقانون المنزل، ومن البداوة إلى المدنية بفعل الهجرة إلى المدينة، وغير العقل الاجتماعي العربي من القبيلة إلى الدولة، واستطاعت هذه الدولة الناشئة بعد وفاة النبي أن تسقط إمبراطوريتين كبيرتين تهددان السلم العالمي وتستعبد الأمم، وهما الفرس والروم، وأن تصبح أعظم إمبراطورية في العالم، وبفضله تم إخراج جيل إنساني جديد للعالم، يرتكز على قيم أخلاقية، ويحمل مقومات علمية وحضارية غيرت مسار التاريخ البشري.
ولكي تنتعش الفلسفة اليونانية وتنبعث من جديد ويكون لها بعض الآثار احتاجت إلى مجيء الإسلام الذي حرك العقل الإنساني ووجهه إلى طلب العلم ومعرفة الحقيقة، والنظر في آيات الآفاق والنفس، والسير في الأرض لمعرفة أسرار الخلق، فقام المسلمون باستخراج مخطوطات اليونان من الركام لِما وجد عندهم من حب الاستطلاع والانفتاح على فلسفات الأمم الأخرى، وعلى التراث الإنساني المختلف، فاستعانوا بالمترجمين، ونظروا فيها بما تقتضيه المنهجية المعرفية الإسلامية، نقدا وتقويما وتوجيها، ورغم ذلك لم تستطع الفلسفة اليونانية الإلهية والطبيعية والعقلية التأثير في المجتمع الإسلامي، وبقيت في حيز النظر والبحث والتقويم حتى شهد لبعضها المنهج التجريبي الذي يعتبر المسلمون سادته، حتى المنطق نقدوه وقبلوا منه ما كان متسقا مع الضرورات العقلية، وهذبوه وأخضعوه للمجال التداولي الإسلامي، فهو في الجملة قانون عقلي منسجم مع المبادئ القرآنية التي حركت العقل العربي والإسلامي ودعت إلى استعمال العقل، فوجد المسلمون فيه قواعد تحفظ منهجية التفكير كما يحفظ النحو اللغة، لا أنهم وجدوا العقلانية فيه، فالعقلانية الإسلامية سابقة لدخول المنطق اليوناني إلى البيئة الإسلامية، أما العلوم الأخرى كالطبيعيات والرياضيات، فهذه مشترك إنساني للعرب والمسلمين فيها نصيب كبير، وقد أخذ اليونان كثيرا من هذه العلوم من البلاد الشرقية، وخاصة الحضارات القديمة في بلاد العراق ومصر، وحتى ما استفاده المسلمون من اليونان كان ما يزال في حيز النظر، ومختلطا بالأفكار الميتافيزيقية والأساطير اليونانية، فخلصوه من كل ما لا ينسجم مع طبيعة العقل والحس، وأخضعوه للتجربة بفعل المنهج المعرفي الإسلامي الذي يقوم على العقل والتجريب.
هناك من يرجع الحضارة الأوربية والغربية بصفة عامة إلى الفلسفة اليونانية، ويرى أن اليونان هم أصل الفلسفة ومبدعوها، وهذا غير صحيح فالمعرفة تراكمية كل حضارة تستفيد من حضارة أخرى سابقة أو مجاورة لها، وقد استفاد اليونان فلسفتهم من حضارات أخرى كالبابلية والمصرية والصينية والهندية ولم يبتدعوا شيئا من تلقاء أنفسهم، وقد ابتدأت الفلسفة اليونانية سفسطائية محاكية لتجارب الأمم الأخرى إلى أن تطورت مع سقراط وأفلاطون وأرسطو هذا الأخير الذي رفع من شأن الفلسفة اليونانية…وفكرة حصر الفلسفة في أمة اليونان إنما جاءت من عند مؤرخي الغرب الذين لا يرون أي فضل للشرق لا في الفلسفة ولا في الحضارة.
وفي البداية كانت الفلسفة نظرية في الغالب الأعم إلى أن جاء المسلمون بقيادة المعتزلة أولا والفلاسفة كالفارابي وابن سينا وابن رشد وغيرهم ثانيا، وكان هؤلاء مدفوعين من جهة الوحي الذي حرّك عقولهم إلى اكتشاف آيات النفس والآفاق، فتفكروا في ذلك أولا نزولا عند إرادة الله في وجوب النظر والبحث عن الحق؛ ثم ترجموا كتب اليونان ثانيا ليلبوا نهم تفكيرهم، وأدخلوا الفلسفة إلى المختبر فجعلوها في حيز التجريب والتطبيق مما أسهم في قيام الحضارة الإنسانية، هذا الفكر الإسلامي القويم الذي أسهم في قيام الحضارات الإنسانية وبناء العمران البشري، نحن اليوم في حاجة إلى عودة هذا الفكر لإرجاع الإنسان إلى تفعيل دور القيم في الحياة بعد أن تخلى عنها لصالح القوة والصناعة والاستهلاك، فلا بد من تأطير كل ذلك بالقيم الكونية وتنظيم مجتمعاته، وربط علاقته بالله والإنسان والعالم.
إذا بحثنا عن مقومات الفكر الإسلامي الأصيل وجدناه يرتبط ارتباطا بثلاثة أشياء: الله، الإنسان، والكون، وهذا الارتباط قائم على مبدأ “حمل الأمانة” المستخلصة من قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَان إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾(الأحزاب:72)، الذي يفيد حقيقة الاستخلاف والتسخير والعمران في علاقة الإنسان بالله والكون والحياة، في حين الفكر الغربي مرتبط بالإنسان والطبيعة فقط، وإقصاء الدور الإلهي في الحياة، ويقوم على مبدأ التطويع والاستغلال والترف، وهذا ما يفقد للإنسان الوعي بمسؤوليته تجاه الطبيعة والعالم، فالفرق بين “الأمانة والتسخير والعمران” و”التطويع والاستغلال والترف” هو أن الأول يدعو إلى الاستعمال الراشد والانتفاع الصالح في المجتمع الإنساني، بينما الثاني يدفع إلى النفعية والاستهلاك والترف، مما ينتج عنه الإفساد في الأرض وخراب العمران وهلاك الإنسان، فالفلسفة الغربية لا تهتم بالقيم الكونية في ارتباطها بالعالم وإنما تهتم بمبادئ التصنيع والاستهلاك لتحقيق غاية واحدة هي الترف لإشباع نهم الإنسان الغربي وتحصيل متعه الحسية.
النظام العالمي كفلسفة وسياسية واقتصادية ونمط اجتماعي يقف عاجزا أمام سؤال القيم، فليس له مرجعية نظرية وتطبيقاتها العملية في هداية الإنسان إلى تفعيل القيم، لأن غايته البحث عن الموارد الطبيعية وتقوية الإنتاج والبحث عن المستهلك لتوفير الثروة الاقتصادية والانتفاع بها ماديا وترفيهيا في غياب أي معنى للحياة وغايتها الروحية والمعنوية، مما أفرز لنا إنسانا فردانيا نفعيا يبحث عن متعه الجسمانية في غياب الرؤية الكونية وإدراك الإنسان غاية وجوده ومبدأه ومنتهاه.
– معيقات تطبيق القيم الأخلاقية في حياة المسلمين اليوم:
قد يقول قائل: وأين هذه القيم في حياة المسلمين اليوم، وهذه دولهم تبدو متخلفة ومجتمعاتهم تعرف فوضى واضطرابات، وأخلاقهم في الحضيض قولا وفعلا؟
لا يمكن الحكم على أخلاق مجتمع إلا إذا كان سلوكه صادرا عن مرجعية تنظيمية يتفاعل من خلالها الناس في المجتمع ويحتكمون إليها، وواقع المسلمين في مجتمعاتهم غير ذلك، فهم لا يحتكمون إلى مرجعية أخلاقية وتشريعية في نسق مرجعي متكامل، وإنما هناك أفراد لهم نمط تدين شعبي يسيرون عليه ويمارسون طقوسه، وهو يقترب ويبتعد عن منهج وحقيقة الإسلام كما جاء به القرآن حسب وعي المتدين، لأن الدين أصبح تقليدا لا تعليما وامتثالا، وأكثره تقاليد وأعراف دينية شعبية هي أقرب إلى الفلكلور منه إلى الأخلاق والفضائل العلمية والعملية، وإذا أراد أحدهم أن يبحث عن نمط تدين خارج ما هو متعارف عليه في مجتمعه فإنه يعتنق المذهب المتشدد والمنغلق منه لأنه هو المنتشر الطاغي على وسائل الإعلام المختلفة، حيث تم الترويج لنسخة إسلامية لها مرجعية تخدم اتجاهات فكرية وسياسية رسمية اتفقت على نشرها أطياف كثيرة لها مصالح في ذلك، فيصبح المتدين إخباريا أثريا، مكفرا أو مفجرا أو منفرا، وليس مستنيرا متحضرا، وهذه النسخة من التدين لا تقيم للأخلاق وزنا ولا للحضارة اعتبارا، وهي أشبه ما يكون بمرجعية نظام قبيلة في صحراء بائدة، بعيدا عن الإسلام المستفاد من مرجعية القرآن.
الإسلام القرآني ذو المقاصد الإصلاحية للفرد والمجتمع فكريا واجتماعيا واقتصاديا وسياسيا محارب من طرف الحكومات والمنظمات المدنية العلمانية، لأنه ينافسهم في تأطير وتنظيم المجتمع، وتوجيه المصالح العامة إلى ما يحفظ الضروريات الخمس المتمثلة في المقاصد الدينية والقيم الكونية.
الأحزاب والحكومات والأنظمة العربية (ملوك، أمراء، رؤساء، وزراء) لا يحتكمون في سياستهم لمبادئ الدين (العقيدة، الشريعة، الأخلاق) والمبادئ الكونية (العقلية، الفطرية) بل يحتكمون لمبادئ النظام العالمي (البنك الدولي، القانون الدولي، الرأسمالية)، فالظاهر أنهم على غير هدي الدين الإسلامي المتمثل في القرآن الكريم، فهم يطبقون مرجعية القانون الدولي ومبادئ الرأسمالية، واتباعهم للدول الغربية وامتثالهم لسلطة وقوة النظام العالمي سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وثقافيا، والالتزام بقوانينه المدنية وقيمه الحضارية، دون اعتبار لاستقلالية الدول وحرية الأمم والشعوب في اتخاذ قراراتها المناسبة لها والمعبرة عن خصوصياتها، وأحداث غزة كشفت أكثر عن مستوى هذه التبعية وهذا الولاء المطلق إلى حد التطبيع مع الجرائم دون إنكار، لذلك أصبحت الشعوب العربية والإسلامية أكثر إقتناعا من ذي قبل على أن حكوماتها مجرد أدوات في يد النظام العالمي يستعملها لخدمة أجندته ومصالحه في المنطقة حتى لا تكون هناك أمة مستقلة فكريا وسياسيا واقتصاديا وثقافيا؛ لأن التغاير في مجموع الأنماط ووسائل الإعداد يؤدي إلى المنافسة وتراجع الهيمنة، وهذا ما لا يرغب فيه النظام الرأسمالي الإمبريالي.
المانع من نهضة الأمة اليوم حكامها ورجال دينها، وهذا ما يريده الغرب، حيث يوجد أنظمة مستبدة ورجال دين منغلقين فتعيش الأمة بين سطوة الاستبداد وظلمة التدين الجاهل، وإيجاد قاعدة جماهيرية عامية عريضة تحمي وتدعم هاذين المرجعيتين السياسية والدينية حتى لا يظاهر عليهما أحد، لم يعد للفقهاء استقلالية في إصدار الأحكام الدينية إلا إذا كانت موافقة لهوى ومزاج الحاكم، فالمذاهب الفقهية اليوم والسنية منها بالأخص كلها مطبعة مع الحاكم المستبد، وقد بدأ هذا التطبيع مع عصر التقليد والانتماء المذهبي، في حين نجد أئمة المذاهب كأبي حنيفة والشافعي ومالك وغيرهم من الفقهاء الذين كانت لهم استقلالية فقهية لم يكونوا يطبعون مع الحاكم، بل نجد لهم مواقف ضد هوى ومزاج الحاكم، القليل من الفقهاء والعلماء اليوم من احتكموا إلى مبادئ الدين وقيمه ولم يبدلوا، ووقفوا مع المستضعفين ونصروا الحق، ولم يركنوا إلى الذين ظلموا رغم الإغراءات والمثيرات، وبعض هؤلاء مضيق عليهم أو سجناء.
الفقه السياسي والشرعي اليوم يحتاج إلى هزة فكرية لينهض بالأمة ويوجهها إلى الإصلاح لتفعيل دور القيم في المجتمعات الإنسانية، ولن يكون هذا إلا بالانفتاح على الواقع المعاصر ودراسة الظواهر الاجتماعية والأفكار المعاصرة والنوازل المختلفة والانفتاح على مناهج علمية حديثة تسهم في البحث لإيجاد الحلول لكثير من القضايا المستجدة في حياة الإنسان ومجتمعه، وليس الانكفاف على الآراء الفقهية والكلامية المذهبية التي لا تفيد الإنسان ولا تصلح لمجتمعه، فالآراء الدينية الاجتهادية لها ارتباط بالبيئة وشروط الحياة في الزمان والمكان، فهي متغيرة ما لم تتناقض مع الأحكام الدينية الإلزامية المستفادة من كتاب الله عز وجل، وليس مما أملاه فكر المجتهد ومزاجه العلمي، فقد تكيفت كثير من الأحكام الإسلامية مع المزاج العربي والبيئة العربية فجاء الفقه الإسلامي فقها عربيا بدل أن يكون عالميا، حيث تدخل في نصوص الوحي عوامل اجتماعية وبيئية وفسر القرآن تفسيرا عرفيا، واستنبطت أحكام اختزلت تلك النصوص من قيم كونية إلى مبادئ قَبَلية، وصدرتها إلى باقي الأمم التي دخلت في الإسلام، فتجد كثيرا من ممارستهم عربية أكثر مما هي إسلامية، وتجد اليوم مثلا رجلا في أوروبا وغيرها من دول الغرب حديث الإسلام يلبس اللباس العربي وينظف أسنانه بعود الأراك، ويمارس التقاليد العربية ظنا منه أنه يمارس الدين.
العيب ليس في هؤلاء الفقهاء الذين اجتهدوا واستنبطوا ما فهموه من الوحي وفق ما أملته عليهم شروط مجتمعهم وبيئتهم ونفعوا بها المسلمين في ذلك العصر؛ إنما العيب في فقهاء عصرنا الذين لم يكملوا عملهم الاجتهادي ويجددوا الفقه الإسلامي ليتحول من فقه عربي إلى فقه عالمي كما أراده الله ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾(الأنبياء:107)، فقه يتعامل مع جميع القضايا الإنسانية ويتناسب مع كل المجتمعات وفق القيم الكونية الكلية.
– شبهات وبيانات حول القيم الإسلامية:
يثير بعض الناس غير المتدينين شبهات حول القيم الإسلامية لنقضها وإظهار الإسلام بمظهر الإرهاب وتخويف الناس منه ومن منهجه الفكري والاجتماعي والحضاري، فيثيرون بذلك كثيرا من الشبهات ويشوشون بها على المؤمنين وغيرهم من الباحثين عن الحق، وأول مايثيرونه هو الحرية العقدية وقتل المرتد وإدخال الناس في الدين بسلطة السيف وقوة السلاح، وهذه شبهة يمكن ردها بنصوص قرآنية، فحرية الاختيار العقدي مبدأ قرآني، نحن ملتزمون به، قال الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾(الكهف:29). وقال: ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾(يونس:99). وقال: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾(البقرة:272). وقال: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾(البقرة:256). وقال: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾(الكافرون:6). هذا هو منهج الإسلام في الحوار مع المخالف، لا للإقصاء ولا لفرض الاعتقاد على أحد، والحكم الفصل سيكون عند الله في اليوم الآخر، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾(الحج:69).
وأما استدلالهم بنصوص دينية منزوعة من سياقها أو مأخوذة على ظاهرها، مثل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾(التوبة:5)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾(آل عمران:19)، وقوله عز وجل: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾(آل عمران:85)، وكذلك هناك بعض الأحاديث النبوية مثل: حديث (من بدل دينه فاقتلوه)(صحيح البخاري:3017)، وحديث (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله عز وجل) (صحيح البخاري:25). فبيان ذلك كالآتي، ففي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾(التوبة:5) فالآية هنا منزوعة من سياقها فلا بد من قراءة ما قبلها وما بعدها وينظر تفسيرها في القرآن نفسه؛ فالقرآن يفسر بعضه بعضا، وترد الآيات المتشابهة إلى الآيات المحكمة التي هي أم الكتاب، فالقرآن يفهم في جملته وكله لا في تجزيئه واقتطاع آياته، فبهذا يفهم القرآن، فهذه الآية نزلت في المشركين الذين يقاتلون النبي ﷺ ومن معه من المسلمين، وقد أخرجوهم من ديارهم وأخذوا أموالهم ودورهم وأراضيهم ومنعوهم من دخول المسجد الحرام لمزاولة شعيرة الحج، بمعنى أن المسألة مسألة حرب وأن المشركين هم من ظلموا وابتدأوا بالقتال، لذلك أذن الله للمسلمين بقتال المشركين ومطاردتهم حيثما وُجدوا للقضاء على شرهم، فلا يجوز أن يقول المسلمون للمشركين تعالوا أقتلونا فنحن إنسانيون وديعون!
وهذا سياق الآية، فلنقرأ ما جاء قبله وما جاء بعده ليتضح المعنى، قال الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُ ۚ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3) إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4) فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (5) وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ(6)﴾(التوبة:3-6). فالمسلمون كانوا مضطهدين محارَبين من قبل المشركين مع وجود العهد بينهم بإيقاف القتال، لكن المشركين نقضوا العهد وبدأوا المسلمين بالقتال، فنزلت الآية تأذن لهم بقتال المشركين رغم عهدهم الذي نقضوه، وأمرت بتتبع المشركين حيثما وُجدوا وحصارهم لاستئصال شأفتهم، ثم الآية تدعو إلى قتال المقاتلين منهم لا كل المشركين، بدليل ما جاء في آخر الآيات ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ)، فهي تدعوا إلى حماية المشركين الذين فروا من القتال أو فروا من أعدائهم واحتموا بالنبي والمسلمين. ثم إن إدعاءهم هذا منقوض بآية أخرى، وهي قوله تعالى: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾، فهي تأمرهم بقتال المشركين جميعا كما يقاتلونهم جميعا، ثم هناك آية أخرى محكمة تهدم كل ما شاغب به هؤلاء، قال سبحانه: ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ(9)﴾(الممتحنة(7-9)، فالآية تنهى عن قتال من لم يقاتلوا المسلمين أو يخرجوهم من ديارهم، فهي تأمر بقتال فقط من قاتل المسلمين وأخرجهم من ديارهم واعتدى عليهم؛ إذ نفهم من ذلك أن علة قتال المشركين هي ابتداؤهم بالقتال وإخراجهم المسلمين من ديارهم والاعتداء عليهم.
وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ فلا يعني الدين الذي جاء به النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) حصرا، وإنما هو الدين الإلهي بمجمله من آدم إلى النبي محمد مرورا بجميع الأنبياء (عليهم السلام) وهذا هو المقصود من الآية، وهذا سياقها في القرآن، قال عز وجل: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ ۚ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ(20)﴾(آل عمران:19-20)، فهي تدعو إلى التوحيد والإيمان بما جاءت به الرسل من عند الله، وهذا هو الدين الحق، وهو بيان من الله للناس بأن يلتزموا دين الإسلام الذي جاءهم والذي كان عليه الأنبياء من قبل، وأن هذه الأديان المختلفة كلها باطلة، فهذا ما يفهم من الآيات القرآنية.
وأما قوله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾(آل عمران:85)، فهي منزوعة من سياقها أيضا، منفصلة عن ما قبلها في الآية الأخرى، التي جاء فيها ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84) وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ(85)﴾(آل عمران:84-85) تبين بأن الله لا يقبل دينا آخر غير الدين الذي أنزله على جميع رسله وأنبيائه، وغيره من الأديان البشرية الوضعية باطلة.
وأما فيما يخص الأحاديث النبوية، فقول النبي ﷺ (من بدل دينه فاقتلوه) حتى وإن كان في صحيح البخاري فهو ظني الثبوت وظني الدلالة، ثم إن المرجع في الاختلاف في الحديث هو القرآن، حيث أن الحديث إذا عارض القرآن يحكم بضعف الحديث أو يؤول، ومع ثبوت صحته فإنه لا يدل على كل من بدل دينه من الناس، وإنما يدل على المرتد المحارب، حيث كان المرتدون عن الدين يحملون السلاح ويحاربون الإسلام، فالحديث يفهم على هذا الوجه.
