رأي

إلقاء الملام على الداعين للعزلة توخيا للظفر بالطمأنينة والسلام

بقلم الداعية: الشيخ المقرئ عبد اللطيف بوعلام

أثارت حفيظتي غزارة التعليقات المشيدة ببعض التدوينات الداعية إلى العزلة وتجنب «كحل الراس» في إخراج هوليودي لصورة إنسان ذهبـي تتساقط من ذاته الأشخاص كأنـها فيروسات تستوجب التخلص منها بشكل فوري وجذري طلبا للراحة النفسية التي لا يتذوق حلاوتها مما دفعني إلى كتابة هذا المقال بشكل فوري، فقلت فيه:
تلكم التدوينة، وتلكم الإشادة بـها مجرد فكر انـهـزامـي مجانب للصواب، وأكثر التعليقات الـموقعة على صحته وصدقه لا تصب في الاتجاه الديني السليم بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْـمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الْـمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاس وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ»، فإذا كنت أخي (الخطاب يشمل الرجال والنساء باعتبارهما شقائق في الأحكام باستثناء ما تعلق بخصوصيات أحد الفريقين منهما) تفكر بالانعزال والهروب من الناس لأنهم يؤذونك ولا يفهمونك ولا يقدرونك لأنك تشعر بأنك غريب بينهم، أو لأنك لم تعد تعرف كيف تتعامل معهم، فتقول في نفسك: لَأَن أعيش في غابة أو كهف أفضل لي من الاختلاط بالبشر النجس المفسد في الأرض المؤذي بكل ما أوتيه من جهد وقوة، ولاسيما في زماننا هذا زمن التفاهة والرداءة وقلة الكفاءة وانعدام الثقة الموجب للعزلة الكاملة مرددين قول المحبطين: «هذا زمان السكوت، والتزام البيوت، وتوفير شيء من القوت»، ومتكئين ومروجين لهذا الاعتقاد بكل حدة كأنه وحي مُنزل..، ومنهم ثلة من العارفين يرشدونهم لصحة ذلك الزعم باستنادهم إلى حديث أبي ثعلبة الخشني لما سأل النبي صلى الله عليه عن الاعتزال، فقال له: «إذا رأيت شحا مطاعا، وهوًى متبعا وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخويصة نفسك»٠ ( الشح هو شدة الحرص التي توجب البخل، والظلم هو منع الخير وكراهته، والهوى المتبع في إرادة الشر ومحبته، والإعجاب بالرأي يكون في العقل لا في اتباع الوحي، ونحن لم نصل بعد إلى هذه الدرجة المنذرة بقرب يوم القيامة حتى ننكفئ ونتقوقع حول ذواتنا؛ وبالرغم من ذلك، فنحن مأمورون بعمارة الأرض ولو في مقدمات نهاية العالم طبقا لتوجيه النبي صلى الله عليه وسلم إلى ضرورة عدم التوقف عن فعل الخير ولو في الظروف الحرجة متجليا في قوله: “إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ (شتلة أو كل نبتة)، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا، فَلْيَفْعَلْ.”..
ذلك؛ وإن هذا الاعتقاد التيئيسي والاعتبار الانعزالي المربك للدعوة الرشيدة هو المسيطر الآن على الغالبية العظمى التي تمنع عن نفسها أجرا عظيما بحجة الفهم المخطئ لقول علم الهدى: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» تعطيلا لمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المميزة لخيرية الأمة الإسلامية الصادحة في قوله تعالى بسورة آل عمران: * كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ… (110) *؛ وذلك الحديث المستشهد به في ترك ما لا يعني يفهمه غالبية الناس على غير قصده، وسنتولاه في مقال آخر بشكل من الاستفاضة المقيدة لمعناه في ترك الفضول وتتبع عورات الناس…
ثم إن الخير كما نشاهده ونخبُره موجود في بني آدم المكرَّمين والمفضلين على كثير من الخلائق تفضيلا أينما حللت وارتحلت… و «مَن قال هلك الناس فهو أهلكَهم» (وفي رواية أهلكُهم بالضم. حديث شريف)، والناس أصحاب الخلق الرفيع والمواقف النبيلة أكثر من غيرها المشينة، لكن القدر والحكمة الربانية تقتضي أن تضعنا في مواقف محرجة لكي نتعلم وليميز الخبيث من الطيب، ولقد تأذى رسولنا الكريم سيد ولد آدم إذايات متكررة يصعب حصرها، ولم يكن أبدا ينتقم لنفسه إلا إذا انتُهكت حرمات الله، فيغضب لربه لا لشخصه، وخير دليل على ذلك تمكُّنه من قومه الذين تسببوا في هجرته، وساموه صنوفا من الإيلام من بعد أن أظفره الله ونصره عليهم، فقال لهم: «ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا خانعين وخائفين: أخ كريم وابن أخ كريم»، فقال لهم تلك المقولة الذائعة الصيت في أعلى مراقي المسامحة، والغائبة عن العديد من الفاهمين: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»، وأختم هذا بكلام رب العالمين باستهلال سورة العنكبوت: «أًلَــمِّ أحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُم لَايُفتَنُونَ؟! وَلَقَدۡ فَتَنَّا ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَلَیَعۡلَمَنَّ ٱللهُ ٱلَّذِینَ صَدَقُوا۟ وَلَیَعۡلَمَنَّ ٱلۡكَـٰذِبِینَ»؛ فاللهم لا تحرمنا الأجر، وأعنا ولا تعن علينا، واهدنا ويسر الهدى إلينا لنتبع هدي خير البرية أجمعين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى