رأي

رأيي في التعديلات المقترحة على قانون مدونة الأسرة (17) مرجعية مدونة الأسرة المغربية ومصادر أحكامها

الدكتور أحمد كافي

المادة400 مدونة الأسرة / الحلقة الأولى

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كان حق هذه المادة البدء بها قبل غيرها، لأنها هي مرجعية مدونة الأسرة ومصادر أحكامها، وفلسفتها في المنصوص وغير المنصوص من النوازل. والتي جنبت البلاد بئر الجدل في الساحة العامة، وفي ردهات المحاكم، وبين القضاة.

المادة 400:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ونصها:” كل ما لم يرد به نص في هذه المدونة، يرجع فيه إلى المذهب المالكي والاجتهاد الذي يراعى فيه تحقيق قيم الإسلام في العدل والمساواة والمعاشرة بالمعروف”.

وحيث وجهت لآخر مادة في مدونة الأحوال الشخصية سهام النقد المقبول، فهل هناك وجه للسهام الموجهة اليوم لهذه المادة.

آخر مادة في مدونة الأحوال الشخصية:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقد حلت المادة 400 مكان الفصل 297 من مدونة الأحوال الشخصية لسنة 1957م، الذي يقول:” كل ما لم يشمله هذا القانون يرجع فيه إلى الراجح أو المشهور أو ما جرى به العمل من مذهب الإمام مالك”.

وكان القضاة والمحامون والمشتغلون بمجال الأسرة، يتضايقون من ضيق هذه المادة. ووجه التضايق أن المشرع الذي كُلِّف بإخراج مواد معدودة للتحاكم في محاكم الأسرة، لم يستطع الالتزام في التشريع بالراجح والمشهور وما جرى به العمل في مدونة الأسرة، والمواد التي اشتغل عليها محصورة، فكيف يُلزم القضاة والمجتمع بهذا الثلاثي للقضاء به، وأمامه بحر من النوازل المعروضة عليه؟ لئن كان من وسع يستجلب فللقضاء والمجتمع، لا للمشرع.

وهذا اعتراض وجيه تم تلافيه بالمادة 400 التي تعد مصادر المدونة في القضاء وأمام الباحثين وغيرهم.

المادة 400 وإساءة الفهم:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ومن الإساءة لهذه المادة إشاعة الغلط بالزعم أننا لسنا معنيين بفقه فقهاء قد تكلموا لنوازل في حياتهم. بل علينا أن نختار نحن لزماننا ما يوافقه من التشريع والأجوبة.

وهذه كلمة حق مخلوطة بالباطل والغلطات.

أما وجه الحق، فبين في أن الشريعة لم تأت للتضييق على الناس، وأن على علمائها ومن يأنس في نفسه القدرة على الاجتهاد أن يستفرغ وسعه في البحث عن حلول للأسر بما يوافق أهل الزمان، لا بما كان في زمان ماض.

ووجه الغلط إساءة فهم المادة ومنطوقها.

الغلط في فهم المادة 400:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المذهب المالكي هو ذلك البناء العظيم الذي تأسست أركانه على قواعد وأصول وكليات ومقاصد.. فأنتج تراكما فقهيا عبر الأجيال والزمن من طرف أعلام هذا المذهب.

والإحالة على المذهب المالكي هو إحالة على هذا البناء الشامخ برمته، وليس إحالة على الفقه المالكي؟

هذا التوضيح والبيان سببه أن كثيرا ممن قصرت همتهم، تجد معنى المذهب المالكي عندهم عندما تنزل بهم النوازل أو تعرض لهم، فإنهم يفزعون للبحث عن جواب ما أهمهم من نوازل زمانهم عند هؤلاء الذين مضوا، الذين خلفوا هذه الثروة الفقهية العظيمة. ولذلك تجدهم في معركة دائمة مع الذين عندهم نفس الحرية العلمية الملجمة بلجام القواعد والأصول والكليات والمقاصد.

وهؤلاء إن أردت أن أعرفهم، فوصف التقليد ـ إن لم يكونوا من أعداء الهوية ـ هو الأنسب لحالهم، والمعبر عن حقيقتهم.

والفرق بين المذهب المالكي والفقه المالكي أن الثاني يتعلق بالثروة الفقهية العظيمة التي أنتجها فحول المذهب المالكي عبر كل فترة من فترات الإنتاج الفقهي.

وأما الأول(المذهب المالكي الذي أحالت المادة 400 عليه) فالمقصود به:

أ ـ هذه الثروة الفقهية التي تعتبر تراثا بين أيدي طلبة العلوم الشرعية والفقهاء والقضاة وغيرهم.

ب ـ الأصول والقواعد التي أعملها الفقهاء فكان لهم منها إنتاج الثروة الفقهية، يضيف فيها المعمل لها إلى الثروة ثروة أخرى جديدة.

وعليه، فالمذهب المالكي هو إعمال تلك القواعد والأصول التي امتاز بها، وعرف بها بين المذاهب الأخرى، من مثل: اعتماد دليل المصالح، والعرف، والاستحسان، وشرع من قبلنا، ومراعاة الخلاف…الخ. وبواسطة هذه الآليات وإعمالها يتم إنتاج الفقه.

وأما الاقتصار على الفقه المالكي، وحصر معناه في التماهي مع المذهب المالكي، فهو بالإضافة إلى كونه غلط فادح، فهو إعادة تكرار ما أنتجه الغير، وقد يكون هذا الإنتاج الفقهي ما يزال صالحا لنا، وقد لا يكون كذلك.

فهل توقف الإنتاج الفقهي بحيث لم نعد قادرين على إنتاجه، فنحن عالة على من سبقنا، أم أنه تقصير من جهتنا، لا يلام فيه من سبق، ولا تلام فيه الثروة الفقهية التي بين أيدينا؟؟

والجواب الظاهر من خلال الجهل بالتفرقة بين المذهب والفقه، أن اللوم عن العجز والتقصير.

فهذا هو الفرق بين الإحالة على المذهب المالكي، والإحالة على الفقه المالكي.

فالمقلد تعني الإحالة على المذهب المالكي عنده، وجوب الرجوع إلى الفقه. والأحوذي تعني عنده الإحالة على الفقه وأصول هذا الفقه وقواعده.

ومدونة الأسرة تعني بالإحالة المذهب المالكي، الإحالة على تلكم القواعد والأصول والكليات والمقاصد والثروة الفقهية العظيمة. والدليل على ذلك أن الاجتهاد القضائي المغربي في باب الأسرة، والصادرة عن المجلس الأعلى للقضاء، قد علل أحكامه، ليس اعتمادا على الأقوال الفقهية، وإنما بناء على هذه العرى الوثيقة.

الاجتهاد في المادة 400:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ولم تقتصر المادة 400 على المذهب المالكي، بل دفعت المهتمين من قضاة وغيرهم إلى اعتماد الاجتهاد، سواء من المذاهب الفقهية المعتبرة، أو من خلال الاجتهاد الإنشائي.

كما ألزمت المادة 400 القضاة بأن يكون القضاء الأسري فيما لا نص فيه مرجعه المذهب المالكي أو الاجتهاد، مؤطرا بتحقيق ثلاثية جليلة من القيم، ألا وهي: العدل، والمساواة، والمعاشرة بالمعروف.

وحتى لا يدعي المدعون وهم كثر في هذا الزمان، أن قضاءهم أو اجتهادهم إنما تم بناء على القيم الثلاثة الجليلة. وهم منها بعداء ومناقضون لها. فإن المشرع قد قيد ذلك بالمرجعية الإسلامية، ونص على ذلك بالقول:

* تحقيق قيم الإسلام في العدل.

* تحقيق قيم الإسلام في المساواة.

* تحقيق قيم الإسلام في المعاشرة بالمعروف.

فالإسلام هو صاحب السيادة قبولا فيما هو معدود من قيمه، أو رفضا فيما هو معدود من آفاته.

(يتبع إن شاء الله تعالى)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى