رأي

 رأيي في التعديلات المقترحة على قانون مدونة الأسرة (13) : التعدد حق من؟

الدكتور أحمد كافي

ومما آلمني من طرف بعض المتحدثين الإسلاميين عن التعدد، قولهم: إن التعدد جائز بشروط، وذلك كأن تكون الزوجة مريضة أو عاقرا. فعند هاتين الحالتين يجب مراعاة حق الزوج في المعاشرة أو في الأبناء.

وزير العدل:

ــــــــــــــــــــ

والعجب لا ينقضي أن وزير العدل إذ يقدم بامتعاض المقترحات، لا يحصر جواز التعدد في هذين العارضين على الأسرة، بل ذكرهما وذكر حالات أخرى كثيرة يحدد القاضي الإذن فيها.

فما الذي يجعلكم تريدون حشر التعدد في المرض والعقم؟ من قال بذلك من أهل العلم من جميع المذاهب؟ إنه نوع افتراء على الشريعة وتفسيرها بما تضيقون رحابتها حتى تستجيب لأهوائكم، وحتى تقدموا ـ في نظركم ـ صورة عن الإسلام جميلة كما يدور بخلدهم. ولكن تقديم الصورة الجميلة لا تكون بالاشمئزاز من الأحكام الشرعية أو التحايل على معناها. وقد ذكر ربنا عز وجل أن أهل الكتاب قبلنا قد حرفوا كتبهم. والتحريف الذي كان عندهم أنواع، منه: تحريف الكلمات بالنقص والإضافة من عند أنفسهم. ومنه تحرف آخر وهو كثير، وهو تحريف ما بقي من كلمات الله تعالى بين أيديهم بالتأويل السيء. وهو المسمى ب: لي أعناق النصوص الشرعية:” من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين”(النساء:46).

التعدد حق من؟

ــــــــــــــــــــــــ

أما علماؤكم والعقلاء من أهل الفطرة فالتعدد عندهم يستوجب الجواب عن سؤال: من هو صاحب الحق في التعدد؟ هل هو حق المرأة؟ أم حق الرجل؟ أم حق غيرهما؟ لأن الغلط سيتناسل عندما لا نجيب عن سؤال: التعدد حق من؟

وجواب أهل العلم: إن التعدد حق هؤلاء جميعا، فهو حق الرجل والمرأة والأمة، وليس حقا للمرأة خالصا تنفرد به.

واحتكار الجواب عن السؤال بجعله حصرا على المرأة، فيه غمط عظيم لحقوق الآخرين.

التعدد حق المرأة:

ــــــــــــــــــــــــــ

وذلك بأن تُعتبر إرادتها، وأنه لا تتريب عليها إذا هي رفضته، وأن لها الحق كاملا غير منقوص في هذا الرفض إن صدر عنها.

ولكن لا يجوز إن رفضته بعض النساء أن يجعل الرفض للجميع، لأن الواقعأثبت أنه كما توجد نسوة رافضات للتعدد، توجد إلى جانبهن أفواج هادرة من النساء لا ترى غضاضة في أن تكون زوجة لرجل متزوج.

فالأرملة، والمطلقة، والعانس، والبائر، والتي تعيش أوضاعا خاصة…هؤلاء نسوة لا يرفضن التعدد، وهو عندهن أحسن حالا من البقاء في الوحدة.

ودوننا مواقع الفتاوى، والتواصل، والمؤسسات المعنية بالتزويج…حيث التصريح من عدد لا يستهان به من النساء بقبول التعدد، ويردن العيش في هذا الوضع.

وما لنا نذهب بعيدا، فإن الرجل المتزوج بأربع نسوة كحد شرعي أقصى، يفصح أن ثلاثة قد قبلن بالتعدد ودخلن فيه. والثلث الباقي تقبل به النساء اللواتي في وضعية صحية متدهورة، أو في عقم، أو في غيرهما من الأسباب…

والمهم أن التعدد ليس موضوع النساء المتزوجات، بل هو موضوع غير المتزوجات من النساء، وموضوع المتزوجات اللواتي يفضلنه على الطلاق.

لا يفرض التعدد على امرأة أو تمنع منه:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إن علينا إن كنا نريد تحقيق الحق أن لا نفرض على جميع النساء رفض التعدد، وأن نكرههن على هذا الرفض. فمن لم ترغب في التعدد أو حتى في الزواج، فلا تكره على ذلك. وإذ نحترم اختيارها، فلا يجوز أن نجعل ما اختارته خيارا لجميع النساء وإن لم يكن خيارهن خيار الرافضة له.

التعدد موضوع الرجل:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ولا يفرضن أحد على الناس مزاجه إذا كان مكتفيا بواحدة. فإن التعدد موضوع الرجال أيضا. فالرجل الذي عنده رغبة جامحة في التعدد وإن كانت زوجته معافاة وليست عاقرا، هل نخيره بين طلاق زوجته الأولى لعدم قدرته على الوفاء بالشرط القديم؟!! أو نخيره بين الزنا والتورط في الحرام. أهذا ما تريدون الوصول إليه؟!!

إن قصصا كثيرة في المجتمع مضمنها أن بعض الرجال قد التجأن للتعدد مع أن العقد لا يوجد فيه شرط الامتناع عنه. وأن الزوجة الأولى لم تعلم بذلك إلا بعد الوفاة. فهل تريدون أن نقذف بالمجتمع إلى أمثال هذه الطرق؟!!

وبالتأكيد، فإن منع ما أحله الله تعالى وأباحه، هذه نتائجه.

