
عرف المغرب منذ الاستقلال حربا وجدلا حول اعتماد اللغة في التعليم والإدارة، وكان أن ظهر في قطاع التعليم تبني المبادئ الأربعة ومن بينها المغربة والتعريب، إلا أن هذا المسار تم الاستغناء عنه في كل فرصة ضغط تيار الفرونكوفونية، وكان ضحية هاته الخيارات غير المحسوبة ولا الدقيقة التعليم بكل ما يرتبط به، فكانت نتائجه خرابا على الجميع ولا سيما التلاميذ الذين تدنى مستوى إلى الأسفل، والمتتبع لهذا المسار يتضح له أن مختلف مشاريع الإصلاح التي بلورتها الدولة في مقارباتها المختلفة منذ الاستقلال، باءت بالفشل واضطراب السياسة العمومية في الانتقال بالعربية إلى مصاف لغات التدريس. ونذكر هنا بأول مشروع تعليمي أقره المغرب غداة الاستقلال والذي أكد فيه على ضرورة اعتماد اللغة العربية لغة رسمية للتدريس، واعتبر أن مبدأ التعريب هو أحد الأعمدة الأربعة التي سيقوم عليها إصلاح التعليم بالمغرب، والمحددة في التوحيد والتعميم والتعريب والْمَغْرَبة. وقد أعلن وزير التعليم آنذاك محمد الفاسي في ندوة صحفية في نهاية السنة الدراسية 1955 ـ 1956م أن اللغة الأساسية للتعليم هي اللغة العربية. غير أن الازدواجية ستظهر في أول خطوة تطبيقية بحيث أقرت اللجنة نفسها في اجتماعها بعد سنتين أي سنة 1958م تدريس العلوم باللغة الفرنسية، منذ القسم الأول . وقد بقي هذا التعامل سائدا في كل مشاريع الإصلاح والمقاربات المعتمدة وصولا إلى المقاربة بالكفايات، وبيداغوجيا الإدماج وغيرها من الوصفات التي تبنتها وزارة التعليم وسنتها في مختلف أسلاك التعليم. فجل الحديث يدور حاليا حول كيفيات تدريس أنشطة اللغة العربية باعتبارها مادة من المواد الملقنة. وحصدنا بخياراتنا السراب، في وقت كانت تجارب لدول عربية مثل سوريا رائدة حتى على المستوى الجامعي بكلية الطب مثلا، ويعيد في بلدنا التيار الفرنكوفوني ضغطه، بالرغم من أن الدول المتقدمة هي التي تدرس بلغتها الأم، وإذا كان الانفتاح أمرا ملحا وضروريا فلما لا يختار المسؤولون اللغة الانجليزية لرتبتها ومكانتها باعتبارها لغة ثانية بعد العربية، أم أن التبعية السياسية لماما فرنسا تأبى غير ذلك، ولنا العبرة في دول إفريقيا تمردت على الفرنسية والفرنسيين وطلقتها. ورغم كل محاولات فرنسة المجتمع المغربي، فالمغاربة ما زالوا متشبثين بلغتهم التي اختاروها منذ زمن بعيد واستحسنوها. وقد أظهرت نتائج بحث أنجزه المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية، أن العربية الفصحى لا تزال اللغة الأكثر تفضيلا للتدريس في المغرب، حيث عبر 73% من المشاركين عن رغبتهم في اعتمادها لغة أولى في التعليم. وفي ما يخص اللغات الأجنبية، شهدت الفرنسية تراجعا في تفضيل المغاربة، حيث انخفضت من 63.5% عام 2016 إلى 36.9% عام 2023. لقد تبين لكل عاقل عن أهمية التنصيص على اللغة العربية ودسترتها والتنصيص على رسمية اللغة العربية لم يقتصر على منطوق الدستور، وإنما تعضد هذا الاختيار ليمتد نحو كل المحاولات الإصلاحية لمنظومة التربية والتكوين، منذ مطلع القرن العشرين وإلى حدود الاستراتيجية التربوية الجديدة 2015-2030. وإن من أهم المحطات الإصلاحية التي أولت أهمية كبرى للغة العربية منها: ميثاق الحركة الوطنية في مرحلة الثلاثينات من هذا القرن؛ الذي نص على جعل اللغة العربية لغة التعليم في جميع المدارس المغربية، وفرضها حتى في المدارس التي تؤسسها الدولة للأجانب، في الوقت الذي هيمنت فيه اللغة الفرنسية والاسبانية والعبرية على جل المدارس بالمدن. فمثلاً عدد ساعات تدريس العربية في هذه الفترة لم يتعد حاجز الخمس ساعات في الأسبوع، مقابل عشرين ساعة مخصصة للفرنسية. ونظراً لسياسة الإقصاء اللغوي المتبعة من طرف المستعمر، لجأت الحركة الوطنية إلى تأسيس المدارس الحرة التي تعنى بالعربية.
مبادرة ميثاق الشباب الوطني سنة 1946: حرص الميثاق على إلزامية تعريب المواد العلمية كالرياضيات والطبيعيات والفيزياء والكيمياء والاقتصاد، وهي المواد التي كانت تدرس آنذاك بالفرنسية.
دستور 1965: الذي نص على: المغربة والتعريب والتوحيد، وقد ترجم القضاء المغربي بعض مخرجات هذا الدستور الذي حرص على تعريب المطبوعات والوثائق والمستندات والوثائق والعقود المحررة بلغة فرنسية أو إسبانية، أو بغيرهما، وحرص الظهير أعلاه على أن المرافعات التي تتم في المحاكم لا بد أن تقدم باللغة العربية بعدما كانت لغة التقاضي أجنبية.
لقد باتت مقتضيات هذا الدستور الموسوم بظهير التعريب والمغربة والتوحيد، ركيزة فعالة في توظيف اللغة العربية على المستويين الإداري والقضائي، بعدما ظل المغرب لعقود من الزمن يستعمل لغة المستعمر في جميع المرافق العمومية.
منشور 1972؛ يحث الإدارة العمومية على اعتماد اللغة العربية في جميع المراسلات الموجهة للمواطنين.
المبادرة الإصلاحية لسنة 1989 القاضية برفع مستوى اللغة العربية، استناداً إلى المكانة التي تحتلها في النظام التعليمي، كما دعت في الوقت نفسه إلى تغيير وتطوير مناهج وبرامج التدريس حتى تتماشى مع نظيرتها المعتمدة في المدارس الأجنبية.
المبادرة الإصلاحية لأكاديمية المملكة لسنة 1994وسنة 1995م. وفيهما تعالت مجموعة من الأصوات المنددة بما آل إليه التشرذم اللغوي بالمغرب؛ بين اللازدواجية والتعددية؛ ازدواجية تجمع بين اللغة العربية واللهجات، وثنائية تجمع العربية باللغة الفرنسية المعتمدة في الاقتصاد والإعلام وغيره، ومن شأن هذا التشرذم أن يؤدي إلى إفقار العربية الفصيحة وتهميشها. أمام توغل اللغات الأجنبية وهيمنتها على الاقتصاد والإعلام والإدارات، والمعاملات والمؤسسات التعليمية الخصوصية، وأمام هذا الخطر المحدق باللغة العربية دعا المؤتمرون إلى ضرورة تعريب التعليم بشقيه الأولي والعالي، وتطوير اللغة العربية من خلال تحديث برامجها وإعادة النظر في مناهجها حتى تتمكن من مواكبة اللغات العالمية، غير أن الرياح تجري أحياناً بما لم تشته السفن، إذ جاء القرار الرسمي برفض سياسة التعريب في التعليم العالي وقبولها في التعليم الأولي.
المبادرة الخاصة بميثاق التربية والتكوين 1999:
خصص الميثاق الدعامة التاسعة لتحسين تدريس اللغة العربية واستعمالها وإتقـان اللغـات الأجنبيـة والتفتح على اللهجات المحلية: “حيث إن اللغة العربية، بمقتضى دستور المملكة المغربية، هي اللغة الرسمية للبلاد، وحيـث إن تعزيزها واستعمالها في مختلف مجالات العلم والحياة كان ولا يزال وسيبقى طموحاً وطنياً”. وقد حرص الميثاق على تحقيق المبادئ الآتية:
– تعزيز تعليم اللغة العربية، وتحسينه من خلال تجديد تعليم اللغة العربية وتقويته، مع جعله إلزامياً لكل الأطفـال المغاربـة.
– فتح شعب اختيارية للتعليم العلمي والتقني والبيداغوجي على مستوى الجامعات باللغة العربية، موازاة مـع تـوافر المرجعيـات البيداغوجية الجيدة والمكونين من ذوي الكفاءات.