وأما الحديث الثاني (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله عز وجل) فهذا ينطبق عليه ما ينطبق على الحديث الأول من حيث المنهج الحديثي في قبول الأخبار، وإن كان في البخاري ومسلم، وأما من حيث معناه فلا يدل على قتال من لا يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة…، وإنما غاية الحديث أن هذه الأعمال مانعة للقتال، فإذا قاتل المشركون النبي والمسلمين ثم نهض المسلمون لقتالهم فقام هؤلاء المشركون بهذه الأعمال كان ذلك مانعا من الاستمرار في قتالهم، لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان في المعركة يمنع قتل من يشهد من المشركين، كما في الحديث، فقد روى البخاري في صحيحه عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: (بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة من جهينة، قال: فصبَّحنا القوم فهزمناهم، قال: ولحقتُ أنا ورجل من الأنصار رجلًا منهم، قال: فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، قال: فكفَّ عنه الأنصاري، فطعنته برمحي حتى قتلته، قال: فلما قدمنا بلغ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لي: يا أسامة، أقتلْتَه بعدما قال لا إله إلا الله؟ قال: قلت: يا رسول الله، إنما كان متعوذًا، قال: فقال: أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ قال: فمازال يُكرِّرها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم)(صحيح مسلم:96)، فالشهادة والصلاة….، هو دليل الامتناع عن القتال إذا حدث من قوم محاربين لا أن ذلك يكون علة القتال.
يتبين لنا من خلال هذا التبيين أن شبهات غير المتدينين حول القيم الإسلامية التي جاء بها القرآن والواردة في السنة النبوية لا قيمة لها علميا، فهي حجج داحضة.
وفي حرب غزة نقف على بعض مظاهر هذه القيم الثابتة حتى في عز الحرب، فالمسلم الحق لا تدفعه الحوادث والشدائد والشنآن إلى تغيير قيمه، القيم الإسلامية لا تتبدل سلما وحربا، بخلاف الذي تؤطر سلوكه النزعة البراغماتية والنفعية الذرائعية، فإنه يتوسل كل رذيلة للوصول إلى غايته، دون مراعاة القيم والأخلاق في مشروعية الفعل، فعند المقارنة بين تعامل المقاومة الفلسطينية في غزة مع الأسرى الإسرائيليين، وتعامل الصهاينة مع الأسرى الفلسطينيين نجد اختلافا في منظومة القيم وأخلاق الحرب، حيث نشهد جنون الجيش الإسرائيلي في تعامله مع الأسرى دون اعتبار لحقوق الإنسان، في حين تعطي المقاومة مثالا للمحارب المتخلق الذي لا تأخذه العداوة إلى ممارسة الجرم في حق أسرى العدو بل يلتزم التعاليم التي أملاها عليه الدين الإسلامي في وجوب التعامل الحسن مع الأسير، وبهذا المثال تغير المقاومة الفلسطينية رأي الآخرين ونظرهم إلى الإسلام في علاقته بالإنسان سلما وحربا بعد أن شوهت صورته بعض الجماعات المنتسبة للإسلام مثل القاعدة وداعش وغيرها من الجماعات الإرهابية.
المقاومة الفلسطينية أعادت الاعتبار للمرجعية الإسلامية في التعامل مع الأسرى والالتزام بأخلاق الحرب وأرجعت الفعل والتطبيق إلى زمن الإسلام الأول، بحيث لا يكون لأي ناظر شائبة في تقييم الممارسات الحربية للأمة الإسلامية.
وختاما أقول إن العالم اليوم في حاجة إلى إعادة الاعتبار للقيم الأخلاقية التي افتُقدت منه وعُوضت بقيم الاستهلاك التي أهلكت الحرث والنسل، كما قال أمبرتو إيكو الفيلسوف والروائي الإيطالي: “الحياة الآن لا يحكمها مفهوم الحق والباطل، ولا مفهوم الأخلاق والمبادئ والمثل العليا… الحياة يحكمها مفهوم القوة والضعف… الذكاء والغباء… التكيف أو الاندثار… فحقك لابد أن تأخذه بالقوة والذكاء والتكيف مع الواقع… فقد تطورنا عبر ملايين السنين من كائنات تفترس بعضها البعض مادياً، إلى كائنات تفترس بعضها مادياً ومعنوياً ونفسياً وحقوقياً أيضاً …!!”. وحرب غزة حالة ماثلة أمامنا، وعبرة لمن أراد أن يعتبر، وإذا لم نفعّل دور القيم في أنفسنا ومجتمعاتنا، فإن العالم مهدد بالخراب والزوال.




