رأي
رأيي في التعديلات المقترحة على قانون مدونة الأسرة (19) : تثمين العمل المنزلي مرة أخرى
الدكتور أحمد كافي

موضوعان بارزان عند الحديث عن تثمين العمل المنزلي، هما:
الموضوع الأول: التثمين.
الموضوع الأول: العمل المنزلي.
وحيث إننا نريد أن يُحكم المغاربة بمدونة قانونية، ويقترح بعض من لا يعدون سوء الأعمال والمقترحات من أعمالهم، فإننا نؤكد على الغرض من القانون عند عقلاء الدنيا، وهو روح القانون: أن يعلم كل طرف حقوقه وواجباته، وتيسير القضاء على القضاة عند التنازع، والتقليل من نزاعات الناس.
وإن القانون الذي هذه بعض مقاصده عليه أن يساعد المرتفقين في تحقيق هذه المقاصد، لا أن يكون هو القاذف بهم في بيداء من الصراع بالإبهام وحلكة الغموض.
إننا ونحن نجد أنفسنا أمام نسبة عالية في الطلاق، فمعنى ذلك أن النزاع يعرف يوميا في محاكم الأسرة، وستفرض هذه الأفواج الهادرة علينا أن تحكم بقانون بيِّن.
وخلاصة هذه المقدمة: إن تثمين العمل المنزلي يجب أن يكون معلوما لا مجهولا، لدفع التنازع والصراع.
الواجب الأول: تحديد العمل المنزلي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إنه لا يعقل أن يطلب من شخص أداء ثمن على عمل مجهول. ولا تفهمن فاهمة علينا بأن الأسر تبنى على المكارمة والمسامحة، فإن هذه المعاني قد أسستها الشريعة، وحمل لواءها الفقهاء، وحيث إنكم تنكبتم سبيل قواعدهم ونصوص الشريعة ومقاصدها، فلا نريد مزيد هدر فيما لا معنى له.
لقد طالبتم وناضلتم واقترحتم التثمين. وإننا لا نطالب إلا مزيدا من الإحكام، ونحن موقنون أنه مقترح خراب الأسر والتزهيد في الزواج.
عندما يتم الحديث عن الأموال والأثمان، فإن مقتضى الحديث المضي به إلى تتمته.
وأول ما نريد معرفته من هذا الواجب الذي يراد ثمنا عليه، ما هي مشمولاته. هل من مشمولات العمل المنزلي إعداد الوجبات الرئيسية الثلاث(الفطور والغداء والعشاء)، والاعتناء بنظافة البيت، وكنسه، والتصبين والتحديد..وما يجب إضافته أو نقصه. أو أن يترك تحديد هذا العمل إلى الزوجين حين إبرامهما للعقد؟ وفي حالة عدم وجود التحديد وغيبة الاتفاق، فما الذي تحكم به المحاكم كأقل ما يطلق عليه العمل المنزلي؟
النزاع في المهر:
ـــــــــــــــــــــــــــ
ونحن نعلم أن التنازع بين الأزواج لا مفر منه عند النزاع بينهما. وربنا عز وجل أكد حضور التشاح عند النزاع، وأنه جبلة البشرية، فقال عز من قال:” وأحضرت الأنفس الشح”[النساء:128].
فإذا أخذنا المهر، وهو مال معلوم عند المتزوجين، وجدنا النزاع حول قدره مما هو مسطورة في كتب الفتاوى والقضاء بشكل كبير.
إن مسطرة القضاء وما جرى به العمل في هذا النزاع المالي يعرف طريقين معلومين، هما:
الطريق الأول: الحكم بالوفاء بالمهر المحدد قدره في العقد، والذي تمت تسميته بوضوح وكامل رضى بينهما.
الطريق الثاني: انعدام تسمية المهر، ويلجأ القضاء إلى الحكم بما يسمى: مهر المثل عموما.
مدونة الأسرة:
ــــــــــــــــــــــــ
وقد تعرضت في مدونة الأسرة للنزاع في الصداق، ففي المادة 27، نجد هذا الوضوح:” يحدد الصداق وقت إبرام العقد، وفي حالة السكوت عن تحديده، يعتبر العقد زواج تفويض.
إذا لم يتراض الزوجان بعد البناء على قدر الصداق في زواج التفويض، فإن المحكمة تحدده مراعية الوسط الاجتماعي للزوجين”.
وفي المادة 33:” إذا اختلف في قبض حال الصداق قبل البناء، فالقول قول الزوجة، أما بعده فالقول قول الزوج.
إذا اختلف الزوجان في قبض الصداق المؤجل، فعلى الزوج إثبات أدائه.
لا يخضع الصداق لأي تقادم”.
هذه هو الوضوح الذي يتم إعلام كل متزوج به قبل الزواج، وأنه سيحكم عليه به إذا كان راضيا. وهو الذي نريده في ثمن العمل المنزلي الذي يراد فرضه علينا.
