
5 مارس 2025
نكبة العرب الجديدة
بعد طوفان السابع من أكتوبر 2023 الذي نفذته المقاومة بشكل استباقي لهجوم اسرائيلي كاسح كان يخطط له العدو من أجل ضم قطاع غزة والضفة الغربية، وإقبار القضية الفلسطينية وانهائها، بعدما تم احتواء أغلب الدول العربية، إما بخلق ثورات مزعومة، أو بتطبيع نظير مصالح وهمية، أو بمساعدات أمريكية، تمول من دول عربية غنية، وبعد حرب شعواء مدمرة على القطاع ذهب ضحيتها ما يقارب 200000 بين قتيل وجريح ومفقود، لم يستطع العدوان الإسرائيلي المدعوم أمريكيا بالسلاح والمال، أن يحقق نصرا على المقاومة الفلسطينية بفصائلها المختلفة، بل جل ما حققه ليس سوى دمار شامل لمدن وبلدات القطاع، وقتل الآلاف من النساء والأطفال الأبرياء مما يشي بتحول شامل في حرب دولة الاحتلال على الشعب الفلسطيني، وانتقال الصراع من ضربات محدودة على مواقع المقاومة، إلى حرب إبادة جماعية بغية طمس الهوية الفلسطينية عن أرض فلسطين، في محاولة بئيسة فاشلة لتهجير أصحاب الأرض وتغيير الواقع الديمغرافي والجغرافي بقوة السلاح.
ومع انتخاب رئيس أمريكي جديد له طموحات توسعية نفسها التي لنظيره الصهيوني نتن ياهو، حيث أعلن عن رغبته في إضافة ولايات جديدة : كرينلاند وبنما وكندا، بل توسع خياله للتفكير في ما وراء البحار، لتكون غزة ولاية ريفرية أمريكية في الشرق الاوسط، على أن يُهجَّر سكانها إلى مصر وأقصى الكرة الأرضية بل حتى إلى جزر الواقواق، للانتهاء من هذه القضية إلى الأبد، فكان الرد الشافي والكافي هو جواب نساء غزة الحرائر على فكرة تهجير الفلسطينيين خارج فلسطين، أنهن يتفقن على التهجير لكن الى القدس ويافا وأراضي 1948 التي هجروا منها بعدما قتل من قتل ونكل بمن نكل، يتفقن على تهجير بني صهيون ورجوعهم الى بلدانهم الأصلية في أمريكا وأوربا ودول أخرى في أفريقيا.
أمام هذا الصمود الاستراتيجي للشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة، التي فرضت على العدو الإسرائيلي إبرام اتفاق هدنة يفضي إلى وقف حمام الدم في غزة، تمهيدا لوقف الحرب بشكل نهائي، بضمانات أمريكية قطرية مصرية، واستعادة الأسرى الصهاينة مقابل الإفراج عن آلاف المعتقلين الفلسطينيين وعلى رأسهم ذوو الأحكام العالية، ودخول المساعدات الإنسانية و إعمار غزة ورفع الحصار عنها، وانسحاب القوات الغازية من جميع أراضي القطاع، وقد كان حريا بزعماء الدول العربية استغلال هذه اللحظة التاريخية التي مرغت فيها المقاومة أنف جيش العدو إذ لم يحقق نصرا في غزة بقدر ما تكبدت قواته خسائر بشرية وأخرى في العتاد رغم تفوقه العسكري، كذلك استغلال الموقف الدولي والشعبي المساند للقضية الفلسطينية المدعم من قبل المحكمة الجنائية الدولية بحكمها بإدانة رئيس وزراء الكيان المحتل ووزير دفاعه لارتكابهما جرائم حرب، وإبادة ضد الأبرياء في غزة، لكن الموقف العربي كما عهدناه منذ عقود لا يبذل ما هو ضروري لحل القضية، رغم امتلاكه للعديد من أوراق الضغط، وما نلاحظه هذه الأيام من مشاورات ولقاءات عربية أتت بعد خراب غزة، إنما جاءت لكون مقترحات رئيس أمريكا تبنت تهجير الفلسطينيين وتهجير الصراع معهم، وتهدد الأمن الإقليمي والقومي لدول الجوار التي طلب منها استقبال سكان غزة، حيث ينقل الصراع بين الفلسطينيين وقوات الاحتلال، إلى صراعات جديدة بين الدول المستقبلة والمُهَجرين الفلسطينيين، مما يجعل المنطقة على صفيح ساخن ملتهب.