– إحداث أكاديمية اللغة العربية ابتداء من السنة الأكاديمية 2000-2001، لتصبح مؤسسة وطنية ذات مستوى عال، مكلفة بالتدبير اللغوي، وتطبيقه وتقويمه بشكل مستمر، وتضم تحت سلطتها المؤسسات والمراكز الجامعية المهتمـة بتطـوير اللغـة العربية، وقد صدر مرسوماً ملكياً8. سنة 2003م يحدث بموجبه هذه الأكاديمية، التي أطلق عليها اسم (أكاديمية محمد السادس للغة العربية). في انتظار أن تخرج هذه الأكاديمية إلى الوجود لتقوم بدورها الذي أنيط بها في أفق إعادة الاعتبار للغة العربية انطلاقاً من الأهداف المحددة لها ك “مؤسسة وطنية مكلفة بالتنمية المتواصلة للنسق اللساني العربي على مستويات التركيب والتوليد والمعجم؛ وتشجيع حركة الإنتاج والترجمة بهدف استيعاب مكتسبات التطور العلمي والتكنولوجي والثقافي بلغة عربية واضحة، مع تشجيع التأليف والنشر وتصدير الإنتاج الوطني الجيد، وتكوين صفوة المتخصصين يتقنون مختلف مجالات المعرفة باللغة العربية”9. من هذا المنطلق تبدو الغاية واضحة من إحداث هذه المؤسسة وهي مباشرة معالجة الاختلالات التي تمس جوهر اللغة في التعليم والتعلم، وفي الحياة العامة، وفي جميع مختلف المؤسسات الإدارية.
ولتحقيق أهداف الميثاق الوطني للتربية والتكوين، فقد خصصت له الوزارة الوصية غلافاً زمنياً يمتد من بداية سنة 2000م إلى حدود سنة 2009م أي عقداً من الزمن.
إن المتتبع للمبادرات الوطنية الرسمية وغير الرسمية سيلاحظ مدى تلكؤ الدولة في تنزيل التوصيات التي تقدمها الجهات التي أوكلت إليها مهمة التدبير اللغوي بالمملكة؛ فكلما أثيرت مسألة التعريب، أو قضية اللغة العربية إلا واختارت الدولة أسلوب التسويف والتعويم؛ تحت غطاء من التبجيل لمكانة هذه اللغة، والأنكى من هذا هو التذرع بحاجة اللغة العربية إلى التطوير للدفع بها إلى ردهة الانتظار خارج مجالات التفاعل التي تتطور فيها اللغات العالمية تطوراً يومياً طبيعياً، علماً أن المجامع اللغوية العربية (الأردن-مصر-العراق-فلسطين..) وضمنها مؤسسة تنسيق التعريب ومعهد الأبحاث والدراسات للتعريب بالمغرب، راكمت خلال عقود عشرات المعاجم المختصة والأرصدة اللغوية، التي تنتظر التنزيل والتفعيل. وبعد مرور عقدين من الزمن على دخوله حيز التنفيذ سجل ميثاق 1999. تراجعاً عن خيار التعريب، عندما فسح المجال لتدريس المواد العلمية باللغة الفرنسية من جديد، وحصرت تعريب التعليم العالي في بعض الشعب الاختيارية لا أمل لها في النجاح وسط سياق جامعي وإداري واقتصادي فرضت عليه الفرنسية فرضا.
المبادرة الدستورية 2011: بعد فشل ميثاق التربية والتكوين في تنزيل مبادئه الكبرى، خصوصاً منها تلك التي تتعلق بالتدبير اللغوي القائم على تعزيز مكانة اللغة العربية وإعطائها المكانة اللائقة بها، مادامت هي اللغة الوطنية الأولى المنصوص عليها دستوريا، وفي ظل الاهتمام المتزايد باللغات الأجنبية في التعليم الأولي والجامعي وفي جميع مرافق الحياة العامة، جاء دستور2011 ليعيد النقاش الدائر حول المشكلة اللغوية بالمغرب وسط مناخ اجتماعي وغليان سياسي، وربيع عربي ينذر بتغيير شامل لكل السياسات والمبادرة السابقة، التي انتهت بالفشل لغياب سياسة لغوية واضحة المعالم تنخرط فيها المؤسسات اللغوية المختصة، كالمجامع اللغوية ومعاهد الدراسات المعجمية. فمتى سيتم تنزيل مقتضيات الدستور واعتماد العربية وتحسين تنزيل اللغة الأمازيغية في حقلنا التعليمي ؟