نكاح التفويض:
ــــــــــــــــــــــــ
وهو النكاح الذي تم بين رجل وامرأة دون تعيين الصداق. فالسكوت عن المهر قد أعطي لهذا العمل اسما، هو: زواج التفويض. وكأن المرأة فوضت لوليها أو زوجها تحديد مقدار المهر حين سكوتها عنه. قال ابن رشد:” وأما تسمية الصداق فليس من شروط صحة عقد النكاح؛ لأن الله أباح نكاح التفويض، وهو النكاح بغير تسمية صداق فقال تعالى:” لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة”[البقرة: 236]”(المقدمات الممهدات). وحكى حفيده الإجماع على ذلك، فقال:” وأجمعوا على أن نكاح التفويض جائز، وهو أن يعقد النكاح دون صداق”( بداية المجتهد).
وغرضنا أن المهر مال يجب تحديده تجنبا للنزاع، فإن تم السكوت عنه، كان معيار مهر المثل في غالب أقوال أهل العلم هو الفيصل. ولا يوجد عندنا مرجع للعودة إليه إذا وقع التنازع في تثمين العمل المنزلي.
الواجب الثاني: تحديد الثمن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهذا أساسي في موضوع مقترح تثمين العمل المنزلي، إذ لا يعقل أن يطالب شخص بأداء ثمن على عمل يجهل مقداره. لأنكن تطلبن الثمن، ونحن نطلب معرفة قدره.
وإن انعدام بيان وتحديد الثمن معناه: الغرر والغبن بالأزواج. فما دام هذا الزوج مطالب بأدائه، فإن مطلبه البسيط أن يعرفه اليوم قبل الغد، حتى يقرر المضي في هذا الزواج أو يعدل عنه لعجزه عن الأداء أو شعوره بالعجز عنه.
والزوج الذي يراد أن يُحَمَّل دينا عن العمل المنزلي عند الطلاق، وأن عداد الدين يبدأ بمجرد إبرام العقد، فإنه لا يقبل أن يُحَمَّل دينا يجهله. إن من حقه شرعا وعقلا أن يعرف هذا الثمن بالشهور أو بالسنوات أو بأي معيار آخر…المهم أن يكون الثمن معلوما. أو يحاط علما به على وجه التقريب.
فساد المعاملة بالجهالة:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والعلماء يعتبرون المعاملات فاسدة لا تصح شرعا إذا ترك الثمن مجهولا…فلا بد من أن يكون الثمن معلوما، والمُثمن (أي العمل أو العقد…)معلوما. وحيث إننا في تعاقد يراد إدخال الثمن في هذا الارتباط، فقد لزمت المعلومية كي يصح شرعا، ويندفع الغرر والتنازع.
وفي مجلة الأحكام العدلية وشرحها، نجدها تعتبر العقد فاسدا باطلا إذا كان الثمن مجهولا، حيث نجد في المادة 238: يلزم أن يكون الثمن معلوما. والعلم بالثمن هو العلم بقدره، أو العلم بوصفه صراحة أو عرفا”( ).
ترك التحديد للأزواج:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نعم، يمكن أن نجعل التحديد لازما في العقد دون بيانه في القانون، بحيث يفرض على العدول عدم إبرام العقد إلا بعد تحديده بالاتفاق بين الزوجين عليه. كل ذلك من أجل ما قاله المغاربة: من كان أوله شرطا، كان آخره نورا.
مقاصد الزواج:
ــــــــــــــــــــــــ
وإذا كانت المواد الأولى لمدونة الأسرة قد أكدت على التراضي على عقد الزواج وعده مقصدا من المقاصد المعتبرة. فنصت على ذلك بالقول:” الزواج ميثاق تراض وترابط شرعي….”.
فإن التراضي في هذا العقد يكون على جميع تفاصيله، من مهر، ووليمة، وسكن…الخ.
وحيث أردتم إدراج تثمين الخدمة المنزلية، فيجب تركها للزوجين للتراضي عليها. أعني أن يدرج هذا التراضي في العقد، أيكون له ثمن أم لا؟ وإذا كان له ثمن، فما هو قدره المتفق عليه؟
فإن كان العرف المغربي عند الدخول في مثل هذا الموضوع معناه تحويل النظر عن الزواج. فليكن.
وإننا لا نقبل أن نحمل شخصا حمالة لا يرتضيها، ونريد التدليس عليه في التحميل.
أسباب الطلاق:
ــــــــــــــــــــــــ
وعندما يتم بيان تفاصيل الثمن والمثمن، فإن المتوقع وجود التنازع فيهما بين كثير من الأزواج، بحيث يعتبر أحدهما مقصرا فيما تم بيانه وتحديده في عقد الزواج المالي، فيجب إتمام خير هذا المقترح بإدراج النزاع في العمل المنزلي وثمنه ضمن الأسباب الموجبة للطلاق، على وفق التحديد والبيان.
(يتبع إن شاء الله تعالى)