التعدد حق الأمة:

ـــــــــــــــــــــــــــــ

إن الأمة التي تعرف فائضا في النساء من غير زواج، وعندها مشكلات ديمغرافية تهدد وجودها وبقاءها، عليها أن لا تتبع أهواء بعضهم، بل عليها أن تشجع على الزواج. ومنه التشجيع على التعدد إذا حضرت أسبابه.

ويدفع البعض في إضعاف سواد الأمة، في الوقت الذي نجد الغرب والدول غير الإسلامية تتحد بحثا عن المكاثرة بالسواد الأعظم من المواطنين، ونرى كثيرا من هذه الدول عندها الاعتبار بين الأمم بسبب كونها الأكثر عددا في الأرض(الصين نموذجا).

التعدد حق الأمة في القانون في المغربي:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ولقد ناضل فقهاء المغرب إبان الخروج من الاستعمار على حق الأمة، حيث كان التناقص حادا في الرجال بسبب استحقاقات المرحلة، وما عرفته من المجازر والقتل في صفوف الرجال دفاعا عن الحرية واستقلال الوطن. وكان القانون الأول الذي اختاره المغاربة لمواجهة البقاء والاستمرار، هو قول المادة الرابعة من مدونة الأحوال الشخصية:” الزواج ميثاق ترابط وتماسك شرعي بين رجل وامرأة، غايته الإحصان والعفاف، مع تكثير سواد الأمة”.

فاختار العلماء رحمهم الله تعالى تضمين حق الأمة في تكثير سوادها بالزواج الأول أو التعدد فيه.

انقلاب على العلماء:

ـــــــــــــــــــــــــــــ

ثم قامت الجمعيات النسائية بالنضال ضد هذا المقصد، وكانت المعركة مريرة بينها وبين الفقهاء الذين كلفوا بإخراج مدونة الأسرة. وأصر الفقهاء على هذا المقصد، ورفضوا الاستجابة لهن، وأثبتوا أن للأمة حقها هي أيضا. ثم وقعت الاستجابة لمطلبهن رغم الرفض الذي تمسكوا به.

والمهم، أن الانقلاب على حق الأمة لم يكن بتوقيعهم رجمهم الله تعالى، وهو انقلاب ممهور بأسماء أصحابه كما في التقارير والمذكرات الرسمية(أنظر التقارير والمذكرات المنشورة في هذا الموضوع).

مخالفة فقهاء المغرب:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

واللواتي يدافعن على منع التعدد بالأوهام يخالفن الهدي النبوي في الدعوة إلى المكاثرة، ويخالفن حق الأمة فيه، بسعيهم في إضعاف عددها بين الأمم.قال صلى الله عليه وسلم:” تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر الأنبياء يومالقيامة”( صحيح ابن حبان)، وقال عليه الصلاة والسلام في رواية ثانية:”تزوجوا الودود الولود فإنى مكاثر بكم الأمم”( سنن أبى داود).

إن المعارضين للتعدد بإطلاق، أو بفرض شروط عليه غير شرعية، محادون لرغبته صلى الله عليه وسلم في المكاثرة بين الأنبياء والأمم، محققون لرغبة الاتفاقيات الدولية.

كما أنهم معارضون للوطن بإضعافه في سواده، ونحن اليوم من خلال الإحصاء العام للسكن والسكنى نكتوى بعقيم اختياراتهم.

شرط الامتناع عن التعدد:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لا أرى مانعا من أن تفرض المرأة على الرجل هذا الشرط في عقد الزواج، وأنه إذا لم يف بهذا الشرط أن يسرح زوجته بإحسان إذا كانت هذه رغبتها. ولكني لا أريد لهذا الشرط (الشرط في التعدد) بما سبق بيانه أن تنفرد الزوجة به، بل علينا ونحن في التعاقد أن تعطى الحرية لطرفيه(الزوج والزوجة) في الاشتراط. فيعطى للمرأة أن تشترط عدم التزوج عليها ويضمن في عقد الزواج، ويعطى للرجل أن يشترط عدم الاعتراض عليه إذا أراد التعدد ويضمن له هو أيضا في العقد.

ثم يطالب القابل بالشرط الوفاء به إن كان زوجا أو زوجة. فهذا هو منطق العقود في الشريعة الإسلامية وفي جميع قوانين العقلاء.

شرط التعدد عند فقهاء الشريعة:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والفقهاء حينما تكلموا عن شروط التعدد لم يضعوا شرط عقم المرأة أو مرضها للإذن به، وإنما هي اشتراطات المتشبعين والمتشبعات باتفاقيات سيداو واتفاقيات بيكن، واتفاقيات بيكن زائد خمسة…فأربعوا على أنفسكم عند الحديث عن هذا الموضوع أن تلتمسوا المشروعية لما تذهبون إليه خارج المرجعية الشرعية التي أصبحت أحكامها تحرج البعض للأسف بكل درجاته.

والفقهاء ـ وهم يشرحون الآيات والأحاديث والسيرة في موضوع التعدد في الزواج ـ تجدهم يتفقون على ثلاثة شروط، وهي:

الشرط الأول: القدرة عليه

ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ

ويتحدثون هاهنا عن القدرة المادية والبدنية عليه.

الشرط الثاني: القدرة الأخلاقية

ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ

ويقصدون قدرة طالب التعدد على إقامة العدل بين نسائه، والحرص على ذلك.

الشرط الثالث: عدم تجاوز العدد المسموح به

ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ

وهو أربع نسوة كحد أقصى في هذا الباب.

هذه شروط فقهائكم المأخوذة من شريعتكم إن كانت لكم صلة بها، وسلمت القلوب من الحرج:” فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما”(النساء:65).

يتبع إن شاء الله تعالى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى