
اختلف هوبز عن مكيافيلي، فبينما صاغ هوبز فلسفة سياسية تبني على القوة بصفة متكاملة، اتجه ميكافيلي إلى الناحية التطبيقية، أو ما نسميه الآن بفن الحكم ، فاهتم ببيان الوسائل المشروعة وغير المشروعة، التي تمكن الحاكم من السيطرة على رعاياه، ولذلك يجوز لنا أن نقرر أن هوبز كان فيلسوفا على حين كان ميكافيللي رجلا سياسيا عمليا.
إن هوبز يفترض أن الأفراد لن يتسنى لهم تسوية منازعتهم بطريقة عقلانية، أو بالفهم المتبادل لوجهات نظر بعضهم، ولذلك يلجاون إلى القوة وسيلة إلى تلك التسوية، متناسيا في ذلك فطرة الإنسان في الائتلاف والتجمع لا سيما في مواجهة الكوارث، مما يدفعهم دفعا صوب قدر من السلام فيما بينهم.
الساسة والسياسيون في الغرب ولا سيما عند فرنسا و انجلترا وأمريكا، طريقة الحكم عندهم تسير في هذه السياقات وبهذه المراجع والخلفيات الفكرية والفلسفية المتجدرة في عقولهم ووجدانهم ، فالغرب لما استحكم في العالم بطرق متعددة، كان قد فصل بين الدين والسياسية، وبين السياسية والكنسية،وحصر الحياة السياسية في الدنيا، وجعل الحياة الروحية شيئا آخر خالصا من الدنيا، وجعل من النقد وسيلة للتربية، وصلت به إلى قتل الإله والإنسان، كما أنه أسس لعبودية جديدة لغير الله فحصرها في المال والأعمال المنتجة للربح، فكانت حقوق الإنسان عنده تتأطر بهذه الفلسفة، فاتحاد الفيلسوف والمفكر ورجل المال والأعمال أنتج هذه الطريقة في الفهم والحياة، فحقوق الإنسان حقوق نفعية مادية ، لكن في المقابل ولضبط الايقاع العالمي، رفع من منسوب حقوق الحاكم على حقوق المحكوم، فشجع الديكتاتوريات في العالم ، كما بالغ في واجبات التبعية بإلغاء دور الأفراد وحقوقهم في العيش الرحيم، كما طور من وسائل لإخضاع الجماهير للآخر المستبد، مع العلم أن لا أحد يحق له أن يحكم الآخر إلا بموافقته ، فكان الاستعمار والحصار والتطويق والاختراق لحياة الناس ثم السيطرة على ذخائرهم المادية والمعنوية،و في ذات الوقت دافع عن الأنظمة التقليدية و قلل من ثقافة الناس فانتشرت الأمية والجهل، وأصبحت السياسة في البلدان المفقرة من الضآلة بحيث لم تستطع تدبير شؤون مواطنيها، فحقوق الإنسان من منظور الغرب هو في الحقيقة إدامة للخنوع والخضوع كأن البشر لم يولدوا بشرا ولا أحرارا، فتجاهل واقع الناس أصبح واقعا لا يعالج إلا بالخطابات اللفظية والدعوات الموغلة في الطوباوية والخرافات، الدور الذي يجسده الرئيس الامريكي الأهبل ترامب . فماالعمل إذن؟ النضال الحقوقي، والإنتاج القانوني، والتعاون من الأحرار في كل مكان فالعالم لا يخلو منهم.
لأن الغرب “غربان” والشرق “واحد” غرب الأشرار وغرب الأحرار، غرب يكيد للإنسانية بالليل والنهار، وغرب يدافع عن الإنسانية في العيش الحر،والحياة السعيدة،فينظم التظاهرات الداعمة للفلسطينيين في نيويورك مثلا ، واشنطن وغيرها من الفعاليات المحكمة في التنظيم والإخراج، فلا كلام عنده إلا عن التحرير والتحرر وبناء المستقبل للشعب الفلسطيني الحر. وغرب يعيس” الجحيم هو الآخر” بسبب أخطاء أمريكا و فشلها في وقف الإبادة الجماعية في رواندا” سابقاو اليوم في فلسطين ، فانكشف الوجه العنصري لهذا الغرب والمعايير المزدوجة تحت عناوين الليبرالية وحقوق الإنسان وحماية المدنيين. كما أظهر عجز المنظمة الدولية عن تطبيق المبدأ المهم الذي أضيف قبل سنوات إلى ميثاق الأمم المتحدة حول “مسؤولية الحماية” بما يسمح بالتدخل ضد ظلم نظام لشعبه وحماية المدنيين،إنه غرب النفاق السياسي والدبلوماسي، بحيث حمى هذا الغرب الفئة الظالمة بصمته عن المجازر الإسرائيلية في حق المدنيين وتدمير البنية التحتية المدنية، بعدما دان القصف الروسي للمدنيين والبنية التحتية في أوكرانيا،إذن فهناك غرب لابد من محاورته والتنسيق معه،وغرب مارق عديم الإنسانية، حقود لا يشرب إلا الدم ولا يأكل إلا الجيف.
للاسف الفلسفة ممنوعة من جل الدول العربية، فاختفى النقد وطلسم العقل وطغى العقل الشريعاني الذي قرطس الأفكار، بفصل الثنائيات التكاملية عن بعضها البعض فاختفى الإبداع والابتكار، وعاش الأنام على موائد اللئام.




