
نحن الطوفان نحن اليوم التالي
منذ طوفان الأقصى 2023 الذي أعلنته حماس، بهجومها المفاجئ الاستباقي على مستوطنات قطعان بني صهيون بغلاف غزة، وما أعقبه من حرب وحشية مدمرة، لم تبق حجرا ولا شجرا ولا بشرا، بدأ المسؤولون الصهاينة يصدرون تصريحات حول اليوم التالي للحرب على غزة، فانبرت السلطة الفلسطينية معلنة أنها وحدها القادرة على حكم غزة وتدبير شؤونها، وذلك بعد قيام جيش الاحتلال بتحييد الفصائل الفلسطينية المقاوِمة وتدمير بنياتها العسكرية والقضاء على قادتها ومجاهديها، فكان رد رئيس الحكومة الصهيونية أن السلطة ليست مؤهلة لذلك بسبب فسادها.
وحقيقة الأمر أن سلطة لا تستطيع دفع العدوان عن مدن و قرى الضفة الغربية، وما يجري حاليا بجنين و طولكرم، والقائمة ما تزال مفتوحة لَأكبر دليل على ذلك، في إطار العملية العسكرية الصهيونية المسماة بالسور الحديدي، بل إن أجهزتها الأمنية التي تُنسق مع العدو شنت حربا شعواء على شباب المقاومة، ولما فشلت في الحد من نشاطهم انسحبت وتركت المجال سالكا لجرافات العدو وجنازره ومركباته ومسيراته، لتدمير البنيات التحتية في الضفة، وتفجير منازل الفلسطينيين، واعتقال المقاومين أو اغتيالهم بشكل مباشر، وهي السلطة نفسها التي وقعت على اتفاق أوسلو منذ أكثر من ثلاثين سنة (سبتمبر 1993)، ولم تجن منه سلاما ولا دولة فلسطينية مستقلة على جزء من فلسطين، بل استولى الصهاينة على المزيد من الأراضي في الضفة، حيث أقامت فيها المزيد من المستوطنات الجديدة، ناهيك عن الأسوار والطرق الالتفافية التي قطّعت أوصال الضفة، ونفذت السلطة جميع البنود التي تخدم الاحتلال دون أن يلتزم العدو بما نص عليه الاتفاق، إذ أن بني صهيون يرفضون قيام دولة فلسطينية من الأساس، ولو على جُزَيْئٍ من أرض فلسطين.
أما اليوم التالي للحرب فلا يعني عند نتن ياهو سوى المزيد من ابتلاع الأراضي الفلسطينية في الضفة والقطاع، في إطار سياسة توسعية عبر الحرب ومزيد من الحرب، والقتل والإبادة في حق الفلسطينيين، على اعتبار أنهم ليسوا بشرا يستحقون الحياة، و يجب التخلص منهم عبر التهجير والمزيد من القتل، حيث أصبح الهدف الحقيقي هو التطهير العرقي للضفة والقطاع بشكل كامل في أفق دولة إسرائيل الكبرى، من نهر النيل إلى نهر الفرات، لذلك فدولة بني صهيون ليست لها حدود معروفة، فحيثما وصل جيشها، وكل أرض تستولي عليها فتلك حدودها المؤقتة في انتظار المزيد من التوسع، وهو ما يرمز إليه علم دولة بني صهيون انطلاقا من المعتقدات المستوحاة من كتابهم المقدس، حيث ورد في سفر التكوين 15:18 : في ذلك اليوم قطع الرب مع أبرام ميثاقا قائلا :” لِنَسلِكَ أعطي هذه الأرض، من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات “، لذلك شن حرب إبادة جماعية على سكان غزة، وصبَّت طائراته المحملة بمئات الأطنان من القنابل الأمريكية، لإفراغ القطاع تقتيلا وتهجيرا، وما أن وقّع على اتفاق الهدنة مع حماس في غزة، حتى بدأ حربا جديدة على الضفة، بل أعلن عن ضمها بشكل نهائي، لتكون جزءا لا يتجزأ من دولة الاحتلال بمباركة أمريكية، عبّر عنها بشكل جلي رئيسها المنتخب في الأسبوع الأول من ولايته، بالقول إن مساحة ” دولة إسرائيل ” صغيرة، أي أنها لا تكفي الإسرائيليين، ولم يكتف بهذا ” التشخيص” فحسب، بل طرح مجموعة من الأفكار، منها تهجير أهل الضفة إلى الأردن، وتحدث إلى الملك الهاشمي لاستقبال فلسطينيي الضفة، كذلك طرح تهجير سكان غزة إلى صحراء سيناء المصرية، وناقش الموضوع مع رئيس مصر، زاعما أن هذا الترحيل سيستمر قرابة عشر سنوات لإزالة الركام، الذي خلفته الحرب وإعادة بناء غزة. بالتأكيد لن تكون المساكن الجديدة لسكان غزة، بل مستوطنات جديدة وتوسيع الكيان، مما يشكل وعد بلفور مشؤوم جديد، بل طرح دخول القوات الأمريكية لقطاع غزة والسيطرة عليها، مادام الجيش الصهيوني فشل في ذلك، ومن تم تتدخل أمريكا أثناء الحرب بالتمويل والسلاح المدمر، وبعد الحرب، بمحاولة فرض أمر واقع على الفلسطينيين، كذلك لم يجد نَتن ياهو حرجا في اقتراح قيام دولة فلسطينية على أرض المملكة العربية السعودية، في استفزاز وتنمر وتَهَكُّم سخيف غير مسبوق.
إن ما يطرحه ترامب ونتن ياهو بعد اجتماع الشيطان الأكبر والأصغر، لا ينطلق من سياسة مرتجلة، وليس أفكارا مجردة، رغم استحالة تنفيذها، بل هي بلطجة سادية و محاولة يائسة للتحكم في السردية الإعلامية والسياسية العالمية، والمخيال العالمي حول القضية الفلسطينية، التي شهدت تحولا كبيرا بعد طوفان الأقصى، حيث تجلت بشكل كبير حقيقة المشهد، التي تحكي قضية شعب فلسطيني مضطهد منذ عقود، ومذى معاناته من جحافل بني صهيون، التي جاءت من كل حدب وصوب لاحتلال أرض لم ولن تكون لها، وانتقلت القضية من طرف يَدَّعي المظلومية بسبب ما أصابه في أوربا، لكنه مارس المحارق والقتل البشع والإبادة الجماعية في حق النساء والأطفال والشيوخ منذ احتلاله أرض فلسطين، وأهلك الحرث والنسل، وسعى في الأرض فسادا وتدميرا، لم يسبق له مثيل في أرض الأنبياء، بدعم امبريالي أمريكي وغربي مفضوح، و هو سلوك ليس بغريب ولا جديد على بلاد العم سام، فتاريخها حافل بالجرائم والتقتيل الذي مارسته في مناطق مختلفة من البقاع، فالعالم لا يمكنه نسيان القنابل النووية التي ألقيت على اليابان في هيروشيما ونكزاكي، وحروبه على شعوب الفيتنام واللاهوس وكمبوديا والصومال وأفغانستان وغيرها، بل إن رئيسه المنتخب حديثا عبر عن رغبته في ضم دول وأجزاء من دول لتحقيق “الأمن والرفاهية ” لبلده، عبر دخول كندا وكرينلاند وبنما تحت سيادته، وضد القانون و الإرادة الدولية التي عبرت عنها محكمة العدل الدولية، التي أدانت حكام بني صهيون على جرائمهم، في الوقت الذي يستقبل فيه نتن ياهو عوض اعتقاله وتقديمه للمحاكمة، بل يجزل عليه بالعطايا والتمويل والسلاح، وهو أيضا مخطط استراتيجي ينبني على إيجاد واقع وهمي، يقضي بخلق ضجة سياسية وإعلامية، لإلهاء الأطراف المظلومة بفقاعات غير ذات جدوى عن القضية الأصل، وهي إنهاء الاحتلال و إعلان استقلال الدولة الفلسطينية على أرض فلسطين.
إن من يحكم غزة أو اليوم التالي للحرب لا يمكن بحال أن يحدده ترامب أو نتن ياهو، اليوم التالي هو يوم فلسطيني بامتياز، يحدده شعب قدم الشهداء منذ عقود فداء للوطن، إن اليوم التالي ليس سوى ما تراه العين عين اليقين، هو تشبت سكان غزة بمنازلهم رغم الدمار والخراب، اليوم التالي هو الموقف الموحد للغزيين وترديدهم : نموت في أرضنا ولا نرحل عنها، اليوم التالي هو ما عبرت عنه الفصائل الفلسطينية بلافتة علقت في منصة تسليم الأسرى الصهاينة في إطارالتبادل الخامس للأسرى، تنفيذا للمرحلة الأولى من الصفقة، بشعار كبير وعريض، يحمل كل الدلالات والرسائل، ويقطع الشك باليقين: ” نحن الطوفان نحن اليوم التالي”، هي عبارة تعبر عن كل شيء، وهو موقف قوي مسنود بالقاعدة الشعبية الفلسطينية العريضة، اليوم التالي هو يوم ظهور قوى المقاومة في مناسبات متعددة عددا وعتادا، مما أرعب العدو وأدهش العالم، رغم استشهاد العديد من القادة، اليوم التالي هو يوم تحرير أغلب الأسرى الفلسطينيين من ذوي المحكوميات العالية والمؤبدات بالمئات، رغم أنف بني صيهون، اليوم التالي هو الانسحاب من محور نيتساريم وفشل خطة الجينرالات القاضية بتمزيق أشلاء القطاع، اليوم التالي هو انتصار عزيمة شعب، يريد استقلال أرضه، وليس أضغاث أحلام وأوهام، و رؤيا افتراضية حالمة لنظام عنصري سادي، تكسرت كل مطامحه على صخرة المقاومة الفلسطينية، التي سطرت ملاحم بطولية في هذه الحرب غير المتناظرة، اليوم التالي هو الفشل الذريع الذي ألحقه شباب المقاومة بهتلر القرن الحالي.
لكن… إذا كان شعب الجبارين ومقاومته قد أعلنوا اليوم التالي لقطاع غزة، وجددوا موقفهم من الدفاع عن الأرض، وعدم الرحيل عنها حتى التحرير أو الشهادة دونها، ووقوفهم في وجه آلة القتل الصهيوأمريكية، فما اليوم التالي عندنا نحن العرب والمسلمين، وما موقفنا مما جرى في غزة لدعم أهلها، والتكفل بأيتامها وأراملها الذين يُعدون بعشرات الآلاف، وما مساهمتنا في إعادة إعمارها؟ وما هو يومنا التالي لما يحدث الآن في الضفة الغربية؟ حيث فتح العدو الصهيوني حرب تهجير وإبادة جماعية جديدة، متدرجة أمام صمت عربي و دولي جديد، هل نستمر في مؤامرة الصمت المريع، والخنوع أمام بلطجة بني صهيون؟ أم نَهُب للتحرير الشامل والكامل للأرض المقدسة؟ هل يفعلها الزعماء العرب الذين سيجتمعون في ” قمة طارئة ” نهاية الشهر، بعدما استهزأ بهم زعيم الصهاينة، وساء وجوههم بتصريحاته الرعناء؟ أم أن دار لقمان ستبقى على حالها، أو بالأحرى يسوء حالها، ويبقى المثل القائل الذي نردده منذ الستينيات: اتفق العرب على ألا يتفقوا، هو سيد الموقف؟ كل الأمل والرجاء أن يفاجئونا بمواقف تعيد لأمتنا العزة والكرامة التي افتقدناها عقودا من الزمن، رَدًّا على مصاص الدماء النتن ياهو وتهديداته الفاشية.