يأتي ذلك في خضم تحلل الكيان الصهيوني من الالتزام ببنود اتفاق الهدنة، خاصة ما يتعلق بالبروتوكول الانساني، وقراره بمنع دخول مساعدات الغذاء والدواء والخيام والكرفانات وقطع الماء والكهرباء عن غزة، سعيا خلف ممارسة الضغط على المقاومة من أجل الإذعان لشروطه في المراحل الموالية لاتفاق الهدنة، ومنها الإفراج عن الأسرى الصهاينة ووقف الحرب مقابل نزع سلاح المقاومة وتدميرها، علما أن السلاح هو سلاح الشعب الفلسطيني لتحرير أرضه، والمقاومة هي مقاومة شعب، والهدف من ذلك هو تحقيق ما لم يستطع تحقيقه طوال خمسة عشر شهرا من الحرب، وهو مسعى بئيس يصعب إنجازه بالنظر للنصر الاستراتيجي للمقاومة وعلى رأسها حماس، ونظرا للصمود البطولي للشعب الفلسطيني في غزة، وكلها عناصر لا تزيد الفلسطينيين إلا تمسكا بأرضهم وحقهم المشروع في الحرية والاستقلال ودحر المحتل الجائر على الرغم من الوضع المتأزم الذي وصل إليه المشهد في فلسطين، خاصة مع قرار الصهاينة بضم الضفة الغربية بدعم أمريكي لا مشروط، ودخول القوات الصهيونية الغازية إلى جنين وطولكرم تحت أنظار سلطة عباس وقواته الأمنية، تمهيدا للتدمير المنهجي المتسلسل لمدن الضفة وتهجير سكانها تباعا.
إزاء هذه المشهدية التي نعيشها في عالمنا العربي التي تعد نقلة نوعية جديدة في الصراع مع العدو الذي انتقل الى مرحلة جديدة وهي القوة المفرطة والابادة الشاملة والمزيد من القوة والنار، والترانسفير الكامل والشامل للشعب الفلسطيني خارج فلسطين، مما يشكل خطرا وجوديا على القضية بل على الوجود العربي والإسلامي برمته، دون مبالاة بالمنتظم الدولي وقوانينه، أو الموقف العربي الذي لم يبق له وجود أصلا، إذ لم يشارك العرب في المعركة القانونية التي رفعتها دولة جنوب أفريقيا بالمحكمة الجنائية ضد قادة العدو النازيين، فمن خلال متابعة الاداء السياسي العربي نحو القضية الفلسطينية يلاحظ أن مساره ينحو في اتجاه الانحدار الشديد بل العمودي المشين مما ينبئ بنكبة جديدة لن تقوم لنا بعدها قائمة.
المواطن العربي يدعو حكامه وقادته إلى انتفاضة يعيدون بها الكرامة للإنسان العربي، وينتصرون للقضايا العربية والإسلامية، لا يخوفهم ابتزاز ترامب بتوقيف المساعدات ومطالبتهم بدفع مئات المليارات ورفع أسقف المطالب لقبول ما هو أدنى من المخطط له ، سنساندهم وندعمهم في اتخاذ خطوات وقرارات عملية و الانتقال من الأقوال الى الأفعال لمنع التطهير العرقي االسادي الذي يمارسه العدو الصهيوني بدعم مباشر من أمريكا، و رفض أي تهجير قسري أو طوعي للفلسطينيين، و إنهاء كل أشكال التطبيع والتنسيق والتبادل الاقتصادي مع الكيان الغاصب، وفك الحصار عن غزة خاصة من طرف الجيران المصريين، وإنهاء الاختلاف بين الفصائل الفلسطينية وعودة السلطة إلى الصواب بالوقوف مع قضية الشعب وو قف المفاوضات العبثية وكل أشكال التنسيق الأمني مع العدو وأخذ العبرة مما يقع أمام أعينها في الضفة، و إعمار غزة بتمويل عربي وإسلامي دون تدخل أمريكي.
لقد كانت القمة العربية المنعقدة بالقاهرة في الرابع من مارس 2025، مناسبة للتماسك العربي والاستجابة إلى طموحات الشعوب العربية والإسلامية، والدعم الحقيقي للقضية الفلسطينية وتفعيل الدفاع العربي المشترك ووقف التطبيع والتنسيق مع العدو، لكن القمة وإن أجمعت على رفض تهجير سكان غزة والضفة الغربية، إلا أنها لم تنتصر لصمود الفلسطينيين في غزة ولم تنتصر لمقاومتهم، بل تجاهلت كل ذلك واتخذت قرارات ضبابية تثير الكثير من التساؤلات حول مآلاتها، خاصة ما يتعلق بسلاح المقاومة والأمن و طلب نشر قوات سلام دولية تكبل المقاومة ولا تدفع العدوان ( نموذج جنوب لبنان حيث لا تستطيع تلك القوات وقف الاعتداءات المتكررة رغم اتفاق وقف إطلاق النار، ونموذج سيبرينيتشا البوسنية سنة 1995 لما سمحت القوات الدولية بدخول الصرب الى المدينة واقتراف أكبر مذبحة وحشية في أوروبا ضد 8300 من الأبرياء العُزل).
إن شعوب العالم لم تتنازل أبدا عن المقاومة حتى نالت استقلالها رغم فرق القوة بين أصحاب الأرض والغزاة المحتلين، فالمنطق يقول لابد من إعادة الأرض لأصحابها مهما طال الزمن، وأنه لا سلام مع الغاصب المحتل، ولا مع دولة تقوم على الاستقواء بأمريكا والغرب اللذين يواصلان تمويلها وتسليحها، لا سلام مع دولة يحكمها منطق التوسع، إن السلام في المنطق والمفهوم الصهيوني لا يعدو أن يكون سيطرة وأمنا لإسرائيل فقط، ومزيد من القتل والدمار وترهيب الجيران، والمزيد من التوسع لتكون إسرائيل هي نفسها الشرق الأوسط الجديد الذي يلغي كل دول المنطقة باجتزاء أطراف شاسعة منها وضمها للكيان الغاصب تمهيدا لضمها بالكامل في مراحل قادمة. حيث يكفي النظر خلال 75 سنة من وجود الكيان النازي العنصري، لفهم المشهد، إذ أنشئ الكيان الصهيوني من العدم بتقسيم دولي لفلسطين إلى دولة يهودية وأخرى عربية وكان ذلك بناء على القرار رقم 181 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نوفمبرسنة 1947، وبعد تثبيت كيانه اعتمد على الحروب المتتالية للتوسع على حساب الجيران العرب، فقام العدو الصهيوني بشن عدوان ثلاثي سنة 1956 بمشاركة فرنسا وبريطانيا على مصر بسبب أزمة قناة السويس المختلقة، بعد ذلك بسنوات شنت قواته سنة 1967حربا مفاجئة على مصر واقتطعت منها صحراء سيناء بأكملها ودمرت قدراتها العسكرية في ساعات، كذلك اتجهت شرقا فاحتلت الجولان السوري، وضمت ما اعتبر دولة فلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية، واحتلت سنة 1982 أجزاء من جنوب لبنان ومنذ ذلك الحين يعيث الكيان الغاصب قتلا وتدميرا وحروبا مستمرة على الشعب الفلسطيني، كل ذلك تحت شعار القتل لكل فلسطيني يناوئ المحتل، وهو خطاب إجرامي صادر عن كل المسؤولين الإسرائيليين منذ إنشاء كيانهم الغاصب.
إن المواقف التي تكسب الانتصارات وتدفع أطماع الأعداء ليست بالتأكيد مواقف الخنوع والخضوع، إنما مواقف الإيمان بالحقوق المشروعة والدفاع عنها والموت دونها، ووضع الاستراتيجيات المناسبة لها وإعداد ما يلزم لتنفيذها، دون توجس أو خوف من أحد، لذلك حين أعطى رئيس أمريكا إنذارا من أجل إطلاق كل الأسرى الصهاينة وحدد لذلك أجل أسبوع واحد وإلا فهو الجحيم بحسب توصيفه، لكن المقاومة لم تستجب لتلك التهديدات وأعلنت التزامها ببنود الاتفاق الذي أشرفت عليه أمريكا نفسها ومن المفترض أنها ضامنة له وليس لشروط جديدة متجددة، كما أعلنت عن رفضها للضغوط والابتزاز، وهو ما يعطي لقادة العرب وهم كثرة، مجالا للتحدي يمكن البناء عليه في صراعنا مع العدو الصهيوني.
إن الشعب العربي يرفض تهجير الفلسطينيين عن أرضهم، وقضية فلسطين هي قضية كل العرب والمسلمين وشرفاء العالم لأنها قضية عادلة لا تقبل المساومة، وحركات التحرر في العالم إنما تقاوم من أجل الكرامة والاستقلال ودحر المستعمر الغاصب، وقد عبر الشاعر فيصل الشريف عن ذلك تعبيرا دقيقا في قصيدة “وا أمتاه” نقتبس منها بعض الأبيات:
وا أمتاه الصمت قد أردانا إنا سئمنا الجور والطغيانا
سفك العداة دمائنا في غزة والغرب قد كانوا لهم أعوانا. فالحق والعدل الذي يرجونه في شرعهم نصبوا له ميزانا
أن يقتل العربي ليس تجنيا فالعدل في أن يكثروا قتلانا
لكأنما الغربي قطرة دمه قد عادلت من دمنا أطنانا
فنضالنا إرهاب في قاموسهم إذ نفتدي بدمائنا الأوطانا
والغرب يهدي للمحتل مدفعا كي يقتل الأطفال والنسوانا
آن الأوان لأن تجيب فعالنا فرجال غزة زمجروا طوفانا
لبيك يا أقصى دوي حناجر لم ترتض الإرهاب والعدوانا
ستظل في نبض الشعوب قضية تستنهض الأرواح والوجدانا
بئس السلام سلامهم وا أمتاه ألا استفيقي الآنا




