رأي

المسرح الفلسطيني قراءة في المسارات

أعد المادة ذ: عبد الرحيم مفكير

يعتبر المسرح من أهم وأرقى الفنون التي عرفها التاريخ، ومن خلاله جسد الإنسان طموحاته وآماله  وأحلامه في حياة أفضل ومجتمع أرقى, كتب له العديد من أشهر الكتاب العالميين, ومثلت على خشبته روائع الأعمال الإبداعية الخالدة, وتأتي هذه الإطلالة من أجل التعرف على المسرح الفلسطيني ودفاعه عن هوية الشعب المقاوم ومواجهته للعدوان والحصار، وتمرده على الطغيان والاستبداد، بالرغم من قلة الإمكانات ، وعدم قدرته على التواصل مع باقي التجارب، والتطور الذي عرفه فن الأداء سواء على مستوى التأليف والإعداد، أو على مستوى التشخيص والتمثيل والإخراج والسنوغرافية.

تقريب المفاهيم : المسرح، علم المسرح:  

المسرح: شكل من أشكال الفنون يؤدى أمام المشاهدين، يشمل كل أنواع التسلية منالسيرك إلى المسرحيات.وهناك تعريف تقليدي للمسرح: هو أنه شكل من أشكال الفنيترجم فيه الممثلون نصا مكتوبا إلى عرض تمثيلي على خشبة المسرح، يقومالممثلون، عادة بمساعدة المخرج على ترجمة شخصيات ومواقف النص التيابتدعها المؤلف. وهذا التعريف أصبح متجاوزا أمام العمل الجماعي لإعداد النصالإبداعي بدء بالفكرة وانتهاء بأدائها على الركح.

المسرح: فن يجمع العديد من الفنون فهو يتعامل مع النص الأدبي،والروائي والشعروالنثر، وهي مكونات النص المسرحي  كما يستغل الفنون التشكيلية ، والنحت ليقدمالديكوراتأو كما أصبحت تسمى الآن السينوغرافياوللمسرح كذلك تفتح علىالموسيقى، وذلك لتقديم المؤثرات الصوتية وفواصل اللوحات، فهو فن شامل مركبمن عدة فنون، يشتمل على الأدب والرسم والهندسة المعمارية والموسيقى والغناءوالرقص..الخ.

   ومن بين هذه الفنون يبرز فن يختص بالمسرح وهو فن التمثيل، فالممثل لا ينفصلعن المسرح والمسرح لا ينفصل عن الممثل ولا يمكن اعتبار بقية الفنون مرتبطةبالمسرح، ما لم يؤد كل منها دوره في المسرح، وبتأدية هذا الدور يكتسب ذلك الفنخصائص جديدة تغنيه، فالرسم المسرحي يختلف عن طبيعة فن الرسم، والموسيقىالمسرحية تختلف عن الموسيقى العادية وهكذا، أما فن التمثيل فهو فن مسرحيبطبيعته.

  المسرح فن قديم عريق ومتجدد، وهو من أقرب الفنون إلى قلوب الناس وعقولهم، لأنه يشعرهم بالبهجة والفرحة ويزودهم بالثقافة والمعرفة، وقد قيلأعطني مسرحاأعطيك شعبا متحضرا“.

المسرح هو ذلك الفن الزائل، الذي يمثل فيه حدث، من طرف ممثلين وفنانين، في مكانمحدد، من اجل جمهور، هو فن جديد تماما في المجتمع العربيالإسلامي ( المسرح في المغرب بنيات واتجاهات عبد الواحد عزري ص 13) .

وهناك من يطلق على المسرح فن الدراما ، ولا يفصل بين مصطلح المسرح والدراما، والدراما كلمة يونانية انتقلت إلى اللغة العربية لفظا، لا معنى، وهي نوع من أنواعالفن الأدبي ارتبطت من حيث اللغة بالرواية والقصة، واختلفت عنها في التصويرالصراع وتجسيد الحدث وتكثيف العقدة ( الدراما والمسرح في تعليم الطفل حنانعبد الحميد العناني ص 7).  

والدراما بمعناها العام هي الشعر الدرامي، والنص المكتوب لأداء أدوار مختلفة، حسب الفعل المتسم بالصراع (معجم المصطلحات المسرحية أحمد بلخيري ص 50).  والأدرمة: la dramatisation  محاولات وتجارب، من أجل إيجاد أسلوب يؤدي إلىالمسرح بفضل الحوارات، والاقتباس الدرامي من الروايات، مورس في القرنالعشرين، وقبله ، ابتداء من نصوص كانت قبل ذلك درامية ( معجم المصطلحاتالمسرحية أحمد بلخيري ص 6).

وعلم المسرح: يدرس المسرح في كل مظاهره ودون إقصاء منهجيوهو اختصاصسوسيوانتربولوجي، حيث يكون موضوعه علاقة اجتماعية معينة، ذلك ان المسرحيتأسس بوصفه مظهرا اجتماعيا، وجمالية نوعية، داخل إطار زمكاني محدد، لهتفاعل رمزي متبادل بين الممثلين والجمهور، وعلم المسرح يضم كل الأبحاث المتعلقةبفن المسرحية، والسينوغرافيا، والإخراج المسرحي وتقنيات الممثل.كما أنه يسبقمختلف المعارف، ويفكر في الشروط المعرفية للدراسات المسرحية، وهو في هذينالأمرينالتنسيق، والتفكير في الشروط المعرفيةيشبه السيميولوجية ( معجمالمصطلحات المسرحية مرجع سابق ص 74).

نبذه عن تاريخ المسرح الفلسطيني في الوطن والشتات:

ارتبطت نشأة المسرح في فلسطين بنشأته في الوطن العربي ككل خاصة في مصروسوريا ولبنان, إلا أنه تميز عن غيره من المسارح العربية بعدم اهتمام المؤرخينوالباحثين به الاهتمام الكافي الذي يسلط عليه الأضواء ويساعد في رقيه وتطورهلأسباب قد يكون من أهمها ضعف الحركة المسرحية في فلسطين عموما وتعثر معظمالتجارب الفردية وعدم تواصل التأليف المسرحي الفلسطيني, وقد ظلت الأحداثوالثورات والانتداب ثم الاحتلال من أبرز العوامل التي أدت إلى ذلك وأضاعت الكثيرمن الجهود في هذا المجال.

وقد تأثر المسرح الفلسطيني بمحيطه الثقافي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وكان لتواجد الاحتلال الغاشم الأثر الظاهر على مساره.

عرفت فلسطين الفن المسرحي في الربع الأخير من القرن التاسع عشر من خلال عدةمحاولات لها قيمتها التاريخية برزت وارتقت في مطلع القرن العشرين خصوصا بعدالحرب العالمية الأولى حين نشطت المدارس في تقديم المسرحيات خاصة المسرحياتالوطنية و التاريخية، وقد جاءت محاولات إنشاء مسرح فلسطيني واضح الرؤية فيزمن الانتداب البريطاني في فلسطين وتحديدا عام 1918.

المسرح زمن الانتداب البريطاني :

تميز المسرح الفلسطيني في هذه المرحلة أيام الانتداب بالمسرحيات السياسية، ولكنفي وقت متأخر، وذلك بسبب صرامة الرقابة البريطانية التي كانت توجّه أقسىمعاملاتها ضد المسرحيات السياسية المطبوعة، غير أن هذا لم يحُل دون أن تلعبالمسرحية السياسية دورها المهم، ففجرت أحزان الناس ونبهتهم إلى مآسيهم. وقدأنهت دار المعلمين في القدس عامها الدراسي 1932 بمسرحيةهاملتلشكسبير، وأتقن طلابها جميعاً أدوارهم وخاصةً الطالب الذي قام بدورجرترودأم هاملت، حيث كان مكياجه متقناً إلى حد أن الكثيرين ظنوه امرأة. وخرجت في فترة ما بينالحربين مسرحيات تحارب الصهيونية وتحض على عدم بيع الأراضي لليهود، وصرف بعض الكتّاب همّه الأول للكتابة المسرحية الموجهة ضد النفوذ الأجنبيوتدخله في شؤون العرب الداخلية.

مرحلة ما قبل 1948:

شهدت ازدهار المسرح الفلسطيني، وتعددت التجارب وأغنت الحركة المسرحية، وقدارتبطت الحركة المسرحية في بداياتها في فلسطين بالمدارس التبشيرية التي انتشرتفي القدس ويافا وحيفا وبيت لحم، ولعله من الإنصاف القول إن الأندية والجمعياتالناشطة في فلسطين هيأت الجو لغرس بذور النهضة المسرحية حيث كان التمثيلضمن برامجها الدورية، ومن هذه الجمعياتجمعية الشبان المسيحيةفي القدسوالتي أنشئت عام 1877.

وعرفت مجموعة من الأسماء التي اهتمت بالكتابة للمسرح ما بين عامي 1919 و1949، وعلى رأسهم جميل حبيب بحري، والأخوة صليبا ونصري وجميل وفريدالجوزي.

وتأثرت حركة المسرح بكثير من العوامل في تلك الفترة إضافة إلى المدارسالتبشيرية، فقد كانت هناك مدارس وطنية أسست كرد على المدارس التبشيرية، واهتمت هذه المدارس بالمسرح حيث قدم معظمها مسرحية واحدة على الأقل فينهاية كل عام دراسي.
وأي دارس لتاريخ المسرح الفلسطيني لا يستطيع أن ينكر عامل الفرق المصريةوالشامية والأجنبية التي زارت فلسطين بين أعوام 1920- 1930، أمثال فرقة جورجأبيض والريحاني وعلي الكسار، كما قامت عدد من الفرق الأجنبية بتقديم مسرحياتشكسبير وموليير، مما دفع بعض الشبان الفلسطينيين إلى تأسيس فرق تمثيليةفي العديد من المدن.وفي تلك الفترة وصل عدد الفرق المسرحية في مدينة القدسوحدها إلى ما يزيد على 30 فرقة، غير أن هذه الفرق كانت ضعيفة المستوى.
وأثّرت كذلك الجمعيات والنوادي ومحطة الإذاعة الفلسطينية والصحف والمطابعبشكل أو بآخر على الاهتمام بالمسرح في تلك الفترة.
وقد واجهت المسرحيين الفلسطينيين مجموعة من الصعوبات تمثلت في عدم وجودفتيات للقيام بالأدوار النسائية واستئثار بعض محبي الظهور بالأدوار الرئيسة، خصوصاً إذا كانوا من أبناء العائلات أو ممن يدعم أهاليهم المسرح بشكل أو بآخر، كما ساهمت القوانين الحكومية والرقابة على النصوص في عرقلة الجهود المسرحية.
وقد ذكرنا أن جميل حبيب بحري كان من أهم الكتّاب الذين كتبوا للمسرح قبل عام1948، حيث قام بكتابة 12 مسرحية منها: ـ الوطن المحبوب، 1923، نشرت في القاهرةـ الخائن، مأساة من 3 فصول، 1924 ـ في سبيل الشرف، مأساة من 5 فصول، 1926 ـسجين القصر، مأساة من 5 فصول، 1927

العوامل التي أثرت على المسرح الفلسطيني في فترة النكبة
دور المدارس الوطنية والأجنبية في إحياء الفنون والآداب بين الطلاب
وفود الفرق المسرحية المصرية والشامية إلى فلسطين
تأسيس الإذاعة الفلسطينية في القدس سنة 1936 بإدارة إبراهيم طوقان ونشاطعائلة الجوزي التمثيلي البارز في هذه الإذاعة
الصحف والمطابع التي وجدت في فلسطين والتي ساهمت إسهاما كبيرا في نشرالوعي والحس الفني لدى الجمهور.

المسرح الفلسطيني بعد 1948:

أصابت صدمة النكبة العنيفة من قبل الصهيونية المسرح الفلسطيني بخيبة أملكبيرة بعد النشاط البارز والمحطات الهامة التي حققها زمن الانتداب البريطاني, وقدأدت هذه الانتكاسة إلى تشتت شمل فناني المسرح الفلسطيني فعاش المسرح ما بعد1948 مرحلة انعدام وزن وكساد فني مسرحي وسكون تام للحركة حتى عام 1965 عامانطلاقة الثورة الفلسطينية
بعد انطلاقة الثورة تشكلت الكثير من الفرق المسرحية الفلسطينية في بعض الأقطارالعربية وفي داخل الأراضي المحتلة رغم كل الحواجز والقيود، وفي الشتات خارجفلسطين
وبمبادرة من حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح تشكلت جمعية المسرحالفلسطيني سنة 1966 في دمشق وقدمت أعمالا في عدة عواصم عربية وقد حملتهذه الجمعية فيما بعد اسم فرقةفتح المسرحيةواستطاعت أن تقدم خلال عامينمن نشؤها عملين مسرحيين هما:
•  شعب لن يموت من تأليف فتى الثورة وإخراج صبري سندس 
•  مسرحيةالطريقمن تأليف وإخراج نصر شما
 وقد حققت هذه الفرقة سمعة حسنة ورواجا جماهيريا كبيرا واستقطبت عددا كبيرامن الأكاديميين المسرحيين الدارسين والمتخصصين في المسرح مثل خليل طافشوحسن عويني وحسين الأسمر فتوسعت قاعدتها الوطنية وأخذت صفة الشموليةوتغير اسمها ليصبح فرقة المسرح الوطني الفلسطيني تحت إدارة الفنان خليلطافش الذي يعتبر مؤسس المسرح الوطني الفلسطيني في الشتات.

المسرح الوطني الفلسطيني:

المسرح الوطني الفلسطيني: تعريف يطلق عليه اسم المسرح الوطني، ولكن هو ليسبالفرقة القومية الفلسطينية للمسرح وللتعريف كان يطلق عليه في الماضي القريبالمركز العربي وفي الماضي القديم كان اسمه مسرح النزهة الحكواتي وهو يعتبرتاريخ أول قاعة مسرحية غير خاصة كقاعات كالمدارس مثلاً في الضفة الغربية ولايمثل المجتمع المسرحي الفلسطيني بل يؤجر قاعته لهم وباجر مادي مقابل استخدامالقاعة، ففلسطين زاخرة بالفرق المسرحية.

يعتبر خليل طافش مؤسس المسرح الوطني الفلسطيني في المهجر كما أنه أول مندعا إلى تشكيل فرقة قومية عربية تضم فنانين من أنحاء الوطن العربي خلال مؤتمرصحفي أثناء مهرجان المسرح العربي في الرباط عام 1974، هذه الدعوة التي لميلتفت إليها أحد في حينه إلى أن جاء الفنان المغربيالطيب الصديقي وأقام هذهالفرقة في أوائل الثمانينات، وقد درس طافش المسرح في القاهرة وتخرج من المعهدالعالمي للفنون المسرحية في القاهرة عام 1969، وقد كانت بدايته مع فرقة فتحالمسرحية منذ عام 69.

في عام 70 ومع بداية مذابح أيلول توقف نشاط فرقة فتح المسرحية فترة من الوقت إلاأنها استطاعت وبفضل مجهودات شبابها أن تعيد نشاطها من جديد وكان ذلك خلالعام 71 أي بعد سنة من التوقف، وكانت العودة أكثر موضوعية وأكثر فعالية حيثكانت هناك مجموعة من الشباب الذين يملكون الرغبة والخبرة ولديهم مؤهلاتعلمية أكاديمية في فن المسرح, وهنا قام خليل طافش بتطوير فرقة فتح المسرحيةلتصبح فرقة المسرح الوطني الفلسطيني كي تكون أكثر شمولية للفلسطينيين فتماستقطاب عدد اكبر من الفنانين الأكاديميين الفلسطينيين، و قد تم خلال هذه الفترةتقديم عملاً مسرحياً للشاعر العربي السوري ممدوح عدوان في الجزائر وتونسوفي دمشق ضمن عروض المهرجان المسرحي بسوريا.

وكان الإنتاج المسرحي الأول للمسرح الوطني الفلسطيني مسرحيةمحاكمة الرجلالذي لا يحاربتأليف ممدوح عدوان وإخراج حسن عوينيوبعدها قدمت الفرقةمسرحيةالعصافير تبنى أعشاشها بين الأصابعتحت عنوانالكرسيمنتأليف الشاعر معين بسيسو ومن إخراج خليل طافش, وقد حققت هذه المسرحيةشهرة كبيرة وصدى واسعا ليس في الوطن العربي فحسب بل في كثير من البلادالأوروبية أيضا وذلك عندما مثلت فلسطين في مهرجان المسرح العربي في الرباطسنة 1974.يقول خليل طافش من وجهة نظري اعتبر أن مسرحيةمحاكمة الرجلالذي لا يحاربللشاعر الفلسطيني ممدوح عدوان كانت بداية لخلق مسرحفلسطيني بالمعنى الكامل وجاءت بعدها مسرحيةالكرسيلتكون قفزة للمسرحالفلسطيني بل قفزة للمسرح العربي عامة وقد قدمت المسرحيةالكرسيفيمهرجان المسرح بالرباطحققت مسرحية الكرسي أصداء واسعة في العالم وقدصفت صحيفة الليموند الفرنسية في عددها الصادر 21/2/1974 المسرحية بأنها: ” أهم المسرحيات التي عالجت قضية فلسطينوالتي قدمها المخرج خليل طافشللشاعر معين بسيسو, وقد أشادت الصحيفة بالمسرحية فقالتفي النص جمالشعري والإخراج في إشارة للمخرج طافش رائع جداً.

المسرح الفلسطيني في الضفة الغربية:

أدى انعدام التقاليد المسرحية التي تجعل من المسرح أداة من أدوات المقاومة الثقافيةالجادة والمجدية وفراغ الساحة الثقافية الفنية الداخلية من المسرحيين والأكاديميينالفلسطينيين القادرين على الخلق والإدارة الفنية إلى تأخير ظهور المحاولاتالمسرحية في الأرض المحتلة ذات القيمة فقد ظهر أول تجمع مسرحي في الضفةالغربية في شباط 1975 تحت اسم تجمع العمل والتطوير الفني كعلامة مسرحيةبارزة في الأراضي المحتلة سبقها وتلاها العديد من الفرق المسرحية الهامة التيظهرت في مختلف المدن الفلسطينية منها على سبيل المثال لا الحصر
فرقة عائلة المسرح التي تحولت إلى فرقة بلالين و قامت سنة 1970 في رام الله
فرقة دبابيس التي تأسست سنة 1972 في رام الله
فرقة الحكواتي في القدس التي تمتلك قاعة عرض مسرحي افتتحت سنة 1983 ولاتزال إلى اليوم
فرقة مسرح القصبة في القدس وقد تحولت إلى رام الله في عهد السلطة الوطنيةالفلسطينية
فرقة عشتار لتعليم وتدريب المسرح في رام الله.

المسرح الفلسطيني في قطاع غزة:

الحركة المسرحية في قطاع غزة حركة نشطة ولها امتداد تاريخي ليس بالقصيرويقوم عليها مجموعة كبيرة من الشباب تجمعت على شكل فرق مسرحية وقدمتمختلف ألوان الفن المسرحي خلال السنوات الماضية وبجهود ذاتية على المستويينالمادي والفني. وقد كانت أولى المحاولات الجادة لعمل مسرحي في قطاع غزة هي
مسرحيةليلة صيد“: عرضت في نادي مخيم الشاطيء للأديب عبد الفتاح مقدادومن إخراج ديب الهربيتي
مسرحيةأسياد وعبيد” : من تأليف رفيق العالول ومن إخراج محمد أبو سمرة
مسرحيةمقهى الخريجين“: من تأليف رمضان شلح وإخراج محمد أبو سمرة.

وقد تأسس في قطاع غزة عدة فرق مسرحية منها:
فرقة الشموع المسرحية التي قدمت مسرحيةوجوه ملونةوأطرش في الزفةوبدها الصبر
فرقة الأمل للفن والمسرح التي أسسها الفنانان صائب السقا ونبيل ساق الله وقدمتعدة أعمال منها
 ” العالم في جيبيوالمحسوموحوار مع دكتورالتي أوقف الحاكمالعسكري الإسرائيلي عرضها في نادي غزة الرياضي
فرقةحناضلالتي تأسست عام 1989 وقدمت عدة مسرحيات منهااغتيالحنضلةللشاعر المصري الكبير عبد الرحمن الابنودي, وعرس عروةللشاعرالراحل عبد الحميد طقش, وخفافيش الظلاموسوق فراس والأستاذخصوصي“.
فرقة مجمع الكرامة التي تأسست عام 1992  
فرقة مؤسسة الجنوب 
فرقة مؤسسة بسمة و فرقة مسرح للجميع 
فرقة جمعية فكرة, إضافة 
فرقة هيئة مجمع الكرامة في رفح 
وغيرها العديد من الفرق المسرحية التي منها ما غاب ومنها مازال يعمل إلى يومناهذا.

من الناحية الفنية لم تستطع تلك التجارب رغم كثرتها ورغم المحاولات الجادة فيتحقيقها أن تشكل حركة مسرحية واعية تسير باتجاه النضج الفني وبالتالي نحوالتطور بل ظلت تدور في فلك الهواية ولا تخرج عن إطار الاجتهادات الإبداعيةالمحدودة، أما من الناحية الفنية فلم يكن هناك في يوم من الأيام ما يمكن أن نسميهإمكانيات مادية تتيح للمسرحي القدرة على إعطاء أي عمل مسرحي ولو الحد الادنيمن احتياجاته بدءً من أجرة فنان أو فني مرورا بالاحتياجات الفنية من ملابسوديكور واتصالات وأجهزة صوت وإضاءة وموسيقى أو أي احتياج آخر، ونستطيعالزعم أن كل ذلك كان وما زال معدوماً بالنسبة لأي نشاط مسرحي وبالتالي كل ما قدمحتى الآن في قطاع غزة قدم بجهد ذاتي وما كان له أن يرى النور لولا صدق توجهمجموعة من الشباب وصدق هوايتهم وإيمانهم بدور المسرح. يقول الفنان المسرحيوالمخرج الفلسطينيسعيد البيطارفي هذا الصدد: رغم كل هذه الكثافة فيالعطاء والجهد المسرحي إلا أن الحركة المسرحية الفلسطينية في قطاع غزة عجزتعن إنتاج أعمال كبيرة وهامة بسبب غياب المؤسسة الثقافية عن هذا الجانبالحياتي المهم في معانقة الحياة اليومية، وقد قامت بعض الجهات الخارجيةبتمويل بعض الأعمال وتبني بعض المجموعات المسرحية، وللأسف كان الهدف هوتهويد الثقافة الفلسطينية وتخريب التراث والمسرح وحرفه إلى طريق تبتعد عنملامح الهوية الفلسطينية، ويعتبر هذا ناقوس خطر على الثقافة وعلى المعنيينالانتباه لضرورة الحد من هذا التمويل الخارجي ومساعدة المسرحيين الفلسطينيينبالمال والكلمة “.
ويعود ضعف الأعمال المسرحية التي قدمت في قطاع غزة وركود الحركة 
المسرحية عموما فيها إلى عدة أسباب منها
عدم وجود دارسين أكاديميين لفنون المسرح فعدد الفنانين المسرحيين الأكاديميينمع الذين عادوا إلى غزة مع قدوم السلطة الفلسطينية لا يصل إلى عدد أصابع اليدالواحدة، هذا في ظل عدم وجود معهد أو أكاديمية لتدريس المسرح حسب الأصولالفنية العلمية المتبعة عالمياً.

انعدام وجود الكتاب المسرحي في المجلة الغزية وكذلك المجلة المتخصصة أوالدراسات المسرحية أو غيرهما مما من شانه أن يعيد تقدم وتطور المواهب المسرحيةويغنيهم بالثقافة عن وجود معاهد أو مدارس مسرحية
انعدام زيارة فرق مسرحية من خارج القطاع مما يوفر للجمهور والمسرحيين فرصةللمشاهدة وكسب التجربة والخبرة، ومما يضيف للفنان إضافة نوعية تسهم فيتطوير أدواته الإبداعية، هذا بالإضافة إلى العزلة التامة التي عاشها ويعيشهاالقطاع والحيلولة دون إمكانية سفر الشباب المسرحي للخارج للمشاهدة وللقاءاتالمسرحية والإطلاع على عالم المسرح وإثراء التجربة ومواكبة التطورات العالمية
عدم وجود أي دار للعرض المسرحي في القطاع مجهزة تجهيزا فنيا من كافةالنواحي لتعطي للمسرحية إمكانية التجريب والإبداع أو حتى التدريب أو تقديمالعروض
هذا بالإضافة إلى مشكلة المشاكل وهي انعدام الإنتاج الذي يشجع الفنان والفنيالمسرحي على العطاء والتفرغ للمسرح بعيدا عن معاناة العيش والبحث عن قوتهوقوت أسرته على حساب موهبته وفنه وإبداعه.( انظر الموسوعة الثقافيةالفلسطينية ، مقابلات شخصية مسارح وفرق فلسطينيه، وزارة الثقافةالفلسطينية، السيد وليد عبد السلام، الفنان المسرحي والمخرج الفلسطينيسعيدالبيطار” ،الموسوعة الفلسطينية المجلد الثالث ).

المسرح الفلسطيني في القدس :

القدس محطة ثقافية مهمة قبل نكبة 48 .

بعد نكسة عام 1967 كان المسرح وطنيا ومقاوما  .

شهدت أوساط السبعينيات حركة مسرحية نشطة تعززت من خلال المدنالفلسطينية الأخرى.

تراجع المسرح الفلسطيني نتيجة لسياسة العزل  والحصار وهجرة المؤسساتخارج القدس .

 أحمد أبو سلعوم /مسرح سنابل

 كانت مدينة القدس محطة ثقافية فنية مهمة ،حيث استقبلت فرقا فنية مختلفة ،منهاالمسرحية وغيرها ،وكذلك شهدت حركة مسرحية نشطة سواء في المدارس أوالمؤسسات، والفرق المستقلة التي وصل عددها في الربع الأول من القرن الماضي الىأكثر من عشر فرق ، الأمر الذي حدا بالمسرحيين المقدسيين إلى إنشاءاتحادالفنانين الفلسطينيينوذلك عام 1944 . وشهدت القدس أعمالا مسرحية وفنيةمتنوعة لفرق عربية عريقة أمثال فرقةجورج أبيضوشاركت الفنانة الشهيرةبديعة مصابنيفي احدى أعمالنادي الإخاء الأرثوذكسيالمسرحية فيالقدس ، وكذلك غنت كوكب الشرق أمّ كلثوم التي أحيت حفلتين في القدس ومثلهمافي حيفا .

على أثر النكبة التي وقعت للشعب الفلسطيني تأثرت الحركة المسرحية الفلسطينية، وتناثرت بأشكال مختلفة في أصقاع الارض حيث أماكن الشتات الفلسطيني .أمّافي القدس فقد كانت اجتهادات مسرحية تتراوح بين الأندية والمؤسسات والمدارس .

وعلى أثر النكسة عام 1967 بدأت ملامح حركة مسرحية في القدس تأخذ مكانهاكذراع مقاوم ، وحظيت الحركة المسرحية بالقدس بدعم الأحزاب والحركة الوطنيةالفلسطينية ، حيث تأسست عدة فرق مسرحية مثل فرقة (بلالين وفرقة المسرحالفلسطيني ، دبابيس ، كشكول وغيرها ..)، وشهدت أواسط السبعينات حركةمسرحية نشطة ،تعززت من خلال المدن الفلسطينية الأخرى مثل رام الله وبيت لحموغزة ونابلس وحيفا والناصرة التي رفدتها بعدة عروض مسرحية.وفي أواخرالسبعينات أطلت على المشهد المسرحي المقدسي فرق مسرحية مثل : الحكواتي ، المسرح الشعبي ، سنابل ، صندوق العجيب ، الفرافير ، وكان بعضها امتداداً لفرقسابقة ، اضافة الى الكثير من الفرق المسرحية التي لم تعمر طويلا، ولكنها أثرت فيالمشهد المسرحي لدرجة وجود أكثر من عرض في الليلة الواحدة، وذلك في مختلفالقاعات التي كانت تعج بالمشاهدين كقاعة مدرسة المطران، المدرسة العمرية ، مردسةالفرير .وفي أواسط الثمانينات تم افتتاح المسرح الوطني الفلسطينيالحكواتيالذي ساهم بلا شك في تطوير الحركة المسرحية نظراً للمؤهلات والإمكانيات التيتوفرت لديه . وفي أواسط التسعينات ظهر مسرح القصبة ، ومن ثم مسرح سنابل فيأواخر التسعينات ومسرح عشتار كذلك.إننا اليوم ننظر إلى الصورة المسرحية التيتتقهقر في القدس مكانةً ومضموناً وعطاءً وخاصة بين الجماهير ،وذلك مرده الطوقالاحتلالي وهجرة المؤسسات نحو مدينة رام الله .

المسارح والفرق المسرحية في فلسطين:

ويمكن استعراض أبرز المسارح والفرق المسرحية الفلسطينية العاملة على النحوالتالي:

اسم المؤسسة

عنوانها

هاتف

فاكس

موقع إلكتروني

المسرح الوطنيالفلسطينيالحكواتي

القدس

026280957

026276293

pnt-pal.org

المسرح الشعبيسنابل

القدس

026730993

026730993

sanabeltheatre.org

مسرح عشتار

رام الله

022980037

022960326

ashtar-theatre.org

مسرح الحارة

بيتلحم

022767758

022767758

alharah.org

أيام المسرح

غزة/القدس

025854513

025834233

theatreday.org

المسرح الشعبيالفلسطيني

رام الله

022985854

popular-th.ps

مسرحالطنطورة

رام الله/الخليل

022975853

022975853

مسرح سفر

رام الله

022967926

022967926

facebook.com/pages/Safar-Theater

مسرح القصبة

رام الله

022965292

022955294

alkasaba.org

مسرح عناد

بيتلحم

022766263

022766263

inadtheater.net

مسرح الميدان

حيفا

048641871

048641873

facebook.com/pages/Almidan-Theater

مسرح الروادللثقافة والمسرح

بيتلحم

022750030

022750030

alrowwad-acts.ps

مسرح السيرة

الجليل

046782125

046782125

asseera.com

مسرح نعم

الخليل

02290528

02290528

yestheatre.org

مسرح الرواة

القدس

26285080

26285080

alruwahtheatre.com

مسرح الأحلام

الخليل

2211071

2211071

facebook.com/pages/ Dreams-Theatre

المسرح الفلسطيني والهوية:

لا يمكن الحديث عن المسرح الفلسطيني وهويته بمعزل عن التاريخ المعاصر للشعبالفلسطيني، وعن الجغرافيا التي احتضنت التجمعات الفلسطينية الكبرى علىأرض فلسطين التاريخية، وفي مخيمات اللجوء في الوطن العربي والمنافي.
ولا يمكن الحديث عن هذا المسرح بمعزل عن العواصف التي هزّت حياة الفلسطينيينعلى مدار المائة عام الماضية، وعن النكبة التي حوّلت وطناً وشعباً إلى قطع منفصلةوتجمّعات كبيرة تقاوم محاولات تفسيخها، وتمزيق نسيجها الاجتماعي، وإذابةهويتها، وخنق روحها في معازل وسجون كبيرة، ولا يوحّدها سوى العذاب والحلموالأمل.
هذا الواقع بما اكتنفه من ثورات وانتفاضات ومواجهة مستمرّة، ولّد في لحظات المدّ آمالاً كبيرة، وفي لحظات الانكسار والانحسار خيبة وإحباطاً. كما خلّف مناخاً يتّسم باليأس حيناً وبالتفاؤل أحياناً، سواء لدى من تم نفيهم إلى مخيمات اللجوء، أو من صمدوا في أرضهم وقاوموا وحشية المحتل. وهو واقع فرض على الأفرادوالجماعات توتراً دائماً وصراعاً داخلياً مستمراً بين حالة الأمل وحالة الخيبة. فالفلسطيني الباحث عن هويته والمتمسك بها داخل الوطن، كان يعاني الضغوطالهائلة التي تضعه أمام خيارين؛ القبول بالاحتلال كأمر واقع والخضوع لسياساتهوإجراءاته، أو مقاومته وتحمّل النتائج القاسية. أما الفلسطيني خارج الوطن، فهوأمام قبول الاندماج والذوبان في المجتمع الذي نفي إليه، أو رفض الاندماج والتمسّكبهويته والانتماء لوطنه، وتحمّل العواقب.

هذه الازدواجية التي فُرضت على الفلسطيني في الوطن، كما في الشتاتمعالفروق بين كل منهماخلقت حالة المنتمي واللامنتمي؛ حالة الذات التي تذوب فيمحيطها الذي تعيش فيه مرة، والانفصال عنه بحدة، مرة أخرى. ازدواجية الولاء، بالانتماء وعدم الانتماء التي طالت كل الفلسطينيين أينما كانوا، عكست نفسها علىالمبدعين وبشكل صارخ. فكثير من الفنانين تمسّك بهويته قولاً وفعلاً، وعدد منهمكان ينكر هويته الحقيقية، أو «يتناساها» أحياناً. فبين اليأس والأمل، ظلّت مسألةالهوية كحالة وجودية ملتبسة لا فكاك منها، ترسم صورة الفلسطيني الذي يؤرقهوضعه الوجودي.

الواقع الجديد الذي نشأ في داخل المناطق التي أقامت فيها إسرائيل دولتها، كانكارثياً على من صمدوا فوق أرضهم. كان الهدف الأول لهؤلاء الحفاظ على وجودهم، ولا سيما الجسماني أولاً. والهدف الثاني، الحفاظ على هويتهم وكيانهم، بمقاومةمحاولات الطمس والتشويه والأسرلة. في ظل هذا الوضع، تعرّض المسرحالفلسطيني الجنيني لضربة عنيفة، وأصبح الفنانون والمثقفون مطاردين كما حالالسياسيين. أما من حاولوا مواصلة النشاط المسرحي مسقطين من اعتبارهمالوظيفة الوطنية والاجتماعية والإبداعية والديمقراطية للمسرح، فقد جوبهتمحاولاتهم المسرحية بالرفض، واعتبرها الجمهور شيئاً زائفاً. مثل مسرحيات «فوقالانتقام» و«كرسي الاعتراف» لـفريد مدور، و«ظلام ونور» لميشيل حداد وجمال قعور، و«آمنة» لسليم خوري، التي يدعو فيها إلى التعايش بين الديانات الثلاث بمثاليةورومانسية، متجاهلاً قسوة الواقع، وحقيقة الاحتلال البشعة.
حالة الخوف من بطش الاحتلال وتقديم مسرحيات بمضامين وأفكار هزيلة وشكلفني خطابي وأداء مزيف، سرعان ما قابلتها تجارب تقتحم الواقع وتتصادم معالاحتلال في تحدٍ للخوف، وفي براعة فنية تكشف وضع الفلسطيني الواقع تحتضغوط رهيبة، وكيف يجابه ورطته مع هويته ومع عدوّه. من تلك التجارب مسرحية«قدر الدنيا»، التي تتناول قصة فلسطيني يتسلل من لبنان، عائداً إلى قريتهليحصل على هوية وحق الإقامة في وطنه، مقابل موافقة العائلة على قبول أن يعملأحد أبنائها مع الاحتلال كمخبر. وفي وقت لاحق، لخّص الكاتب إميل حبيبي منخلال روايته «سعيد أبو النحس المتشائل»، التي تحوّلت في ما بعد إلى عملمسرحي شهير، فكرة محاولة التكيّف والنجاة، وكيف يُنكر ذلك الفلسطيني البائس«سعيد» ذاته بأسلوب ساخر مرير، ليؤكد هويته التي ينفيها بكلامه وأفعاله. ثميكتب توفيق فياض مسرحية «بيت الجنون»، ويكتب الشاعر سميح القاسم مسرحية«قرقاش» لفضح ذلك الظلم والتعسّف بحقّ من يعيشون لاجئين في وطنهم.
الدولة العبرية التي قمعت أي مظهر له علاقة بالهوية الثقافية الوطنية للأقليةالعربية التي بقيت على أرضها، هي التي تسببت بانقطاع الجهود المسرحيةالسابقة على وجودها لسنوات كثيرة، كما تسببت بانقطاع التجربة في المنفى بعدأن تشتت شمل الفنانين وبات العمل في المسرح ترفاً وفائضاً عن الحاجة. في مقابلهذه الصورة، كانت التجارب المسرحية التي قُدّمت في الضفة الغربية تتركز علىأعمال تربوية ذات طابع مدرسي، وتفتقر إلى مقوّمات العمل المسرحي المتكاملوالناضج.

 في مخيمات اللجوء في سوريا، الأردن ولبنان، وفي الضفة الغربية وقطاع غزة، انحصر المسرح في أندية الشباب التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين «أونروا». وكان الموضوع الأثير في التجارب المسرحية التي قُدّمت يدور حول الحنين للوطنالضائع، والدعوة للتضحية والشهادة في سبيل الوطن. تلك المسرحيات والتمثيلياتذات النزعة الميلودرامية والخطابية، كانت ترافقها مسرحيات اجتماعية مشبعةبالقيم الأخلاقية والموعظة، إضافة إلى عروض كوميدية تهريجية لا هدف لها سوىالتسلية.
التجارب المسرحية البسيطة وفقيرة الإمكانات التي قُدّمت لعشرين عاماً تقريباً، ظلت حبيسة المخيم ولسكانه، وظلّت وسيلة التسلية الوحيدة التي يعبّر فيهاالجميع عن مشاعرهم تجاه أنفسهم ومأساتهم. ومن خلال عشرات العروض التيشاهدتها في مخيمات مختلفة، ظلّت الصورتان التقليديتان تتناوبان على خشبةالمسرح؛ الصورة الأولى، التي تقدّم الفلسطيني كضحية مظلومة خسرت كل شيء(خسرت الوطن الفردوس) بسبب فاشية الصهاينة المحتلّين، وبسبب خذلانوخيانات بعض الأنظمة العربية. والصورة الثانية، التي تقدّم الفلسطيني كمقاتلوفدائي يُضحّي بحياته ويطلب الشهادة إلى أن ينالها، فيصبح أُمثولة وأسطورةفي تضحيته. وذات الشيء جرى مع الغناء، والفن التشكيلي، والكثير من الأعمالالأدبية، والتي تمجّد الأرض التي لا يكف الحنين لترابها، وتصوّر الوطن كالفردوس لامثيل لها، وتجعل من الشهداء أو الفدائيين قديسين وأسطوريين. فاللاجئونالفلسطينيون الذين يتعرّضون لضغوط متناقضة تدفعهم أحياناً إلى نسيانهويتهم وإنكارها، سرعان ما تعيدهم الذاكرة والحنين من بؤس الواقع والنبذ أومحاولات الدمج القسري، إلى التمسّك بهويتهم والمجاهرة بها. وفي لحظات أخرى، ومناخات فيها قدر من الديمقراطية والتسامح، كان كثير من الفلسطينيين يحاولونالاندماج في الهويات الأخرى، إلى أن يكتشفوا أن هذا غير ممكن، فيعودون للذاتوللهوية، وعلى الأخص في مراحل النهوض الوطني وتصلّب الحركة الوطنيةالفلسطينية، وانتعاش الأمل بإمكانية العودة.
ظل الإنتاج المسرحي في المخيمات متواضعاً ومغلقاً على نفسه، كذلك صداه وتأثيرهوتفاعلاته. ولم يأخذ أبعاداً جديدة إلا بانفلاته في المحيط العربي الأوسع في المدنالمركزية، كبيروت ودمشق والقاهرة، وبغداد. واغتنت تجربة هواة المسرح مناللاجئين الفلسطينيين وتطوّرت بعد أن بدأوا المشاركة في مسرحيات يقودهامخرجون وكتاب محترفون في بيوت مسرحية مجهّزة، وبعد أن عاد بعضهم منالمعاهد والجامعات التي تدرس علوم المسرح في مصر وبغداد، وفي دول غربية. المسرح في عقول هؤلاء ووعيهم تحوّل من هواية وتسلية، إلى شغف ووعي ووسيلةتعبير للدفاع عن الإنسان والقضايا العادلة، وفي مقدمتها قضيتهم المنسية.

عشرات المجموعات المسرحية الناشئة وجدت في المسرح وسيلة مقاومة وتعبير عنرفض الاحتلال. والعديد من هذه الفرق لجأ إلى كتابة النصوص المسرحية بشكلجماعي عندما لم يجد نصوصاً مناسبة تجيب عن أسئلة الواقع، سواء النصوصالمصرية أو تلك المترجمة عن النصوص العالمية، ونخصّ هنا فرقاً مثل «بلالين»، «دبابيس»، «صندوق العجب» و«الحكواتي» لاحقاً. كما أن عدداً من المخرجين، وبخاصة داخل أراضي ـ 48، لجأ إلى إعداد مسرحيات عالمية تتحدث عن الإحتلالوالمقاومة، أو إعداد روايات فلسطينية ومسرحتها كـ«رجال في الشمس» و«أم سعد» لغسان كنفاني. ولعب عددٌ من المخرجين الجدد ومتخرجي الجامعات والأكاديمياتمن مصر وبغداد وأوروبا والدول الاشتراكية آنذاك، دوراً بارزاً في هذا الحراكالمسرحي المتنامي. وهنا، امتزجت خبرات وقدرات المسرحيين من المناطق المختلفة، واكتشف عشّاق المسرح «ستانسلافيسكي»، و«بريخت»، و«آرتو»، و«ميرخولد»، و«بسكاتور»، على أيدي فرانسوا أبو سالم وصبحي الداموني وفؤاد عوض ورياضمصاروة ووليد عبد السلام ويعقوب إسماعيل وأكرم المالكي كمخرجين ودارسينلعلوم المسرح عادوا ليسهموا بقوّة في رسم المشهد المسرحي، وينتقلوا به منالهواية إلى الاحتراف، ومن الارتجال إلى التنظيم، ومن التعثر والانقطاع إلىالاستمرار والانتشار. هذا الواقع الجديد لا ينفي حقيقة استمرار عدد من الفرقبتقديم مسرحيات ذهنية وتهريجية لا هدف لها سوى التسلية والهرب من قمعالاحتلال، كما لا ينفي غلبة الأيديولوجيا والخطابات السياسية على أعمال الفرقالمسرحية المدعومة من بعض الأحزاب الفلسطينية. ولكن الثابت المؤكد أن جميعالفرق والمجموعات المسرحية الجديدة التي وظّفت المسرح للتعبير عن قضاياهاالاجتماعية والإنسانية والوطنية لتدين الاحتلال وتدعو لمقاومته، تعرض أفرادهاللمطاردة والاعتقال، وتعرّضت مسرحياتهم وأماكن تدريبهم وعروضهم للمنعوالإغلاق بأمر الحاكم العسكري الإسرائيلي.
الاتجاهان البارزان في هذه المرحلة: اتجاه أول يقوم على حالة إبداعية مهنية تحملوتنقل في أعمالها قضايا ومضامين اجتماعية تولي البعد الجمالي اهتماماً كبيراً. واتجاه ثان، يقدم عروضه المشبعة بالقضايا الوطنية والسياسية، مع ضعفالعناصر الجمالية ومهارات الأداء عند الممثلين. وكما الشعر الخارج من الأرض إلىأنحاء العالم معبّراً عن هوية الفلسطينيين وقضاياهم بلغة إبداعية حديثة، بدأالمسرح يحقق حضوره الفكري والاجتماعي والجمالي معبّراً عن هوية الفلسطينيينالتي كاد أن ينساها العالم. وكانت تتجذر لدى الجمهور الفلسطيني، الذي يتابعهذه الأعمال في الأندية والجامعات وقاعات العروض المختلفة، القناعة بالهوية، وتُستنهض في داخله الوحدة الروحية والنفسية.( فتحي عبد الرحمن مخرجمسرحي فلسطيني )

 

طموحات وآفاق:

لذا لا بد من وقفة جادة إلى جانب هذا الفن في فلسطين وفي قطاع غزة على وجهالخصوص من قبل المؤسسات الرسمية والمدنية والفرق والجمعيات الداعمة, وقفةداعمة تعيد للمسرح توازنه ونشاطه في قطاع غزة، هذا القطاع الذي عرف المسرحمبكرا وأنجب العديد من الفنانين المسرحيين ممثلين ومخرجين وكتاب ومنهم مناحترف وأسس وأبدع في عدة عواصم عربية أمثال خليل طافش وحسين الأسمروعبد الوهاب الهندي ومحمود أبو غريب وصلاح الدين الحسيني ومعين بسيسووغيرهم الكثير الكثير.

لذا لا بد من تحريك العجلة باتجاه شد الانتباه والالتفاف نحو هذا الجهاز الثقافيالهام, نحو المسرح الذي ما كان يوما مظهرا حضاريا وحسب بل ضرورة إنسانيةمثل الهواء والخبز.

إن توقيع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية على اتفاق «أوسلو»، أدخلها في مغامرةسياسية، وصعّد صراع اليأس والأمل إلى أعلى ذراه، وانقسم المثقّفون بين مؤيديحلم بالخلاص، ورافض يحذر من نتائج كارثية تُقوّض ما بناه الفلسطينيون وماقدّموه من تضحيات. وطوال العشرين سنة الماضية، أثرت التقلّبات السياسية وعدمالاستقرار على جميع مجالات الحياة، وعكست نفسها في تذبذب النشاط المسرحيواختلاف الموضوعات التي يقدّمها منتجو المسرح.

الآمال الكبيرة بالحرية والاستقلال والازدهار والسلام النهائي، عاكستها الوقائععلى الأرض، فتحوّلت إلى خيبة ودعوة لعودة المقاومة والسخط على السياسيينوالسخرية منهم. في البداية، كثُرت المسرحيات التي تتحدث عن السلام والتعايش، وسرعان ما تحوّلت إلى مسرحيات تفضح الاحتلال وإجراءاته البشعة وزيف موقفهمن السلام، مثل مسرحيات: «جبابرة الأرض»، و«الجدارية»، و«زمن الأبرياء»، و«قصص تحت الاحتلال»، و«حفار القبور». أما المسرحيات الاجتماعية والساخرة، فقد تناولت المظاهر السلبية في السلطة، وسلوك المسؤولين وفساد بعضهم، والمظاهرالاجتماعية المتخلّفة التي تعيق التقدّم والتغيير.

اليوم يتجسد على الأرض مسرح من نوع آخر مسرح واقعي يكتب بمداد الفخرودماء الشهداء الذين أبدعوا في المطالبة بحقوقهم، وانطلقوا في مسيرة العودة إلىديارهم والالتقاء بذويهم، وقدموا أمامهم صدورا عارية، تتصيدها آلة القمعالصهيونية، وتؤسس لمرحلة جديدة من انتصار إرادة شعب ضد كل أنواع الخيانةوالتكالب والانبطاح، والتبعية في إخراج رديء للمتعاونين مع الاحتلال، وأعوانه. ولمتصل المسرحية إلى سدل الستار، هي حكاية ببداية دون نهاية، المؤثر فيها روحالمقاومة وإباء المجاهدين، ولا مكان للجمهور ولا للمتفرجين لأن الكل يفرض عليهالمساهمة، يتميزون فقط بقرار الجهة التي سيكونون فيها هل هي الجانب الأيمن منالركح أم الأيسر.مع المقاومة أم الاحتلال .  

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى